ندوة بمعرض عمّان للكتاب: الأدب الساخر تنوير وتثوير
15 سبتمبر (أيلول) 2014 10:32 | 0 تعليق

من اليمين الكاتب الفلسطيني سلمان الناطور والروائي الأردني هزاع البراري والكاتب الأردني أحمد الزعبي-(ذوات)
عمان - منى شكري

وصف كاتبان أن الأدب الساخر "اشتباك يومي وقذائف مضادة للقهر، وخارطة للسير بين الألغام". وأكدا أن السخرية هي الروح السائدة لـ "فش" الخلق والتحايل على مقص الرقيب، وهي مبيد للخوف الذي يفتك بكل الأفكار السوداء السريعة المختبئة خلف جدران الخنوع.

وانتزع الكاتبان الساخران الفلسطيني سلمان الناطور والأردني أحمد حسن الزعبي، ضحكات جمهور الندوة التي استضافتهما ضمن فعاليات معرض عمان الدولي للكتاب في دورته الخامسة عشرة الذي افتتح في الثالث من الشهر الحالي، وقدمهما فيها الروائي ومدير الدراسات والنشر في وزارة الثقافة الأردنية هزاع البراري.

 

الأدب الساخر يؤسس لثورة وعي

أكد البراري في بداية الندوة، التي أقيمت الخميس الماضي، وشهدت حضوراً كبيراً سيما من فئة الشباب، أن الكتابة الساخرة "كان وما يزال لها حضور مميز على الساحة العربية والعالمية".

ووصف البراري هذا الأدب بـ "الحار"؛ لأنه ينطلق من الحدث مباشرة ويعبر عنه دون مواربة، منوهاً إلى أنها كتابات "لصيقة بهموم الناس وأوجاعهم، تذهب إلى النقطة الجوهرية مفجرة الحقائق بوجه القارئ المثقف وغير المثقف، الشخص المسؤول والسلطة".

وبين البراري أن هذه الكتابة "صادمة يخافها المسؤولون"، مشدداً على أن تأثيرها "فاق في السنوات الأخيرة تأثير القصيدة والبندقية".

وأرجع قوة حضور الأدب الساخر، الذي ساعد الفضاء المفتوح والانترنت في انتشاره بين أكبر قدر من الشرائح المختلفة، إلى "انزعاج السلطة من تلك الكتابة التي تؤسس لثورة ما"، مستدركاً "ليس بالضرورة أن تكون مباشرة لكنها ثورة وعي وتغيير".

وعرج بهذا السياق على التجربة المصرية قبل ثورة "يناير" حيث نبه الدارسون إلى أن ازدياد موجة السخرية والنكات في الشارع المصري تنبئ بانفجار قادم، وأن الناس في حالة من الكبت والاحتقان وهذا بالفعل ما حدث"، فالكتابة الساخرة ازدهرت بالسنوات الأخيرة، ازدهاراً "يوازي الاحتقان المتنامي في عقول وأذهان الناس في الشارع العربي".

البراري: الكتابة الساخرة صادمة يخافها المسؤولون وتأثيرها فاق في السنوات الأخيرة تأثير القصيدة والبندقية

وأشار البراري إلى أن الكتابة الساخرة في بلاد الشام قطعت أشواطاً واسعة وأصبح لها حضور لافت فاق كثيراً من العواصم العربية التي سبقت في هذا المجال.

 

حياة العرب: ضجيج ما بعد جهنم

ومن عبق الأرض المحتلة قدم الكاتب الروائي سلمان الناطور شهادة عن الأدب الفلسطيني الساخر وشيئاً من تجربته الشخصية، حيث أكد في بداية حديثه أن للشعب الفلسطيني "تراثا غنياً في الكتابة الساخرة قبل النكبة وبعدها، ولولا هذا الحس لما صمد هذا الشعب الذي يرزح تحت الاحتلال".

وأعرب الناطور عن شعوره بالتفاؤل بإقامة ندوة عن الأدب الساخر في هذا الوقت و"نحن نعيش زمناً تكتظ فيه مشاهد القتل والتدمير والذبح والشنق والكبت والشتم والتهديد والوعيد وما يخطف الابتسامة البريئة عن الوجوه الصبوحة ويسرق الفرح من القلوب التي تتوق إلى ما يجلب الفرج ويحسر الهم ويزيل الغم"، منوهاً إلى أن "حياتنا نحن العرب تبدو أحياناً ضجيج ما بعد جهنم".

وقال الناطور: كم هو عبثي لكن بطولي أن نحكي عن السخرية في زمن الصراع المنفلت بين الخير والشر، وبين السلم والحرب، وبين الفقر والغنى، والظلم والحلم.

وتابع "ماذا يحكي قادم مثلي من وطن صار أهله غرباء والغريب صار صاحب البيت، وما الغريب إلا الشيطان ولا لغة له، ولا طعم له، وما له ليس له، والقاتل صار كأنه هو القتيل، والمقتول هو المدان"، مشيراً إلى أن السخرية صارت "سلاح الضعفاء وما أحوجنا في هذا الزمن الفاحش إلى شحذ أسلحتنا لعلنا يوماً ما نهزم الهزيمة".

وبألم روى الناطور أين أخذته كلمة السخرية حيث قادته إلى المأساة قائلاً "كنا أطفالاً نلعب في الحارة، وكلما سمعنا هدير طائرة في السماء خرجنا نردد: "طيارة حرامية تحت السيف مرمية". ولم نعرف أن شيوخ الحارة الذين أكل عليهم الدهر وشرب كانوا يسخرون منا نحن الأطفال البريئين إلى أن نهرنا أحدهم قائلاً: يا أولاد يا تيوس، بالسيف بدكم تسقطوا طيارات؟ العالم عم يتراشق بالصواريخ وانتو بعدكم مع عنترة ابن شداد؟".

وأضاف "رحت أبحث عن هذا الجيل إلى أن وصلت إلى الشيخ عباس الذي كان يحلم بإسقاط طائرات العدو ولما احتل العدو قريته وشرد أهلها "دار عليها بيتاً بيتاً وسكر أبوابها وقفلها وسحب المفاتيح وربطها بسلك نحاس وعلقها على خاصرته. لما كنا نسأله شو هاي المفاتيح يا شيخ عباس، كان يقول: هاي مفاتيح طياراتنا العربية. الله وكيلك ما في طيارة بتطير في السما إلا إذا أخذوا مفتاحها من الشيخ عباس، كما تقول الحكاية، عندما فقد روح النكتة فقد ذاكرته ولأنه فقد ذاكرته أكله الضبع".

 

السخرية في الأدب الفلسطيني

وأوضح الناطور أنه بحث عن منابع السخرية في الأدب الفلسطيني فوجدها "غنية" وقد انتشرت في بلاده منذ العام 1908 عندما أطلق السلطان عبد الحميد العنان لصحافة "محررة" إلى حد ما قياساً لما كان سائداً آنذاك، وإذا بخفة الظل الفلسطينية تنشئ صحافة منفلتة جعلت السلطان يندم، فكان يقمعها في ما بقي له من سنوات قليلة إلى أن استبدل به محتل أجنبي آخر فورث عنه الحلة والحلال وجاء محتل آخر وورث عنه القمع أولاً، لكن السخرية ظلت هي الروح السائدة لتكون "فشة الخلق وللتحايل على الرقيب ولجعل الابتسامة سهماً أو رصاصة".

وأشار إلى أن مسيرة الصحافة الساخرة في فلسطين مرت بـ"مسميات كثيرة صحفية هزيلة فكاهية ساخرة ضاحكة، تعرف حتى من عناوينها: ابو شادوف، ابو النواس، كراكوز، حط بالخرج، جراب الكردي، الحمارة القاهرة، العصا لمن عصا، الطبل، الزمر، الحمارة، البغلة.

وأردف الناطور أنه في شباط (فبراير) العام 1912، أصدر نجيب جانا صحيفة "العصا لمن عصا" في حيفا حيث عرفها بأنها "هزلية ولكنها جدية، انتقادية ولكنها أدبية، لا تتعرض للشخصيات ولا تدنس قامتها بالسب والشتائم، إذا هززناها فوق رؤوس المستبدين خروا من خشيتها وإذا ضربنا بها خام الخائنين سالت من أدمغتهم العبر، فليحذرها المستبدون وليخش ضرباتها الخائنون فإننا لهم بالمرصاد وما ربك بظلام للعباد".

الناطور: كم هو عبثي لكن بطولي أن نحكي عن السخرية في زمن الصراع المنفلت بين الخير والشر

ولم تكن حيفا فقط صانعة الصحافة الساخرة، وفق الناطور، بل تنافست معها يافا والقدس أيضاً وعندما أصدر وهبة افندي تماري العام 1911، جريدة "ابو شادوف" حمل معها مقولة في السياسة والصحافة: ابو شادوف يريد أن يكون صحافياً؛ لأنه يحب الاختصار أولاً ولأنه لا يريد ثانياً أن يدخل في سلك المأكولات الرسمية وينتظر الأفلاك وسعد الطالع ويستعمل هذا ويتزلف إلى ذاك ويوسط فلاناً ويبقى محسوباً على علان ليحافظ على وظيفته أو ينال أرفع منها.

وشدد الناطور على أن العودة إلى الأدب الساخر في الذاكرة الفلسطينية هي عودة إلى الروح الفلسطينية التي كانت سائدة في مراحل غابرة حينما كثرت المؤامرات والدسائس واشتد القمع وانتشر العملاء والسماسرة وتجار القضية وكان هناك من يقف لهم بالمرصاد على صفحات الجرائد وعلى المنابر.

ولفت الناطور إلى أنه عندما وضع الصهاينة حجر الأساس للجامعة العبرية في القدس في العام 1920، واشترك في هذا احتفال افتتاحها مطران القدس ومفتيها فوضع كل منهما حجراً في الأساس قال لهم وديع البستاني:

أفتني، بالله، بالكعبة، بالحجر الأسود، بالرّكن الأغرّ!!

إن علت في عزّها شامخةً، فوق رأس الطّور تلهو بالعِبَر

وغدت جامعةً عبرية ، ونهى الحاخام فيها وأمَر!

أيقول الشّيخُ والقسُّ: اتّئد، إنّ للمطران والمفتي حجر؟!

 

الكتابة الساخرة تنوير وتثوير

من جهته افتتح الكاتب الأردني الساخر أحمد حسن الزعبي مداخلته بأن الحديث عن هذا الصنف الأدبي المختلف، الشعبي والسهل الممتنع المظلوم ربما، يوقع الساخر في حيرة وفي يده عشرات المفاتيح بأي الأبواب يبدأ ليرى القارئ والمتابعين عشه وعيشه.

ونوه إلى أن هناك أبواباً كثيرة لغرف كثيرة كلها يمكن أن تغلق عليها بوابة واحدة وهي السخرية، وتتمثل بالمادة والرسالة والانتقاء والديمومة.

وأوضح الزعبي أن السخرية "تحد عندما تضحك في وجه جلادك فيستحيل سوطه ذيلاً يلتصق في مؤخرته"، وهي "حياة عندما تجعل من سيف سيافك أداة لتقطيع "قالب الطرطة"".

وتابع "السخرية انتصار كما قام بعض الفنانين بتحويل صورة دخان القذائف الساقطة على غزة إلى لوحات فنية من عصافير وحبات بوظة وغيمة من شعر البنات".

وأكد أن السخرية هي "مبيد الخوف الذي يفتك بكل الأفكار السوداء السريعة المختبئة خلف جدران الخنوع فتنقلب على ظهرها موتاً واختناقاً".

الزعبي أوضح أنه ما يزال يؤمن أن السخرية "اشتباك يومي تحتوي على قنابل مسيلة للضحك، وقذائف مضادة للقهر، وهي خارطة للسير بين الألغام"، منوها إلى أن الكاتب الساخر يتحول فجأة إلى كائن أسطوري من مقاتل شرس في النهار إلى نجار آخر الليل يصنع من لغته سريراً لينام في قلوب قرائه او تابوتاً يضم بين خشبتيه ما مات من آمالهم.

وشدد الزعبي على أن الكتابة الساخرة هي "فعل تنويري وتثويري لكسر حاجز الخوف أمام النفس والانتقاد من دون رعب"، مشيراً إلى أن النص الساخر "قارب لا يمكن أن يطفو في يم التعبير لأجل السباحة فقط دون أن يحمل شيئاً ما على ظهره أو يساعد في نجاة".

 

الكتابة مطبخ يومي

وأدخل الزعبي الحضور في الندوة، مطبخ الكتابة خاصته ليروا، وفق وصفه، طناجر التحضير، ومقادير الكتابة ومعالق "التحدي"، وسكاكين "الحرف" و"أطباق النفسية المتعبة المتراكمة بانتظار جلي يومي بصابون التغيير".

الزعبي: النص الساخر قارب لا يمكن أن يطفو في يم التعبير لأجل السباحة فقط دون أن يحمل شيئاً ما على ظهره أو يساعد في نجاة

وتابع الزعبي غالباً ما يرى القارئ وجه الساخر المبتسم فيعتقد أن طوال عيشه "بهلله" و"صهونة"، وأنه "لا يغضب ولا يتنكد"، مستجركاً "مع أننا أقل الناس ضحكاً وأكثرهم نكداً وجدية". واستعرض الزعبي عينات من هذا النكد المهنيّ منها الاتزان، فالنتاج الصحفي اليومي بشقيه؛ مقال وكاريكاتير "متعة للناظر وتعب وشد أعصاب "للممارس"، متابعاً "عملنا أحيانا يشبه إلى حد بعيد الالتزام بتأدية فقرة يومية في السيرك، عليك أن تمشي على حبل النجاح باتزان ومهارة أمام آلاف القراء لتنال رضا ضميرك وإعجاب المتابعين".

نكد آخر يعانيه الكاتب اليومي الساخر، وفق الزعبي، يكمن في "تحول الحالة"، وهو أكثر "ما يحزن المبدع، فعندما يفكر في الهروب من قفص الترويض الكتابي اليومي يدخل في قفص أضيق وهو الضرورة والبقاء".

أما النكد الآخر فهو، بحسب الزعبي "التجديد" إذ على الكاتب أن يخرج متجدداً كل يوم بالفكرة والأسلوب والهيئة واللغة أيضاً، وعلى الكاتب في الوقت نفسه "أن يصمد أمام قذائف الرقيب، ومحاذير السياسة والمجتمع والدين التي ترمى عليه وهو في طريقة للطرف الآخر، وإذا سقطت مرة واحدة من بين آلاف العروض الناجحة تجد أن الحضور غادروا ساحتك وهم يقولون في سرهم وعلانيتهم "اخص يا العاطل"".

نكد آخر ينغص حياة الكاتب الساخر يكمن، كما يقول الزعبي، في كيفية تمرير الفكرة من بين أصابع الرقيب ومن تحت أسنانه، وزرع الألغام اللغوية هنا أو هناك دون أن يطأها قلم الرقيب، أو يبطل مفعولها.

 

التعليقات السابقة

لا يوجد تعليقات سابقة. كن أول من يقوم بالتعليق

أضف تعليقاًً

الاسم
البريد الإلكتروني
* اختياري
عنوان التعليق
التعليق