الراحل السيد هاني فحص : أرى ديني في الروح الكلية التي تحكم التاريخ
20 سبتمبر (أيلول) 2014 10:47 | 0 تعليق
الراحل السيد هاني فحص - (ذوات)
يحكي المفكر الراحل السيد هاني فحص، عن مساره الذي بدأه من بلدته الصغيرة جبشيت وولعه باللغة العربية منذ الصغر قبل أن يختار المشيخة التي ساعدته فيها دراسته بالنجف، مرورا بتجاربه السياسية والنضالية والتي أثارت شغفه فيها من طفولته قضايا مصيرية مثل العدوان الثلاثي وفترة الرئيس المصري عبد الناصر في مصر، وكذلك فلسطين ومعاناة الفلسطينيين إبان قيام الكيان الصهيوني، بالإضافة لقضايا الوحدة العربية التي كانت تمثلها مصر وسوريا، وهو الذي كان يقول بأن "الروح الكلية التي تحكم التاريخ، والفضاء الرحب للتعدد والاختلاف. كنت أرى ديني فيها، إنسانياً مشتاقاً للتغيير والعدالة، يتسامح مع الكفر بشرط العدل".
ويشرح الراحل السيد هاني فحص في حواره الذي أجرته الباحثة اللبنانية ثناء عطوي لفائدة مؤسسة مؤمنون بلا حدود للدراسات والأبحاث معه في شهر ديسمبر (كانون الأول) 2013، طريقة تحوله من الحس الثوري والسياسي إلى الاهتمام الديني والمشيخة التي تحولت بدورها عنده إلى جدل فكري، بقوله: "لم أتحمس للديني، مع عمق إيماني، تحمست للحياة والحضارة، وتحمست لدور الدين فيها. وقد وصلتُ إلى النجف فلاحاً فالتاً من أية سلطة، لا سيطرة لأحد عليّ، كانت الفوارق الطبقية كثيرة وقاسية بين طلاب الحوزة، فعقـّدت التصور وولّدت عندي قلقاً معرفياً كان وراء سعيي للمعرفة للتعويض عن الحرمان أو الفقر، وحوّلني ذلك إلى مشاغب فكري، وطرح عليّ أسئلة لا تنتهي(..)وأنا في الحوزة. قرأت دوستويفسكي، وتولستوي وكافكا وإدغار آلان بو وسارتر ونابوكوف وبابلو نيرودا وأدونيس وغارودي وكولن ولسون".
ويضيف الراحل "كنت ابن الجميع، ولا أزال أتواصل مع الجميع، وأقرأ روايات قرأتها قبل خمسين سنة، حتى أستاذ الصف الابتدائي لم أنسه، وحتى الشوكة التي وخزتني في القرية لا أزال أحنّ لها. قليل من الكتب، والكتاب لم يترك أثراً في وعيي مع أو ضد. ولذلك، أبدو أني أعيش في الماضي، ولكن لا أحاول أن أحمله إلى الحاضر، أراه من خلال اشتراط الحلم بالذاكرة".
كما ينقل الفقيد السيد هاني فحص في حكايته عن خصوصيته التي ميزته كرجل دين خارج عن ضوابط وقواعد رجالات الدين الكلاسيكيين، قوله أن "الهوية صيرورة وليست كينونة، لم أستطع مرة أن أعرّف نفسي، ولا أزال أعشق التحرر من التعريف، لأن المعرفة تتوقف إذا حبستها في تعريف صوري. عندما أعرّف نفسي أصبح كائناً أرسطياً؛ أي ساكناً إلى حد الأسطرة، بينما أنا كائن جدلي، هيغيلي إلى حد ما".
ويستمر السيد هاني فحص في روايته التي تأتي كما باقي كلماته عادة، والتي تكون مغلفة بلباس لطيف مرح عندما يتحدث عن فترة زواجه قائلاً: "يصبح الزواج في الحوزة معادلاً للدين والجنة والعلم. كنا من دون نساء بلا نظام نفسي ولا جسدي، ولولا كثرة الماء لما كانت نُظفت أجسادنا. كنا نحسد المتزوجين من رفاقنا على الحب والنظافة، كنا نعيش في صحراء لا ظل فيها، ومن هنا كان ظل الزوجة يشدنا روحياً وجسدياً، وكان حجاب المرأة المسيطر على المشهد اليومي يزيدنا لوعة وشوقاً إليها وتفكيراً بها ... وحلماً، وارتكبنا كوارث في الطبخ فشعرنا بالمرأة كضرورة حياة".
ومما يزيد من فرادة شخصية الراحل السيد هاني فحص انفتاحه منذ بداياته على شتى المشارب والروافد الفكرية والأدبية وهو ما يؤكده بحديثه عن شيغيفارا الذي كان تصميما لثاني عدد من مجلة "الكلمة" التي أصدرها رفقة السيد محمد حسن الأمين في سبعينات القرن الماضي، ويضيف عن غيفارا قائلا: "أعجبتني فيه روح التضحية وما في داخله من حلم بالعدالة. بكيت عليه عندما مات وعلقت صورته في المنزل، من يحب الإمام علي يقدّر نضال غيفارا، ومن يحب الحسين سيحب غاندي، ومن يقرأ زين العابدين يتلذذ بقراءة نيرودا وأراغون والسياب ومحمود درويش. هذه الروح الكلية التي تحكم التاريخ، والفضاء الرحب للتعدد والاختلاف. كنت أرى ديني فيها، إنسانياً مشتاقاً للتغيير والعدالة، يتسامح مع الكفر بشرط العدل".
عارض الراحل السيد هاني فحص كل بواعث الفتن والاقتتال وكانت بداياته في ذلك مع الحرب الأهلية التي شهدتها لبنان في أواسط السبعينات، ولأجل ذلك يقول "لم أكن مقتنعاً بالحرب، واعترفتُ بمسؤوليتي مبكراً سنة 93 في مؤتمر في تعنايل. قلت: إن الدم على طرف جُبّتي نتيجة موقف خطأ أو السكوت عن أمر معين. حركة فتح وحزب الكتائب والحركة الوطنية جميعهم كانوا شركاء حرب. كنا ضد الحرب، ولم يذهب شاب إلى هذه الحرب الأهلية وأخبرني فرضيت، ولم يعد شاب من هذه الحرب وباركته. لم أرَ أماً من أمهاتنا راضية بالحرب".
ساهمت فترة حياة الراحل السيد هاني فحص في إيران إبان قيام الثورة الإسلامية بقيادة الخميني فترة مهمة في حياته، ازدادت أهمية أكثر مع شخصيات أخرى كخامنئي وغيرهم لكنه بقي محافظاً على خصوصيته التي لم تتأثر بأحد، وهنا يقول: "لم أتأثر بأحد، ولو أعجبني وشدّني. كنت أحب الشعب الإيراني وأكره شاه إيران، لأنه ساعد إسرائيل على أهل فلسطين، أحب العدالة والفقراء وحرية الفكر. منذ أن كنت في النجف، توجهت نحو المعارضة الإيرانية من دون تفريق، كان أصدقائي من مجاهدي خلق والليبراليين وجماعة بازركان وكريم سنجابي والكفاءات الليبرالية الإيرانية (هاشم صباغيان)... وكنت أقرب إلى حركة الخميني منسجماً في ذلك مع وضعي... ثم كانت أخطاء مجاهدي خلق شنيعة، وقد ظهرت مبكراً، والليبراليون، وهم جزء الآن من حركة الإصلاح، أخطأوا في تقدير موازين القوى، ثم صححوا مسارهم، ولكن بعد الخسارة(..) الفرق بين مؤسس ووارث بالمعنى الإداري لا السلالي، بين من قاد الثورة ومن أنتجته الثورة والدولة، وهناك فرق بينه وبين عموم رجال الدين، هو الوهج الشخصي".
حارب السيد هاني فحص التشدد في الدين وكان رائداً فيه ومبدعاً في رؤاه في مواضيع شبيهة بهذه ولذلك كان جوابه ذكياً عن رأيه في الأغاني من حيث حلها وحرمتها، وهل يستمع لأغاني فيروز، عندما قال "ليس صحيحاً(أن الأغاني حرام)، كل ما هو مفيد أو جميل حلال، وحديثاً اشتريتُ 60 أغنية لمحمد عبد الوهاب وغيره. الأغاني الراقية تشعرني بروحانية عالية، وأنا أبحث عن الروح في الطرب، لا أخالف الشرع، ورأيي أن بعض الأصوات الطربية أحنّ وأكثر روحانية من أصوات بعض المنشدين وقارئي الأدعية، بطريقة تبعثر ما فيها من رقة وروح وجاذبية، وتحولها إلى لوائح مطالب شخصية وأنانية من الله. هذه أمور خلافية عند الفقهاء، ما يحرّمها هي اللحظة والمزاج والثقافة، كما تتحكم فيها مزاجية مرجعية مضطرة إلى ترسيخ التقليد، لأن التجديد يؤثر سلبياً على سلطة المرجعية عموماً".
وكانت لرؤاه الفقهية أيضا نوع من الوسطية المحببة والمواقف التي لا تميل عن العقل والمقبول، ولذلك فقد قال: "سألت نفسي إلى أين؟ كنت خارجاً من إطار حركة تحرر عربي، وذهبت إلى مثيلها، نظام شمولي، والسبب خيبة الأمل. تعصبتُ جداً ورأيت نفسي متناقضاً وأنا لست أنا، فهدأت ورأيت أن أزمتي آتية من ولاية الفقيه، مع كونها فرعاً فقهياً وليست أصلاً، وهي ليست جزءاً من العقيدة، هي مسألة حكم فقهي فرعي يستطيع أن يخالفه المرء من دون خروج عن الملة".
حافظ الراحل على تمسكه بالقضية الفلسطينية حتى النخاع ورفض أي مساومات تمس عمق القضية لكن بأسلوب حي وواقعي بعيدا عن الدماء والتشدد ولأجل ذلك قال في حواره "لا عدو لي إلا اسرائيل، لكن عداوتي ليست على النسق العربي المحكوم بالمبالغات التي تنتهي إلى فداحة في التنازلات، أنا أقبل بدولتين وأقبل بدولة واحدة. أقبل بدولة واحدة، وأرجحية لليهود فيها. أوافق على أن يبقى رئيس الدولة الواحدة، حتى آخر العمر يهودياً. لا أريد أن أحل المأساة الفلسطينية بمأساة يهودية أخرى. القضية الفلسطينية هي قضية حق الشعب الفلسطيني أولاً، لها بُعد عربي وديني، لكنها قضية الفلسطينيين بالذات، وتديينها أو أسلمتها هو أسرلة لها، هذا لا يعني أن معناها خالٍ من الدين، إنه غني جداً بالمشترك الروحي الديني وتحت مظلة التوحيد الإبراهيمي، وهذا ما يمكن الاستفادة منه من أجل خلاص القدس وفلسطين من التهويد. إن التنمية هي الحل، وهي المقاومة الحقيقية".
للاطلاع على الحوار كاملا يرجى الضغط هنا
التعليقات السابقة
لا يوجد تعليقات سابقة. كن أول من يقوم بالتعليق
أضف تعليقاًً
* اختياري

