الصحف العربية تبكي السيد هاني فحص: طوى"حواره مع الوجع" ورحل
19 سبتمبر (أيلول) 2014 22:00 | 0 تعليق

الفقيد السيد هاني فحص، أثناء مشاركته في المؤتمر السنوي الأول لمؤسسة مؤمنون بلا حدود -(ذوات)
عمان - منى شكري

تصدر نبأ وفاة العلامة والمفكر اللبناني السيد هاني فحص الذي غيبه الموت أمس الخميس بعد حالة غيبوبة لم تمهله طويلاً، بسبب مضاعفات عملية جراحية أجراها بعد صراع مع مرض الرئتين، الصحف العربية اليوم الجمعة حيث نشرت الخبر غالبية وسائل الإعلام.

وفي الوقت الذي أفرد بعض الكتاب مقالات تستذكر العلامة ورجل الدين الراحل، خصصت صحف لبنانية ملاحق خاصة ضمت ثلة من الكتاب وأصدقاء المفكر فحص الذين أكدوا أن العالم العربي والإسلامي خسر برحيل قامة كالسيد فحص علماً بارزاً من أعلام الحوار والانفتاح، وقد ترك - رحمه الله- في المكتبة العربية إرثاً علمياً وأدبياً كبيراً.

 

مرارة الرحيل الآن!

الكاتب الأردني الدكتور محمد أبو رمان كتب في جريدة "الغد الأردنية": بطعم المرارة والحزن، استقبلت شريحة واسعة من المثقفين والسياسيين واللبنانيين، خبر وفاة العلاّمة الشيعي هاني فحص، الذي يمثِّل، بحق، أنموذجاً استثنائياً نادراً في العالم العربي والإسلامي اليوم.

وأوضح أبو رمان أن أهمية فحص وخطابه وفكره لا تقف عند حدود أنّه "عالم شيعي يتجاوز الأسوار والحدود الطائفية، ليرسّخ قيمة الوطن والمواطنة وسيادة القانون بوصفها الأساس الحقيقي في بناء الدول والمجتمعات، وليس فقط لرؤيته النقدية للتطرف الشيعي، كما التطرف السنّي، بل لأنّنا أمام أنموذج من العلماء يؤمن تماماً بأهمية العقل والانفتاح والحوار والتجديد والإصلاح الديني".
وأعرب أبو رمان عن الشعور بالخسارة الفادحة له في هذا التوقيت، فقد كان جريئاً شجاعاً، بل كربلائياً، عندما وقف ضد التطرف والتعصب الطائفي، ما جعله يشعر في العديد من الأوقات، كما أخبرني بنفسه، بالغربة والأسى حتى وهو في مجتمعه ومقيم بين أهله، لأنّه، وهو العالم والمفكّر والفقيه، يتحدث خارج السرب وبعكس التيار الجارف، ما جرّ عليه عداوات وخصومات وتهديدات لا تخفى.

 

النموذج الراقي للمثقف الديني ورجل الحوار

صحيفة "الحياة اللندنية" خصصت مقالات متعلقة بالعلامة الراحل السيد هاني فحص حيث كتب الكاتب عبده وازن بعنوان "رحيل هاني فحص النموذج الراقي للمثقف الديني ورجل الحوار"كان فحص "لبنان بطوائفه كلها يحتاج إليه لا سيما في هذه المرحلة الحرجة التي يجتازها، لكنّ الموت فاجأه في الثامنة والستين من عمره، وهو في أوج نشاطه، الفكري والسياسي والثقافي".

وأوضح وازن أن السيد هاني كان "يمثل نموذجاً راقياً للمثقف الديني: شيخ وعالم فقه ومناضل وشاعر وكاتب في حقول شتى وأبرزها السياسة ولكن في مفهومها الثقافي و"الإنسانوي" الواسع".

 

"السيد" في الوعي العربي والإسلامي

وتحت عنوان "السيد" في الوعي العربي والإسلامي" كتب المفكر والكاتب رضوان السيد في صحيفة "الحياة": لا أذكر السيد هاني فحص متحدثاً أو محاضراً أو مُسامراً، منذ مطلع الثمانينات، إلاّ وهو معنيٌّ بقضيةٍ وطنيةٍ أوعربيةٍ أو إسلاميةٍ يعتبرها أَولويةً يبذل فيها الغالي والنفيس: من الخلافات داخل منظمة التحرير، إلى الصراع بين الأسد وعرفات، والاجتياحين الإسرائيليين عام 1978 و 1982، فإلى الخروج الفلسطيني من بيروت، وأوضاع بيروت ولبنان بين 1982 و1988.

ونوه إلى أن حياة السيد هاني، كما كان يسميه التقدميون والقوميون وغير التقدميين والحزبيين، تتلخص في النضال بالشعر والنثر والمحاضرة والمبادرات من أجل القضية الفلسطينية، ومن أجل إنهاء الحرب بلبنان، ومن أجل علاقاتٍ طيبةٍ بين العرب وإيران، ومن أجل علاقاتٍ إسلامية - مسيحية ودودة في لبنان وغير لبنان.

 

صرخته الأخيرة: دبّروا لنا دولة

وبعنوان "صرخته الأخيرة: دبّروا لنا دولة" كتب سمير فرنجية في "الحياة" أيضاً: رحل السيّد هاني فحص. هذا الإنسان المميّز بانفتاحه وحداثته، في زمنٍ يتميّز بعنفٍ لم تشهده المنطقة في تاريخها الحديث. عنفُ نظامٍ أدّى إلى تدمير سورية، وعنفٌ آخر يمارسه تنظيمٌ باسم الدين فينذر بحروبٍ لا نهاية لها.

وأضاف: في زمنٍ كهذا نفتقد إنساناً عاقلاً وشجاعاً، كان مسكوناً بهمّ عدم تكرار تجارب الماضي المأسوية، إنساناً عمِل قبل وفاته على توجيه رسائل بكل الاتجاهات بخاصة باتجاه "حزب الله" لتجنيب المنطقة خطر حربٍ أهلية بين السنّة والشيعة.

 

ذو الجناحين

وفي صحيفة "الحياة" أيضا كتب محمد علي فرحات مقالاً بعنوان " ذو الجناحين" قائلاً: كم يشبه هاني فحص جنوب لبنان، وبالتالي لبنان كله، بانفتاحه وبأزماته التي تلخص المأزق الحضاري للمشرق.

ووصف فرحات فحص بأنه "رجل ذو جناحين وبسببهما استطاع الطيران في فضاء الأفكار وفي اختلاف التجارب: فقيه يدرك أصول الدين وتجريبي يتلمس قضايا المجتمع المتحركة. أديب وشاعر ومفكر سياسي ومؤرخ. رجل نخبة ورجل جماهير في آن واحد".

 

شاعر الغربة والإقامة

أما محمد علي شمس الدين فكتب في "الحياة" مقالاً تحت عنوان "شاعر الغربة والإقامة" قائلاً: مات هاني فحص رجل الغربة الكثيرة. بل لعله واحد من أولئك الذين تجتمع فيهم الغربة والغرابة في وقت واحد. وغالباً ما يكون هؤلاء، وهم أشباهنا ونظراؤنا مصنوعين من قلق محض، أو من طينة تخترقها شبكة من ثلاثة أعصاب كأوتار مشدودة وخيط واحد من الدم النافر، وهي مستعدة دائماً لتسأل أسئلتها وتطرح على كل جواب سؤالاً.

وبين شمس الدين أن قراءة هذا الرجل، الذي عاش أعماراً مضاعفة ومكثفة تجاوزت بكثير عمره المعدود بالسنوات (1946 - 2014)، تشير إلى الطاقة الإبداعية فيه، هذه الطاقة المكهربة التي غمسها الرجل في ثلاث برك خطيرة في وقت واحد: بركة الدين، وبركة السياسة، وبركة الفن.

 

علامة وضاءة في الفكر الديني المعاصر

الكاتب الأردني ورئيس تحرير صحيفة "ذوات" الدكتور موسى برهومة كتب تحت عنوان "علامة وضاءة في الفكر الديني المعاصر" مقالاص في صحيفة "الحياة حيث قال: مضى "السيد" إلى إغفاءة أبدية، ولاذ بصمت كنّا نحتسبه قيلولة متعَب أنهكته التهدّمات المتواصلة في المعاني والمباني، بعدما فتك به الأمل.

وتابع برهومة: غابت طلة "السيد" هاني فحص، بعد ودّ القلب أن يكون الغياب عابراً وطارئاً، فينهض ويُنهضنا "السيد" الذي يعدّ علامة وضّاءة في الفكر الديني المعاصر لا يضاهيه فيها سوى عدد قليل من أصحاب العمائم الذين عبروا الأزمنة، وتعالوا على الانقسام والتمذهب والتطييف.

وأردف برهومة أنه سأل الراحل هاني فحص، لدى لقائه به، قبل أشهر، في مراكش في مؤتمر "مؤمنون بلا حدود" بأي الألقاب تحبّ أن تُنادى، فقال بـ "السيّد"، على رغم أنه سيّد وعلاّمة في الفكر والفقه وفي الشعر وفي الثقافة وفي التنوير، وفي النزوع العلماني نحو مدنية الدولة والمواطنة، والتفكير بعقل كوني عصيّ على التصنيف والتدجين والأدلجة.

وعبر بأسى عن فقد "السيد" "هذا الصوت، ضروريٌ في هذه القنطرة الرهيبة المدججة بالخوف والقلق والتطييف وانفجار المذهبيات وتمزّق الخرائط وتجريف العقل.

 

طوى "حواره مع الوجع".. ورحل

وتحت عنوان "العّلامة هاني فحص طوى "حواره مع الوجع" و.. رحل" أفردت صحيفة "الرأي" الكويتية مادة شفيفة تكشف عن وجع ينطوي على رحيل العلامة والمفكر فحص حيث كتبت "عيون كثيرة نُكست مع غياب "العلامة المضيئة"، العلّامة السيد هاني فحص..في لبنان الذي قال عنه إنه "بدعة حضارية من إبداع"، وفي سورية ناصر ثورتها الناصعة ضد الديكتاتورية والتطرف الديني. في العراق الذي أَحب معالمه وعلماءه وأعلامه. في فلسطين التي منحها جوارحه فمنحته هويتها، في إيران التي أُخذ بحيوية شعبها نحو التغيير. في مصر التي تَبادَل معها الحوار والشعر... في كل أصقاع العالم العربي المترامي بين اليأس والضوء".

وقدمت "الرأي" تعريفاً بالعلامة فحص (1946 - 2014)، المولود في بلدة جبشيت (النبطية) "رجل دين مسلم شيعي، من رجال الدين القلائل عند الشيعة الذين انخرطوا في العمل الحزبي العلني، أديب وكاتب ومؤلف وناشط في المجتمع المدني، وداعية حوار بين الأديان، ومن أبرز المنظّرين في مجال مقاربة الإسلام لمواضيع الحداثة المطروحة".

وأوضحت أن الراحل قبل وداعه، كان أودع الصحيفة مجموعة من المقالات في الحياة والحوار والنقد والسياسة والدين، آخرها كان مقالاً مطولاً بعنوان "الغربة... مِضيَعة النسب" يحكي في العلامو فحص قصته مع الغربة وتجربته في هذا الإطار في إيران خصوصاً.

وبينت "الرأي" أن للعلامة الراحل ما يقارب الثلاثة عشر كتاباً مطبوعاً منها: ماضي لا يمضي، ذكريات ومكونات عراقية، الإمامان الصدر وشمس الدين ذاكرة لغدنا، خطاب القلب، تفاصيل القلب، أوراق من دفتر الولد العاملي، مشروعات أسئلة، في الوحدة والتجزئة، ملاحظات في المنهج، المسرح، كتابات، الحوار في فضاء التوحيد والوحدة، الشيعة والدولة في لبنان، الهوية الثقافية.

 

مؤرخ عاش زمنه

من جانبها أعادت صحيفة "النهار" اللبنانية نشر حوار مع العلامة والمفكر الراحل فحص وقد نعته بقولها: "غادرنا فحص مخلفاً فراغاً سيصعب ملؤه، لكن انبعاث ذاكرته من إرثه سيبقى شهادة عميقة على الكثير من المحطات التي يرويها بحياد مؤرخ عاش زمنه"، لتنشر حواراً طويلاً مع السيد فحص أجرته معه الإعلامية ثناء عطوي قبل أشهر ضمن كتابها "حوارات في المسارات المتعاكسة". ويضيء الحوار على السيرة والنشأة والمواقف من قضايا شائكة بين الأمس واليوم.

 

رجل الحوار والاختلاف الجميل

أما صحيفة "السفير" اللبنانية فأفردت ملحقاً خاصاً ضم مجموعة كبيرة من المقالات والشهادات التي ترثي الراحل فحص وتعرج على مناقبه وإرثه.

فتحت عنوان "رجل الحوار والاختلاف الجميل" كتب علي فضل الله"مع رحيل سماحة العالم الأديب السيّد هاني فحص، يخسر لبنان والعالم العربيّ والإسلاميّ علماً بارزاً من أعلام الحوار والانفتاح، وقد ترك- رحمه الله- في المكتبة العربية إرثاً علمياً وأدبياً راكم فيه ومن خلاله أهمّ الأسئلة المتصلة بقضيّتين اثنتين؛ إحداهما قضيّة الإسلام ومواكبته لتحدّيات العصر والحداثة، والثانية قضيّة التطرّف الديني وانعكاساتها السلبيّة على الوحدة والحوار".

 

جسده أقرب إلى النبض منه إلى الموت

أما محمد حسين الأمين فكتب تحت عنوان "حدثٌ وطني وعربي وإسلامي" في ملحق صحيفة "السفير": لم يزل جسده أقرب إلى النبض منه إلى الموت الكامل، ليس بوسع أقرب أصدقائه إليه أن يقول كلاماً موضوعياً أو حيادياً، أو حتى كلاماً يترجم المشاعر الأليمة التي خلَّفها هذا الغياب الفاجع، ولكنني على الأقل أقول إن رحيل هذا الرجل شكل فجوة عميقة في فكرنا وفي رؤيتنا لكل ما يحيط بنا، ولدي إحساس أن لبنان وحتى العرب خسروا بغيابه قامة استثنائية وفكراً لا يكفيه أن نقول لشأنه إنه فكر مستنير.

وبوجع قال الأمين: لقد تجاوزت في حزني عليه موجبات الصداقة والحب والإخاء، لأن موته أكبر من أن يكون حدثاً عاطفياً، عابراً أو غير عابر. إنه كما قلت حدثٌ وطني وعربي وإسلامي وحضاري، وقد خسرت وعداً تعاهدنا وتعاقدنا عليه أن نكتب معاً وثيقة فكرية شاملة، على أن يبدأ العمل بها في هذه الأيام التي فاجأه فيها المرض، وأنا الآن أبحث عن البديل فلا أجد. إنني أترك مجالاً للزمن حتى يجف اسمنت قبره لأستطيع القول المنطقي بشأنه وأستودعه رحمة الله الذي أحبه حباً صوفياً عميقاً لا يجاريه فيه أحد. من مدَّعي هذه المحبة.

 

رجل إيمان وحب ونضال

وبمقال له بعنوان "رجل إيمان وحب ونضال" كتب محمد السماك في صحيفة "السفير":قبل شهرين طلب مني الأخ والصديق السيد هاني فحص أن أكتب كلمة عنه. لم أعرف لماذا، ولم أسأله. كتبت الكلمة وأرسلتها إليه. بعد ساعة أو أقل، اتصل بي وكاد الدمع يخنق كلماته: لقد غمرتني بحب أرجو أن أستحقه.

بعد ذلك دخل المستشفى فعدته مراراً قبل العملية الجراحية وبعدها. وتحدثت إليه بالهاتف مراراً إلى أن غاب عن السمع.. والآن غاب عن البصر.. ليبقى بتراثه الفكري والأدبي وبنضاله الوطني وبسماحته الدينية ملء السمع والبصر.

 

السيد الذي يصالحك مع فكرة "رجل الدين"

من جهتها كتبت منى فياض بـ "السفير" مقالا بعنوان السيد الذي يصالحك مع فكرة "رجل الدين" باحت به: سيد هاني، تعجلت الرحيل، تركتنا باكراً، باكراً جداً..

سيد هاني، ستلقى وجه ربك حاملاً هموم الوطن وهموم اسرتك الصغيرة وهمومنا جميعاً فاطلب منه أنه آن الأوان كي يرأف بنا.

وروت مكانة السيد هاني الخاصة في قلبها وفي نفسها وفب تجربتها الشخصية. حيث تقول "تعرفت عليه بعد عودتي من دراستي في بلجيكا في منتصف السبعينيات وفي إطار النضال الفلسطيني اللبناني".

وأضافت "مكانته الخاصة لا تنبع من هنا، من النضال أو المقاومة او مساندة الحق. بل إنها تنبع من مكان قصي جداً في القلب وفي الروح. ذلك أني قبل أن أعرفه، لم أكن على وفاق مع فكرة أو دور رجل الدين الذي حملت لي تجربتي مع أحدهم معاني سلبية. صورة رجل الدين قبل هاني فحص كانت صورة جامدة لشخص مهدّد، قامع ومخيف يرتدي ملابس مختلفة ويريد تطويعنا على الشكل الذي يرغبه من دون مسوّغ منطقي. وجدت لاحقاً شبيهاً له في الأدب على صورة راسبوتين الهائل المخيف. كانت هذه الصورة تتلاءم مع خيالي وتريحني من تعب محاولة التقرب منهم".

 

لم أتعظ منك يا سيد

وفي كلمات شفيفة كتب خليل حرب في "السفير" أيضاً مقالاً بعنوان "لم أتعظ منك يا سيد" حيث قال: ها أنت نعوة في شريط الأخبار. لماذا لا تعمم أفكار الكبار مثلك، في شريط الأخبار، مثل موتهم؟ ولماذا عليَّ أن أصدق الآن أنك ترحل وكل هذه القلوب انتظرتك في ردهة المشفى؟ لم أكن أريد أن أصدق يا سيد أنك أنت الذي منحتنا ما يعيننا من أسباب الحياة، رهينة لدى أجهزة إنعاش. ما كان لي طاقة أن أجلس عاجزاً لأشاهدك هناك.

وتابع خليل كلامه واصفاً السيد هاني بـ "أب محاجج أنت. يجادل بالعقل والشعر والتاريخ.. والأجمل.. بقلب طيب، فلا تعرف طريقك إلى الغلبة عليه. ثم تحبه. منذ عشرين سنة أحبك يا سيد، ولو اختلفنا، والاختلاف كان متعتك واحترافك. في جبشيت أول ما تعارفنا، ظننتني كابنك. كنت تقطع قراءاتك وكتاباتك التي لا تتوقف، إذا ما زرتك. تشاكس أولاً، ثم تنفتح الطرق أمام كل الكلام. من أخبار ضيعتنا وماضيها وحاضرنا .. إلى فلسطين التي في قلبك دوماً. ثم تقفز الى التاريخ. دررٌ كلامك. كلما استمعنا اليك، ازددنا عمقاً وانبهاراً"

وبحزن أضاف "شقية هذه الحياة، مثل قلمك وقلبك. لم تقل لي لماذا يرحل الأحبة حينما تحتاجهم. وقد رميتني منذ البداية بكلمة: "إبقِ على أحلامك..وخفف من المثالية فيها". كأنك تركتني مثلك، حائراً. ولم اتعظ منك يا سيد".

 

سيّد فكر تنويري وتحرري

في حين كتب يحيى يخلف مقالاً بعنوان "سيّد فكر تنويري وتحرري" في الملحق الخاص بالعلامة في "السفير" قائلا: "رحل السيد الجليل هاني فحص، أحد الشخصيات الفكرية التنويرية العربية والإسلامية"، منوهاً إلى الطريق الذي انتهجه السيد فحص وهو "التحديث، وتعميق الحوار الإسلامي المسيحي، والانحياز لخيار المقاومة والتحرر الوطني، وللمطالب الشعبيه والانتصار للفقراء والمحرومين".

وركز الكاتب الفلسطيني يخلف في مقاله على الجانب الكفاحي في مسيرته، وعلاقته بالقضية الفلسطينية، فلقد تعرّفت على السيد هاني عام 1976 في القاهرة عندما كنا ننتظر فتح مطار بيروت للعودة بعد أن أغلق بسبب الحرب الأهلية ودخول قوات الردع السورية الى لبنان..عرفت في تلك الأيام السيد هاني فحص الإنسان والمثقف، ورجل الدين السمح الذي يطمئن القلوب، ولمست تعلّقه بالقدس والقضية الفلسطينية، وبالشخصيات التي عرفها من أبوعمار الى ابوجهاد، الى المناضل المصري محجوب عمر، الى المقاتلين البسطاء الذين زار قواعدهم وعقد معهم صداقات حميمه.

 

انحياز لمفهوم الدولة الثورة

وفي مقاله في "السفير" قال مروان عبد العال تحت عنوان " هانوي والتبغ والسيد هاني فحص" إن "السيد هاني فحص رجل الدين المتهم بالشعر رغماً عن أنفه والذي دخل المحراب على صهوة الأدب.. يأسرك فكره المتنور في تأكيد علاقته بالمقاومة نقداً ووداً، أو تمرده ولكن المعتدل، المبني على فلسفة قبول الآخر واحترام الرأي المقابل".

وأوضح عبدالعال أن فحص سجل بفكره النقدي "انحيازا لمفهوم الدولة على الثورة، محافظاً على مساحة للحوار في كل فكرة ألقاها"

 

تعلم من الإسلام أن يقر بفضل المسيحية

وفي مقاله المعنون بـ "تعلم من الإسلام أن يقر بفضل المسيحية" كتب ميشال سبع في ملحق "السفير": فحص صوت شيعي اصيل ارسى وثيقة تفاهم فكرية بين المتنورين المسلمين والمتنورين المسيحيين وكتب لاهوتاً فقهياً كان يمكن أن يكون إنجيلاً قرآنياً او قرآناً إنجيلياً بامتياز لولا أن الغيوم المتراكمة في سماء لبنان والمنطقة حجبته.

وتابع سبع: آثر الفكر القومي على الانغلاق والانعزال، ثم ما لبث أن جعل الانتماء الإنساني هو الأساس وأن الوطن هو مركز الانطلاق نحو التلاقي.

 

تبغ الجنوب... وتراب فلسطين

أما معن بشوّر فبين في مقال له بـ "السفير" "تبغ الجنوب... وتراب فلسطين"

أن السيد هاني "كان مسكوناً بقلق غايته اليقين، وبشكّ متجذّر متحرق إلى الإيمان، وبهاجس الربط بين السماء والأرض، حيث كان معجباً حين تلاقينا، للمرة الأولى، في أوائل السبعينيات بما كان يسمى "بلاهوت الثورة" أو "لاهوت التحرير" على يد أحبار أحرار في كنائس أميركا اللاتينية.

ولفت إلى أن المحطات التي جمعته به كانت كثيرة، "منذ انتفاضة مزارعي التبغ عام 1973، والدفاع عن المقاومة الفلسطينية في مواجهة أعدائها وأخطائها، والانتصار للثورة الإيرانية في أيامها الأولى، فيما باعدتنا محطات أخرى ليس الآن مجال تعدادها، لكنَّ أمرين جمعانا دائماً تبغ الجنوب وتراب فلسطين".

 

طيب في زمن الكراهية المستشرية

وفي "السفير" اللبنانية كتب عباس بيضون تحت عنوان "رجل عاش بيننا"

"أخيراً تحقق النذير ورحل السيد. أيقظنا ذلك على ما خسرناه برحيله. ففي ظل هذه العصبيات المنبعثة أو المتدهورة إلى نعرات مسمومة لن يكون سهلاً أن نفتقد صوتاً كان يقف بين الجميع ويرد الجميع عن بعضهم بعضاً. لن يكون سهلاً أن نفتقد مثالاً لرجل الدين لا يبتعد كثيراً عن رجل الحياة. لن يكون سهلاً أن نجد رجل دين جذوره في بلده وبين ناسه ولا يتطلع إلى عواصم أخرى ولا يستوحي بلداناً أخرى".

ومضى بيضون في قوله بأن "الوضع امحل بغيابه. لن نقول على غرار حافظ إبراهيم أن الأرز انهد والجبل تهدم والبحر غاض لكننا نقول إن إنساناً طيباً، قدر أن يبقى طيباً في زمن الكراهية المستشرية. سنقول إن إنساناً بصيراً بقي بصيراً في زمن العماوة والتسيب. سنقول إن إنساناً نزيهاً استطاع أن يحافظ على نزاهته في حين يطغى الفساد ويسود البلد من قاعه إلى قممه. سنقول إن إنساناً ذكياً ظل على ذكائه في أوقات البلادة والجهالة والتهافت. سنقول إن إنساناً صاحب مبادئ لم ينزل عن مبادئه وظل أميناً لها في حين أن الأمانة ثقيلة وقد عييت بحملها الجبال.

 

العابر للهويات والعقائد

وخصصت صحيفة "الأخبار" اللبنانية ملحقاً خاصاً بالسيد هاني فحص حيث اشتمل على افتتاحية حملت عنوان "هاني فحص . العابر للهويات والعقائد"، ومجموعة من المقالات التي تنثر مآثر المفكر الراحل.

 

وكتبت ريتا فرج في مقالها المعنون بـ "السيد هاني: الآخر... أنا" في ملحق "الأخبار": هاني فحص سيد الحوار والتلاقي، صاحب القلم النابض بالقلق المعرفي والتوتر الدائم، انتمى إلى جيل جنوبي مكافح بعرقه وخبزه وصمته الصاخب.

وتابعت ريتا: أدرك فحص جمالية التعددية، فلم يستطع إلاّ أن يكون ذاتاً في آخر، فبعد "مرحلة من مراحل الانغلاق" قال يوماً: "كل شراييني وأوردتي نظيفة من التعصب وأتعامل مع الآخرين على أساس فردي، وأحمد الله على نعمة أنّ هناك جيلاً من الشباب الدرزي والمسيحي والسني والشيعي يتعامل معي، كما أني أحدهم وبمستوى روحي عالٍ".

ويعتبر فحص، وفق ريتا، أول رجل دين يكتب عن زوجته "أم حسن" أو "الزوجة بيتاً" في الجزء الثاني من "ماض لا يمضي". لا يشير إلى اسمها مباشرة. هو افتخر بذلك، فكسر "الحاجز الهجين والغريب فعبّر عن حبه لها واحترامه وشراكته، نادماً على أنه لم يعطها حقها تماماً".

 

وداعاً أيها الصديق الحبيب

وفي صحيفة "الأخبار" أيضاً كتب كريم مروة بعنوان "وداعاً أيها الصديق الحبيب" قائلاً: السيد هاني رجل دين من نوع مختلف، وقرناؤه قليلون في ما يشبه الندرة. ذلك أن السيد كان رجل دين بالمعنى الأصلي والحقيقي لصفة رجل الدين. كان شديد الحرص، على امتداد حياته، بعد عودته من النجف فقيهاً وأديباً.

وأشار إلى أن السيد كان حريصاً على التزام القيم الإنسانية الكبرى التي تشترك فيها العقيدة الدينية مع الفكر العلماني، وكان مفكراً في الدرجة الأولى، ومن هذا الموقع كرجل دين مفكر وصاحب قيم، دخل إلى السياسة من الباب الواسع، ومارسها كما ينبغي أن تمارس. مارسها باعتبارها في أساسها تقوم على الدفاع عن الإنسان وعن حقوقه وحريته وحقه في الحياة.

 

فقدنا وجهاً بهياً وفكراً نيراً

من جهته قال الأب يوسف مونس في ملحق "الأخبار": في أسبوع مضى، كنا نتذكر وجهاً بهياً غاب عنا هو وجه الإمام موسى الصدر. الوجه المنوّر الداعي إلى الاعتدال والعقل والحكمة والحوار، والعيش المشترك والانفتاح على المسيحية وقيمها وعلى الإسلام وقيمه. واليوم، فقدنا وجهاً بهياً رائعاً وعقلاً منوّراً رائداً، هو هذا الحبيب الصديق هاني فحص الذي لحق في هذا الزمن الصعب بجميع المنوّرين الذين نحن بحاجة إليهم. كان يميّزه هذا العقل النير الذي تكلم عنه ابن رشد، وكان يميزه هذا الفكر الذي تكلم عنه ابن خلدون، مع التحولات التقدمية الريادية الاجتماعية، على رقة وطيبة ومحبة.

 

عن ماضٍ لا يمضي

وفي "الأخبار" كتب بيار أبي صعب في فحص قائلاً: ككل الشخصيات التي يصعب تصنيفها، والمثقفين طارحي الأسئلة المزعجة، و"الخوارج" أصحاب المسيرات الحافلة بالانعطافات والتقلبات، ورجال الدين الذين مارسوا النقد من داخل المؤسسة الدينيّة، مع ما يرافق ذلك من اقصاءات و"تكفيرات"، يمتلك السيّد هاني فحص مقوّمات البطل الرومنسي الذي يبهر، وينتزع الاحترام، ويترك بصماته على زمنه. وخصوصاً أننا نرثيه من قلب راهن حارق، يختزن رجل الدين والأدب والفكر والسياسة الراحل كل تناقضاته.

ومضى أبي صعب يقول: هو "الشيعي الجيّد"، و"المسلم الذي يحب المسيحيين"، وغير ذلك من تنميطات واختزالات تجعل صورة الراحل مشوشة، وتجعل الفرز صعباً الآن، بين من يَدّعي حبّ الرجل ومن يُتهم بكرهه.