السيد هاني فحص: رحيل بألف ضياع
18 سبتمبر (أيلول) 2014 21:00 | 0 تعليق

المفكر ورجل الدين الراحل هاني فحص - (أرشيفية)
الرباط - المهدي حميش

مازالت البسمة التي كان يتقن رسمها السيد هاني (السيد بكسر السين والياء كما تنطق في ريف لبنان) على محياه، وهو يلقي بكلماته الرصينة لكل من يقابله، راسخة في ذهن جميع من التقوا بالراحل هاني فحص عن هذه الدنيا، تاركاً غصة من الألم بسبب هذا الفراق الموجع.

مازالت قفشته المضحكة التي ألقى بها حين تواجده بالمغرب في شهر مايو (أيار) الماضي ضمن المؤتمر السنوي الثاني لمؤسسة "مؤمنون بلا حدود للدراسات والأبحاث"، عندما انتقد فتوى أحد المراجع الشيعية التي تصف المرأة بالسكر، قائلاً لصاحب الفتوى: "الله عليك يا عسل"، شاهدة على روح دعابته الممزوجة بجديته التي لا تخشى في الحق لومة لائم.

هكذا كان "السيد هاني"، وهو اللقب الذي كان يحبذ أن ينادى به، من دون أية ترقيات أخرى، كان المثال الحقيقي والنموذج المحتذى به لنموذج رجل الدين المقتدر، المقبل بحب على الكل، والمبتهج البشوش في كل الوجوه.

شاءت الأقدار أن تجمعنا بالسيد هاني فحص في أشغال المؤتمر لحظات حوار دار بيننا: الرجل لم يكن رجل فكر وشخصية اعتدال وحوار وحسب، بل كان كنزاً لا ينتهي، يمشي فوق الأرض وكله تواضع ورقة وابتسامة.

قال السيد هاني في إحدى كلماته أنه شيعي، وأن حبه لطائفته لا ينفصل عن قلبه مادامت الروح تجري في عروقه، وأضاف: "هذه جماعة أعرفها وأحبها وهي تحبني، لكن هناك من لا يحبها ولا يحبني، منها ومن داخلها"، ولعل السبب الذي كان وراء ذلك جرأته المعهودة التي اعتادت تشريح كل شيء وتبيين خطئه، منذ أن بدأ الاشتغال بالسياسة والعمل التطوعي وفي المجتمع المدني وإلى أن قرر الخوض في الفكر والإبداع فيه من منطلق ديني، رافضاً الخوض والجمع بين الدين والسياسة، أو كما كان يسميه هو بمرض الدين السياسي.

كان السيد هاني يؤمن بضرورة الحوار بين كل الأطياف والجماعات كحل واحد ووحيد من أجل الخروج من كل الأزمات التي سارت الأمم العربية تتخبط فيها، وكانت مساهمته في تأسيس الفريق العربي للحوار الإسلامي المسيحي، وأيضاً اللقاء اللبناني للحوار، ثمرة شاهدة على مساعيه في كل هذا، بل وكان مؤمناً بالانفتاح من أجل كسر حدود الانغلاق، وكان لقاؤه العام الماضي مع بابا الفاتيكان بينديكتوس السادس عشر خير دليل على إيمانه القوي هذا.

ولد سماحة السيد هاني فحص بقرية جبشيت في عام 1946، وعاش حياة مليئة بالمفاجآت والتطورات التي صنعت منه رجلاً عظيماً، لكن حبه لوطنه جعله لم ينس مسقط رأسه بكل ما استطاعه، بل وكانت هذه دافعه للنضال من أجل الترسيخ والدعوة لقيم المواطنة والوطنية. إنه رجل دين مسلم شيعي، من رجال الدين القلائل عند الشيعة الذين انخرطوا في العمل الحزبي العلني، أديب وكاتب ومؤلف وناشط في المجتمع المدني، وداعية حوار بين الأديان، ومن أبرز المنظرين في مجال مقاربة الإسلام لمواضيع الحداثة المطروحة. انتسب إلى حركة فتح أيام وجودها في لبنان، وهو عضو في المؤتمر الدائم للحوار اللبناني، وعضو كذلك في المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى، وكان من المقربين للشيخ محمد مهدي شمس الدين، وكان عضواً في الإتحاد العالمي للعلماء المسلمين، واستقال منه بعد المؤتمر الأول. وعضو في أكاديمية أهل البيت في عمان في الأردن، وكذلك في منتدى الوسطية في عمان أيضا. وعضو مجلس إدارة، وعضو مجلس أمناء مؤسسة "ياسر عرفات الخيرية الثقافية".

صدرت لهاني فحص مجموعة من الكتب من بينها: "ماضي لا يمضي"، و"ذكريات ومكونات عراقية"، و"الإمامان الصدر وشمس الدين ذاكرة لغدنا"، و"خطاب القلب"، و"تفاصيل القلب"، و"أوراق من دفتر الولد العاملي"، و"مشروعات أسئلة"، و"في الوحدة والتجزئة"، و"ملاحظات في المنهج"، و"المسرح"، و"كتابات"، و"الحوار في فضاء التوحيد والوحدة"، و"الشيعة والدولة في لبنان"، و"الهوية الثقافية".

رحل رجل الدين المتسامح (صباح اليوم الخميس 18 سبتمبر (أيلول) الجاري)، وصلة الوصل بين العديد من الأطياف والجماعات الدينية، والنموذج الأمثل للحوار بين الأديان والثقافات، تاركاً العالم العربي والإسلامي تأكله الصراعات الدينية، وينخره التطرف الديني.

ما أحوجنا في العالم العربي والإسلامي إلى مثل هذا الرجل المؤمن والمفكر المنفتح على الكل.

التعليقات السابقة

لا يوجد تعليقات سابقة. كن أول من يقوم بالتعليق

أضف تعليقاًً

الاسم
البريد الإلكتروني
* اختياري
عنوان التعليق
التعليق