الطاهر الحداد: فتى سبق زمنه بقرنين من الزمن
13 اغسطس (آب) 2014 20:00 | 0 تعليق

المصلح التونسي الطاهر الحدّاد - (ذوات)
تونس - عيسى جابلي

يصعب أن يمرّ يوم 13 أغسطس (آب)، الّذي يوافق عيد المرأة في تونس، دون أن يذكر التونسيون والتونسيات من ناضل من أجل تحرير المرأة ودفع من أجلها ثمناً غالياً، صاحب كتاب "امرأتنا في الشّريعة والمجتمع". إنه المصلح التونسي الطاهر الحدّاد الذي جعل من قضية تحرير المرأة مسألة مصيرية في تاريخ تونس الحديث.

حكاية ظمأ...

ولد الطاهر الحداد عام 1899 في تونس العاصمة من أبوين أصيلي مدينة الحامّة (جنوب شرق تونس). تلقى تكويناً تقليدياً في الكتّاب ثم في الجامعة الزيتونية التي حصل منها على شهادة "التطويع". غير أنه لم يرتو بذلك ولم يشف غليله من الفكر والمعرفة. فراح يطفئ ظمأه بالاطلاع على التجارب الإصلاحية والانفتاح على الأفكار التنويرية. نهل من فكر محمد عبده وجمال الدين الأفغاني وقاسم أمين وخير الدين التونسي وابن خلدون وغيرهم من المفكّرين، ليواجه مجتمعاً متحجراً راكداً لا يحركه شيء.

المرأة أُمّ الإنسان..

حاول الحدّاد أن يقرأ الشريعة قراءة حداثية مقاصدية تنظر إليها من جانبها المرن.

انعكس ذاك التكوين الذي جمع بين الأصالة والمعاصرة في مؤلّفاته؛ فأصدر عام 1930 كتابه "امرأتنا في الشريعة والمجتمع" الذي ثار فيه على التقاليد البالية والأفكار الجامدة التي تكبل المرأة بأعرافها الزائفة. أعلن منذ الجملة الأولى أن "المرأة أم الإنسان"؛ أي إنها الأصل الذي ننطلق منه فنتربى في أحضانه. لذلك دعا إلى تحريرها من سطوة المجتمع التقليدي المحافظ، وطالب بضرورة تعليمها وإعطائها الحق في اختيار شريك حياتها والطلاق منه طلاقاً يقع بما تقرره المحاكم المختصة لا بكلمات الرجال، ونادى بحقها في تولي خطة القضاء شأنها في ذلك شأن الرجل، كما دعا إلى تمكينها من حقها في الميراث، ورفض تعدد الزوجات وغير ذلك من المسائل المتعلقة بقضية المرأة.

حاول الحدّاد أن يقرأ الشريعة قراءة حداثية مقاصدية تنظر إليها من جانبها المرن؛ أي بوصفها قابلة للتأويل حسب الواقع الذي يعيشه الإنسان، الواقع بمختلف أبعاده مراعياً التطور الذي حققته الإنسانية، مستأنساً بآراء من سبقوه من مفكرين وعلماء وأيمة.

المحنة...

أثار الكتاب زوبعة عنيفة، فعملت معاول الأصوليين في بناء الحدّاد الفكري هدماً وتخريباً، فصدر كتابان للرد عليه هما "الحِداد على امرأة الحدّاد" للشيخ محمد الصالح بن مراد، وكتاب "سيف الحق على من يرى الحق" للشيخ عمر البري المدني. اتهم بالزندقة وتم تكفيره والمناداة بإخراجه من الملة. وطالب الأصوليون بمنعه من حقه في الزواج، وطلبوا مصادرة الكتاب، وسحبت منه شواهده العلمية، وطرد من قاعة الامتحان بأمر ملكي عندما  تقدم لنيل شهادة في الحقوق. ولما أحاطت به الخناجر من كل جانب وجاءته السهام من كل صوب، آثر العزلة في السنوات الأخيرة من عمره، غير أنه تمسك بآرائه وواصل نضاله من أجل أفكاره مؤمناً بالمبادئ الجديدة التي كان يدعو إليها.

مجلة الأحوال الشخصية

توفي الطاهر الحداد عام 1935 عن 36 عاماً استطاع من خلالها أن ينحت لنفسه شخصية تعتبر اليوم شخصية تاريخية في عيون أغلب التونسيين الذين أطلقوا عليه لقب "محرر المرأة".

هي أول مجلة متكاملة تصدر في العالم العربي، لتضمن للمرأة حقوقها المدنية وتنظم الحياة قانونياً بعيداً عن الأعراف والتقاليد، وهي حصيلة نضالات طويلة وعصارة أفكار مصلحين آمنوا بأفكارهم، وإن كانوا قد أسيء فهمهم في عصرهم، وأوّلهم الطاهر الحداد الذي مثلت أفكاره اللبنة الأساسية لبناء هذه المجلة. استلهمت اجتهاداته وضمنت في مجلة الأحوال الشخصية التي صدرت سنة 1956 سنة الاستقلال. هو الذي كان يرى أن حرية المجتمع من حرية المرأة، لأن مجتمعاً يستعبد المرأة، لا يمكن أن يكون حراً ولا مستقلاً.

سابق عصره...

توفي الطاهر الحداد عام 1935 عن 36 عاماً استطاع من خلالها أن ينحت لنفسه شخصية تعتبر اليوم شخصية تاريخية في عيون أغلب التونسيين الذين أطلقوا عليه لقب "محرر المرأة". تشهد على مكانته عدد الشوارع التي تحمل اسمه ودور الثقافة والنوادي الثقافية والمعاهد والمدارس والمؤسسات. ويذكر أن طه حسين لما فرغ من قراءة كتابه "امرأتنا في الشريعة والمجتمع" قال عنه: "لقد سبق هذا الفتى زمنه بقرنين".

أحلام لا حد لها...

بعد 14 يناير (كانون الثاني) 2011، تعالت أصوات هنا وهناك مطالبة بضرورة مراجعة مجلة الأحوال الشخصية غير أن المجتمع المدني تصدى لذلك، وطالب كثير من مناصري المرأة المتشبعين بالفكر الحداثي بضرورة تدعيم مكاسبها وتعزيز مكانتها داخل المجتمع، لأنها مساهمة فعالة منذ الاستقلال في بنائه والرقي به. ذلك أن كثيراً من الناشطات في مجال حقوق المرأة يرين أنه، رغم ما حققته المرأة من مكتسبات ثمينة، فإنها مطالبة بالذود عنها أولاً قصد ترسيخها والتصدي لكل محاولات الرجعة عنها، كما لا بد من مواصلة الحلم لتحصيل مزيد من الفاعلية في المجتمع المعاصر والتصدي للكثير من الظواهر التي لا تزال متفشية في بعض الأوساط، ولتحصيل المزيد من الحقوق، مثل حق المرأة العاملة في تربية أبنائها وتنشئتهم.

التعليقات السابقة

لا يوجد تعليقات سابقة. كن أول من يقوم بالتعليق

أضف تعليقاًً

الاسم
البريد الإلكتروني
* اختياري
عنوان التعليق
التعليق