المهمشون في التاريخ الإسلامي: الكشف عن ثورات عربية مغيبة
16 سبتمبر (أيلول) 2014 09:21 | 0 تعليق
غلاف الكتاب -(ذوات)
يكشف د. محمود إسماعيل في كتابه الصادر عن دار رؤية للنشر والتوزيع في القاهرة، والموسوم بـ"المهمشون في التاريخ الإسلامي" عن ثورات وتجمعات وشخصيات مؤثرة في التاريخ الإسلامي، تم تهميشها، عن قصد، في غالب الأحيان، من بينها: ثورة الزنج الأولى في العهد الأموي، وثورة "الخشبية" في العراق، وفي العهد ذاته، وثورة "الحدادين" في الأندلس، وثورة الزنج الثانية، ودولة "القرامطة" بالعراق والبحرين، وثورة "عمر بن حفصون" في الأندلس، وثورة "حميم المفترى" بالمغرب الأقصى، وحركات "العيّارين" في العراق، وحركات "الأحداث" في الشام، وحركات "الحرافيش" في مصر، وحركات "الفتاك" في آسيا الوسطى، وحركات "الصقورة" في المغرب والأندلس، ودولة الحرفيين "الصفارية" في سجستان.
والكتاب، الذي اعتبره الناشر من بين أهم منشوراته، وروّج له في معرض عمّان الدولي الخامس عشر للكتاب، يأتي، وفق مؤلفه، في إطار إعادة دراسة وبحث وتدوين التاريخ الإسلامي الذي لا يزال يلفه الغموض والإبهام.
ويعرض الكتاب لعدد من الحركات الثورية والانتفاضات الشعبية التي قام بها الحرفيون والفلاحون ضد نظم ثيوقراطية وإقطاعية عسكرية، امتنع "مؤرخو السلطة" عن التأريخ لها، أو تناولوا بعضها وفق رؤية "دنيوية"، فاعتبروها فتناً ومروقاً على "ولي الأمر"، وأن القائمين عليها وبها "رعاعاً"، و"سوقة"، و"سفلة"، كما اتهموا زعماءها بالزندقة والإباحية.
وتصدّى الباحث د. محمود إسماعيل لدحض هذه المزاعم، وإثبات الطابع النضالي لتلك الحركات والمبادئ السامية التي تبنّتها، كما علل أسباب قيامها على مدار التاريخ الإسلامي زماناً ومكاناَ، مفسراً ذلك بغياب دور الطبقة البرجوازية التي ساندت السلة ضد قوى المعارضة. هذا بالإضافة إلى ما تمخض عن تلك الحركات من نتائج إيجابية، كإرغام السلطة على اتباع سياسات إصلاحية، وإيجاد حلول، ولو مؤقتة، للمشكلات الاقتصادية والاجتماعية. وعرض أخيراً لنجاح بعضها في إقامة كيانات سياسية صغرى طبق زعماؤها مبادئ الإسلام في الشورى، والمساواة، والعدالة الاجتماعية.
وخلص إسماعيل إلى أن العوام والمهمشين الذين صنعوا التاريخ الإسلامي همّشوا من قبل الحكام الذين "سرقوا" هذا التاريخ ونسبوه إلى أنفسهم، بفضل "مؤرخي البلاط"، كما همّشوا، بالمثل، من قبل الدارسين المحدثين الذي استقوا مادتهم العلمية من الحوليات الرسمية ليس إلا، وأغفلوا المفاصل الحقيقية لتاريخ العوام، لجهل بها أو نتيجة نظرة استعلائية صرفتهم أصلاً عن هذا التاريخ.
وخرجت الدراسة/الكتاب إلى ما وصفها إسماعيل بالحقائق، أولها "كثرة وتعدد حركات العوام والمهمشين، لتشمل سائر عصور التاريخ الإسلامي، وعلى صعيد العالم الإسلامي بأسره"، وثانيها "خُفوت صوت هذه الحركات خلال العصور القليلة التي شهدت نوعاً من الإصلاح السياسي والاقتصادي والاجتماعي، بينما تعاظمت هذه الحركات والانتفاضات إبان عصور القلاقل والفوضى السياسية، وتفاقم المشكلات الاقتصادية والاجتماعية، بما يشي بكون هذه الحركات رد فعل طبيعي ومنطقي لسياسات فاشلة، الأمر الذي يكشف عن البعد الاجتماعي لهذه الحركات".
وشدد إسماعيل على أنه "من الصعب، ومن الخطأ العلمي، وسم بعض هذه الهبّات والانتفاضات بأنها "ثورات"، وذلك لافتقارها في الغالب الأعم إلى الإعداد والتنظيم، فكانت أشبه بحركات تلقائية عفوية ومجانية أكثر منها ثورات منظمة ذات أهداف ومقاصد محدودة وأيديولوجيات ثورية، وقيادات واعية"، وأن هذا القصور يرجع إلى ضعف الوعي الطبقي والضبابية السياسية، وغياب دور الطبقة البورجوازية المنوطة تاريخياً بإحداث التحولات الثورية الشاملة، لافتاً إلى أن تقاعس البورجوازية عن الاضطلاع بهذا الدور يرجع إلى كونها بورجوازية تجارية في الأساس، فكانت لذلك بورجوازية "جنينية" عاجزة وهزيلة دافعت عن وجودها، والحفاظ على مصالحها، بمهادنة الحكومات القائمة، وليس بالثورة عليها، وتقويض حكمها.
ومن بين ما خرج فيه "المهمشون في التاريخ الإسلامي"، أن "تفاقم المشكلات الاقتصادية والاجتماعية في ظل النظم الإقطاعية العسكرية أفضى بالضرورة إلى ردود فعل مضادة تبناها العوام من الفلاحين والحرفيين والبطالين والأرقاء، وهي شرائح مهمشة ضئيلة الخبرات، ما أفضى إلى فشل انتفاضاتها العفوية في النهاية"، وأن "تأدلج بعض هذه الحركات بالتصوف الطرقي التهويمي في أغلب الأحيان، أو بأيديولوجيات هرطقية، جعلت الفقهاء يتصدون لها ويقفون إلى جانب السلطة والبورجوازية التجارية العليا لمواجهتها ودحرها.
وشدد إسماعيل على أنه، و"بالرغم من عديد السلبيات والنقائص التي رافقت انتفاضات العوام والمهمشين، إلا أنها نجحت في تعرية النظم الحاكمة، ومن دار في فلكها من فقهاء السلطة وشرائح البورجوازية التجارية، وأرغمت الحكومات أحياناً على التخفيف من غلواء سياساتها المشتطة، بل والقيام ببعض الإصلاحات في أحيان أخرى، ولولا "ميوعة الصراع الطبقي" نتيجة عوامل قبلية وعنصرية ودينية، لكانت نجاحات العوام والمهمشين أكبر مما كانت عليه، خاصة ما يتعلق بالوصول إلى سدة الحكم، لافتاً إلى أن الكيانات الناجمة عن هذه الحراكات أو الانتفاضات أو الثورات كانت كيانات سياسية ذات طابع "جمهوري إشتراكي"، ما لبث أن سقطت نتيجة "غياب الوعي السياسي، وقوة النظم الإقطاعية المدججة بالسلاح".
وختم إسماعيل بنتيجة حاسمة مفادها أن "مراهقة المعارضة في التاريخ الإسلامي عن خلل دائم ومستمر في بنية هذا المجتمع، لا زالت أصداؤه قائمة إلى الآن، ما أكسب "السلطات الحاكمة" القدرة على البقاء والاستمرار، وحكم على حركات المعارضة بالشلل، والعجوز، والقصور.
التعليقات السابقة
لا يوجد تعليقات سابقة. كن أول من يقوم بالتعليق
أضف تعليقاًً
* اختياري

