محمد برادة لـ"ذوات": نحن معنيون بإعادة صياغة سؤال فلسطين على الضمير العالمي (1 من 2)
02 سبتمبر (أيلول) 2014 21:00 | 0 تعليق

محمد برادة - (ذوات)
رام الله - يوسف الشايب

يرى الروائي والناقد العربي المغربي الكبير محمد برادة أن علاقته بفلسطين انعكاس لانتمائه إلى المغرب، وإلى حقل الثقافة العربية الواسع، لأن جزءًا من الذاكرة المشتركة للعرب هو دور الإبداع الفلسطيني البارز في المقاومة.

وأضاف برادة الذي التقت به "ذوات" على هامش مشاركته في فعاليات معرض فلسطين الدولي للكتاب برام الله في نسخته الأخيرة، أن "النظر لفلسطين واستجلاء صورتها وبصماتها، هو ذات الوقت، تلمس لأهم اللحظات التي تتصل وتنفصل من أجل إعادة صوغ سؤال الهوية في صيرورتها".

وفي ما يلي نص الجزء الأول من الحوار:

الزيارة الحلم

* بداية ... ماذا عن هذه الزيارة الحلم؟

- حقيقة، العلاقة مع فلسطين بقدر ما هي واضحة، يشوبها نوع من الغموض؛ فهناك التعلق العاطفي الوجداني، وهذا لا يحتاج إلى تدليل، لكون فلسطين توجد تحت الاحتلال في وضع سياسي يمثل بوضوح الاعتداء على حقوق الإنسان، وتحقيره، ما كان يجعلني أتردد في هذه الزيارة، لأسباب نفسية ... لم أكن أريد أن أجد نفسي عاجزاً وأنا أرى أشقاء وأحباء يعانون من ويلات الاحتلال، لكني أذكر الراحل فيصل الحسيني، قال لي ذات يوم في باريس "تخيل أن أخاك في السجن، ألا تزوره".

* وماذا حصل؟

لا يمكن أن نفكر في تحرير فلسطين دون أن نفكر في الأوضاع المتردية للمجتمعات العربية، خاصة في ظل غياب استراتيجية عربية تساند فلسطين

- بدعوة من وزارة الثقافة الفلسطينية، جئت مشاركاً في معرض فلسطين الدولي للكتاب ... عندما جئت إلى هنا، تبيّن أن معرفتي بهذا الواقع على ما فيه من قتامة ومن تردٍّ ضرورية، لأننا نظن أن الأيام ستحل الأمر، وأن أنواع المقاومة التي يمارسها الشعب الفلسطيني ستحل الأمر، ولكن يبدو أن المخطط الإسرائيلي يتمحور حول فكرة عدم الرحيل من الأراضي المحتلة، وعدم التوصل إلى السلام ... هنا نجد أنفسنا كبشر ومثقفين أمام سؤال أساسي حول فلسطين، التي هي بقدر ما تخوض صراعاً بكافة الأشكال وعلى مختلف المستويات لاسترجاع الأرض المحتلة، بقدر ما تتغلغل في عمق السؤال العربي ... هذه الزيارة أكدت لي ذلك.


* كيف؟

- ما أقصده، أننا لا يمكن أن نفكر في تحرير فلسطين دون أن نفكر في الأوضاع المتردية للمجتمعات العربية، خاصة في ظل غياب استراتيجية عربية تساند فلسطين ... هذا الترابط الذي كان في بداياته عاطفياً وجدانياً بالنسبة لي، بات عقب الزيارة سؤالاً وجدانياً يتعلق بالمستقبل من حيث التطلع إلى النهوض، وتحرير الأراضي المحتلة ... وهذا يضعنا أمام ضرورة إعادة النظر في المشروع العربي، حيث يعتمد على مداميك ومرتكزات واقعية، دون إقصاء لأقليات، ودون طائفية ... إلخ.

مخيال فلسطين

*ما الذي جعلك تغير المخيال عن فلسطين؟

- العنصر الأساسي المرأة الفلسطينية والرجل الفلسطيني والأطفال ... كيف يعيش الفلسطينيون هذا الاحتلال السيئ والمتردي بنوع من المقاومة اليومية وفق شروط صعبة لأجل الاستمرار في الحياة ... هذه المظاهر والتجليات في الحياة اليومية البسيطة، هي فعلاً عمل مهم من أعمال المقاومة، وهو ما يجعل من الضروري إعادة طرح السؤال "كيف في سياق عالمي دولي مختلف عما كان عليه في العقود الماضية، وفي سياق تحالف أمريكي صهيوني قوي، وتقزّم عربي، نعيد صياغة السؤال حول المسؤولية الإنسانية قبل مسؤولية القرابة المتعلقة بفلسطين وقضيتها".
*ما تأثير هذه الزيارة على حضور فلسطين في نص محمد برادة؟

- الإبداع له قوانينه وشروطه الخاصة ... الإبداع يقتضي فترة زمنية كافية، لتخمر وتبلور المشروع الإبداعي، لكن بالتأكيد ما تشاهده العين، وتختزنه الذاكرة، يأخذ مجراه بكيفية أو بأخرى إلى النصوص الإبداعية، ولكن قبل هذا وذاك، أرى أن هذه الزيارة أساسية لتعديل الوعي وتعميقه بالواقع الفلسطيني ... أظن أن الكثيرين من المواطنين العرب لهم تصور تجريدي عن فلسطين وحياة أهلها، بل إن بعضهم يلجأ إلى التنصل من مسؤولياته تجاه الفلسطينيين تحت شعارات "رب البيت يحميه"، أو أن "الفلسطينيين يقومون بالمقاومة اللازمة"، والواقع غير ذلك، فعندما نرى كيف تضع إسرائيل الشعب الفلسطيني بين فكي كماشة، يجب أن ندرك أن الخطر حقيقي، يحتاج إلى إعادة نظر في وسائل المقاومة والمطالبة، ووسائل وطرائق فضح ممارسات الاحتلال.

مما يثير غرابتي، وأتساءل كثيراً بخصوصه، هو كيفية تنصل المثقفين الأوروبيين على وجه الخصوص، من التعبير عن إدانتهم القوية لإسرائيل، ولسياستها الاستعمارية ... علينا إيجاد طريقة نطرح من خلالها السؤال الفلسطيني على الضمير العالمي، وباعتقادي هذا الأمر يقتضي التفكير بسرعة، وألا تكون مسؤولية تنفيذه ملقاة فقط على عاتق الفلسطينيين.

حكاية الرواية

* لمحمد برادة الروائي حضور بات عالمياً، لدرجة أن البعض يعتبره شيخ الروائيين في المغرب... ما هي حكايتك مع الرواية على مر العقود الماضية؟

المبدأ الأساسي الذي يجب أن يراعى هو عدم الخلط بين السياسة والأدب؛ فالسياسة لها مجالها ومنطقها، والأدب له تراث وأشكال فنية

- علاقتي بالرواية يمكن وصفها بمحاولة القبض على الواقع، وتعقيداته وتشابكاته، عبر التخييل والذاكرة ولغة الكلام أساساً ... أجد نفسي في الرواية أكثر مما أجد نفسي في النقد؛ فالرواية شكل مفتوح وواسع يمكن أن يستوعب جميع أشكال الخطابات المستعملة من رسائل ومخاطبات ومذكرات ويوميات وشعر.

لعبة النسيان

* لروايتك لعبة النسيان خصوصية لديك كما سبق وصرحت ... ما سر هذه الخصوصية؟

- عندما كتبت لعبة النسيان، ونشرتها في العام 1987، كنت أتوقف عند مرحلة من حياتي قضيتها في نوع من النضال، ومن التبشير الثقافي واتحاد الكتاب في المغرب، ووجدت أن هذه الأشياء الملموسة، والتي أعبر عنها بالمصطلحات المجردة لا تنقل تفاصيل المشاريع، لذلك عدت إلى طفولتي فيها، وإلى المراهقة، والعلاقة مع الأسرة والحركة الوطنية ... لعبة النسيان فتحت لي نافذة كبيرة لأرى المجتمع المغربي من زوايا متعددة.

* وماذا عما بعد لعبة النسيان؟

- ما فعلته في لعبة النسيان فعلته في روايتي الثانية "الضوء الهارب"، وإن كانت مختلفة في الشكل، أو ما فعلته في رواية "مثل صيف لم يتكرر"، وكانت عن علاقتي بمصر، أو في "امرأة النسيان".

* لكن ثمة تكنيكاً (تقنية) ومضموناً مختلفين في روايتك "حيوات متجاورة"؟

- هذه الرواية نشرتها في العام 2009، وهي رواية متصلة بواقع المغرب اليوم، في تحولاته وتراكماته وتناقضاته، من خلال شخصيات متنافرة متباعدة، لكنها متجاورة، على أساس أن الجوار داخل المجتمع يخضع بالأساس للصدفة... نحن في عائلة لم نخترها، ونربى على يد أبوين لم نخترهما، ونتكلم لغة لم نخترها، ولكن شيئاً فشيئاً نجد أنفسنا أمام ضرورة ربط العلاقة مع الآخر الذي يعايشنا، والآخر الذي يسكن خيالاتنا، وهكذا.

النماذج التي رسمتها في "حيوات متجاورة" تكشف عن هذا التناقض، ومن ثم وجدتها تقول أشياء لا نعثر عليها في الخطاب السياسي والتحليل السياسي.

المثقف والسياسي

* هل توافق على أن ثمة حالة ما من الاشتباك ما بين المثقف والسياسي؟

- المبدأ الأساسي الذي يجب أن يراعى هو عدم الخلط بين السياسة والأدب؛ فالسياسة لها مجالها ومنطقها، والأدب له تراث وأشكال فنية ومقاييس جمالية لابد من مراعاتها عند الكتابة، لأن هذا هو الذي يضمن لها قيمة، ويضمن لها أن تتعدى المرحلة التي كتبت فيها ... أعتقد أن الأدب العربي الحديث؛ أي منذ ستينيات القرن الماضي استطاع تحقيق هذا الشرط، أي أن يشعر أن للأدب خصوصيته، وأن له سياسته المختلفة تتعلق بتطور المقاييس الجمالية للكتابة الأدبية، ومن خلالها تحضر السياسة بكيفية أو بأخرى، بينما السياسة تتصل بالتدبير الآني، وبالاستراتيجية، وبالتالي يستطيع السياسي الاستفادة من رؤية المفكر والكاتب والفنان والمخرج السينمائي.

عندما تغدو السياسة عنصراً بين عناصر أُخرى في تكوين الرواية تكون عنصراً إيجابياً

الحياة بطبيعتها متعددة العناصر والتكوينات، وتحتاج إلى شمولية للقبض عليها. أما حينما نظل سجناء خطاب سياسي ببغائي يكرر نفس الشعارات، فإن زخم الحياة وتعدديتها وتنوعها يفلت من بين أصابع الروائي.

أنا مع النظرة النقدية، ومحاولة استشراف ما هو آت، ولا يمكن أن أبرر للسياسة أخطاءها، وأنت تعلم أن الوضع السياسي العربي خاصة بعد العام 1967، دخل في قمقم من الممارسات السياسية والتسلطية لدى الأنظمة، فبدلاً من أن يظل الجدل والتأثير المتبادل فاعلاً في مضمار السياسة، تحول إلى تكريس للحاكمين والاستبداد والحكم الفردي، ومن هنا أصيبت السياسة بالعقم، أو ما أسميه مع آخرين انفصام السياسة على الثقافة.

أما الثقافة العربية، وفي كل تجلياتها وإبداعاتها، ظلت تواكب أفق الحداثة، ويمكن التدليل على ذلك بالسينما، والفنون التشكيلية، والموسيقى، والرواية، والشعر، والقصة، نجد أن الإبداعات فعلاً أن تبني جسوراً مع ما هو حداثي وعالمي، ورغم أصولها المحلية استطاعت أن تلامس أشكالاً عالمية تعطيها قيمة إذا ما ترجمت إلى لغات أجنبية.

في السياسة قد أكون ملزماً بشروط ما، لكن عندما يتعلق الأمر بالكتابة، فيجب عليّ أن أعانق الحرية والفكر النقدي بكل ما أملك، وهذا شيء ضروري لأن واقع كل مجتمع لا يبقى على حاله، وهو في تحول لربما لا يدركه السياسي أو الاقتصادي، لكن يدركه الروائي في رسم لشخوص رواياته، ومن خلال الخطابات المتنوعة التي تشتمل على بعد تاريخي ... رحابة الأدب هي بهذا المعنى، وهي رحابة تعانق رحابة الحياة.

* نلاحظ أن الرواية المغربية الحديثة مسكونة بالهم السياسي وخاصة حقبة الثمانينيات ... لماذا برأيك؟
- بداية دعني أؤكد على حق الروائي من استقاء مواده الخام من جميع المجالات دون تصنيف مسبق ... التصنيفات المسبقة تقلص من حجم الرواية، كأن يقال بأن هذه رواية سياسية، أو اجتماعية، أو جنسية، وهذا غير صحيح ... عندما يمتلك روائي ما حداً ما مع الوعي الجمالي والفني، فإن روايته تشمل السياسي والاجتماعي والجنسي وغيرها.

عندما تغدو السياسة عنصراً بين عناصر أُخرى في تكوين الرواية تكون عنصراً إيجابياً، لأن بقية المجالات والمشاعر والصراعات تضيء الصراع السياسي ... فلا يمكن أن أجرد الساسة عن علاقتهم ومشاعرهم في أية رواية، لما لها من تأثير على سلوكه السياسي ... هذا التنوع في التناول، يجعل من العودة إلى ثيمات متنوعة في التاريخ، والمنغرسة في الذاكرة والطبائع الاجتماعية، من أهم المواد الخام التي تغذي الرواية.

التعليقات السابقة

لا يوجد تعليقات سابقة. كن أول من يقوم بالتعليق

أضف تعليقاًً

الاسم
البريد الإلكتروني
* اختياري
عنوان التعليق
التعليق