عودة المرأة إلى عرش الزمن
13 سبتمبر (أيلول) 2014 06:00 | 0 تعليق

ميادة كيالي*
ميادة كيالي*

تعالوا نرحل عبر الزمن.. ونحو زمن بعيد من الزمن..قبل أن يتحول الرسم حروفاً، ويولد القلم مسماراً يحفر على الطين لينضج تحت الشمس..

تعالوا نمضي إلى آلافٍ ثلاثة قبل الميلاد، حيث كانت الإلهة الأم تتسيد الأسطورة، وتتسيد المشهد في السماء وعلى الأرض، والأبناء يتوالدون منها ويتكاثرون ويبدأ القلق يزلزل سكون الزمان الماضي، ويظهر الرجل المحارب ويعلو شأنه، ويبدأ ظهور الإله الذكر في الرسوم بجانب الإلهة..

 في تلك الأزمنة كانت تظهر تماثيل الذكورة المتمثلة في العضو الذكري وتأخذ مكانها بعدما احتلت تماثيل الفينوس الممتلئة الرحم بالأجنة والممتلئة الصدر بالحنان ألوفاً مؤلفة من عمرالزمن، وتبدأ الرحلة في الصراع على السلطة، وتتغير الأسطورة ويتغير وجه الأنوثة.

تعالوا نعيش من جديد مع أحداث أسطورة الخليقة الإينوما إيلش، لنتبيّن كيف أنها رسمت مصير المرأة إلى يومنا هذا.

حينما في الأعالي.. تبدأ الأسطورة بهذه الجملة التي اتخذتها عنواناً، وهذا ما درجت عليه كل النصوص الأسطورية وحتى النصوص المقدسة لاحقاً، حينما لم يكن هناك سوى ماء، كانت الأم تيامت، التي تمثل المياه المالحة، والأب إبسو الذي يمثل المياه العذبة، ومن ثم يتوالد منهما الآلهة جيلاً وراء جيل.
 ينزعج الأب إبسو من ضجيجهم ويطلب من تيامت أن توافق على التخلص منهم فترفض!... أجل أول إرادة للقتل كانت عند إبسو وأعظم جواب للإلهة الأم تيامت هو "لا يمكن أن نقتل ما خلقناه بأيدينا".. ويصل الخبر للأبناء فيقوم إله الحكمة بقتل الأب إبسو ويدفنه في الأعماق ويبني فوقه قصره، لتأخذ رمزية الأعماق للمياه الجوفية معناها، وتكون هذه  أول عملية قتل في التاريخ على مستوى الآلهة من أجل السلطة، وليس للفوز بالأم مثلما ذهبت إليه عقدة أوديب.

 ويعود جيل الأبناء الجدد يقلق الآباء، في رمزية تعبّر عن الصراع الأزلي بين الحديث والتقليدي، و مع ولادة الإله مردوخ الذي تمتع بصفات عظيمة من والده إله الحكمة إيا، ومن عطايا الآلهة الأخرى له يحصل تطور آخر ليقوم الإله الذكر القوي بالقضاء على الإلهة تيامت التي طالبها الآباء بالقضاء على الأحفاد الجدد والثأر لمقتل إبسو .

وفي المقابل الأم تيامت تجعل من أحد جنودها كينغو زوجاً وقائداً لجيشها، وتمنحه ألواح القدر، وتستعد بالنار والوحوش لحرب مردوخ .

مردوخ يخطط تماماً للقادم فيأخذ موافقة من مجمع الآلهة لحرب الإلهة الأم، تماماً كما تأخذه اليوم أمريكا وغيرها من دول العالم المتحكمة بالقرار الدولي، يا للمفارقة !!.. وينطلق بعُدَّته المصنعة لمواجهة تيامت بأسلحتها الطبيعية .

وتحصل المواجهة التي ترسم المستقبل حتى اليوم.

مردوخ الإله الذكر يقتل الإلهة الأم،  ويشطرها نصفين، فيجعل من نصفها الأول الأرض ومن نصفها الثاني، حيث الكبد، يصنع السماء، ومن أثدائها الجبال، ويرسل دجلة والفرات من مدامع عينيها، وفي كبد السماء، الذي هو كبد تيامت، يجعل النجوم استراحات للآلهة، ويوزع الشهور والأيام،(فلا عجب اليوم حين نقول: أمنا الطبيعة، أو نقول: تعلق الأمل في كبد السماء، وانهارت الدموع أنهاراً من العيون).

ونتابع مع الأسطورة، ونتأمل في مصير قائد الجيوش كينغو، فهو الضحية التي ستقتل كتأسيس لمبدأ الفداء، بشكل مشابه لما سيحصل فيما بعد في ولد  النبي إبراهيم، وما حصل مع  السيد المسيح، وكما سيكون في أي فداء من دم حي .

يُقتل قائد الجيوش بموافقة جماعية بعد أن تسحب منه ألواح القدر ومن دمه وبحفنة من تراب الأرض يصنع مردوخ الإنسان ليصبح خادماً للآلهة.

الانسان يُخلق من دم الإله ومن تراب الإلهة الأم، ولكن من غير أن يستطيع التحكم في قدره، وهكذا نحن اليوم جبلة من أمنا الطبيعة مع دماء حبيبها، لكن من غير تحكم بقدرنا الأعظم وهو الموت.

وبعد هذا الانتصار الساحق تمنح الآلهة للإله مردوخ من صفاتها، المتمثلة في مقدرة كل إله أن تكون له خمسون صفة.

وما يتعين الانتباه إليه هنا هو كيفية بدء تنحي الآلهة المتعددة في مرحلة طوت التعدد في ظل الإلهة الأم إلى التفريد مع الإله الذكر. ولكن، وهنا الأهم، فإن مجمع الآلهة يمنح الإله المقدرة على الخلق بالكلمة فيقول رياح فتكون رياح، وأي كلمة ينطقها تصبح وجوداً مادياً حقيقياً، وهكذا سُحبت من الإلهة الأنثى أحد أبرز أدوارها في الخلق، فلم يعد الأمر ينطلق من الرحم بل من الفم ليستولي الإله مردوخ على كل المزايا التي كانت تتمتع بها تيامت والتي كان يشاركها فيها مجمع من الآلهة.

هذا ما حدث في أسطورة خلّدت تاريخاً قديماً من عمر البشرية، فضلاً عما  تركه علم الآثار من دلالات على تميز مكانة المرأة على الأرض وتسيدها المؤسسة الدينية، وهو ما يعكس بالتأكيد هذا الترابط القوي ما بين السماء والأرض .

انظروا ما نحن عليه منذ عهد البابليين إلى اليوم، ولكم أن تحكموا..

هي أسطورة من طين وحقيقة دفنت تحت التراب حيناً وظلت مجهولة دهراً إلى أن استطاع عامل مطبعة ألماني أن يفك لغز الكتابة المسمارية في منتصف القرن التاسع عشر، ويُصرِّح بأهم حقيقة تاريخية، وهي أننا لم يعد بإمكاننا بعد اليوم أن نقول بأن العهد القديم هو أقدم نصوص التاريخ.

هذه الأسطورة تنطلب منا أكثر من وقفة وأكثر من شرح، وأكثر من بحث. فهي وإن كانت في النهاية نصاً أدبياً، لكنها رسمت محاولات الإنسان لفهم خلق الكون والآلهة والإنسان، وما يهم هنا كيف تغيرت مكانة الأنثى مع الزمن في الأساطير وفي النصوص الدينية بشكل متناغم تماماً مع تغير وضعها على الأرض، ويستحق منا هذا الأمر أن نوليه الدراسة الواسعة التي يستحقها، بالترافق مع دراسة تاريخ المرأة في الحضارات القديمة والذي حمل تميزاً يقلب الكثير من مفاهيم النقص والضعف التي ألصقت بها، وكانت المبرر للتسيّد عليها، وإقصائها عن ساحة القرار .

 أرجوك يا تيامت الغالية أن تعودي.. وتأخذي مكانتك على الأقل على الأرض في هذا العالم الذي ملأه "مردوخ" المستوطن في ذاكرة الذكور عنفاً وقتلاً ودماراً .عودي لنهتف: تأنث المكان، تأنثت الحضارة، ورقّت روحها..!

 

*كاتبة وباحثة سورية

التعليقات السابقة

لا يوجد تعليقات سابقة. كن أول من يقوم بالتعليق

أضف تعليقاًً

الاسم
البريد الإلكتروني
* اختياري
عنوان التعليق
التعليق