فيلم "نوح" يثير أزمة تجسيد الأنبياء على شاشة السينما
30 يونيو (حزيران) 2014 22:00 | 0 تعليق
ملصق لفيلم "نوح" - (أرشيفية)
بعد أن أفتى "الأزهر" بمنع عرض فيلم "نوح"، قامت بعض الدول العربية بإجراء مماثل قضى بعدم عرض الفيلم العالمي في صالات العرض العامة. بيد أن الرقابة المصرية أكدت على لسان وزير الثقافة أن توصية الأزهر غير ملزمة، ما يعني أن الجمهور المصري سيكون على موعد مع هذا الحدث الاستثنائي الذي يتم فيه تجسيد أحد الأنبياء في فيلم يعرض في بلد مسلم.
وظل تجسيد الأنبياء والصحابة معضلة تواجه الفنانين والعاملين في القطاع السينمائي والتلفزيوني، نظراً لما رافق ذلك من محاذير يلقي الضوء عليها الكاتب المصري محمد عبد الناصر في إطار مساهمته في ملف ساخن بعنوان "بشر أم مقدسون"، حيث يرى أن الرقابة المصرية "أخذت حبوب الشجاعة في مواجهة المؤسسة الدينية التي استهلكت نفسها في السياسة، حتى لم يعد لكلمتها نفس وزنها في أيام العز من القرن العشرين، لكن الذي تغير هو وعي الجماهير التي فرضت بقبولها لهذا الفيلم -لا سيما الأجيال الشابة- واقعاً جديداً في الذوق الفني العام".
وفيما يلي نص المقالة:
ماذا بعد أزمة فيلم نوح الأخيرة؟
محمد عبدالناصر
كان الفنان الراحل الكبير يوسف بك وهبي يستعد لقراءة النص الذي أرسلته له إحدى شركات الإنتاج الأوروبية، بعد وقوع اختيارها عليه، لبطولة فيلم عن حياة النبي محمد صلى الله عليه وسلم، سنة 1926، وما إن بدأت أخبار الفيلم الجديد تتسرب للصحافة المصرية، حتى ثار الرأي العام بشدة على ما اعتبره وقتها إهانة بالغة لشخصية الرسول، وتلا ذلك ظهور أول فتوى من نوعها من مشيخة الأزهر تحرم ظهور الرسل والأنبياء والصحابة على الشاشات.
ونشرت وقتها بعض الصحف صور يوسف وهبي، وهو يؤدي بعض أدوار الشر الأثيرة إلى نفسه، كدور راسبوتين الروسي الدموي المراوغ، متسائلة عن كيفية أدائه بعد ذلك لدور الرسول الكريم، على الرغم من أن النص الذي كان من المقرر تمثيله، قد تمت مراجعته على يد لجنة من كبار العلماء المسلمين في إسطنبول وأجازته، إلا أننا في إطار الظروف السياسية آنذاك، يمكننا أن نلاحظ أن الحماسة التركية لهذا المشروع كانت في مرحلة صعود الأتاتوركية التي ألغت الخلافة الإسلامية قبل تاريخ هذا الفيلم بعامين، بما كان له بكل تأكيد من آثارٍ سيئة جدّاً على نفسية العرب المسلمين في مصر، وغيرها من البلدان.
في نهاية المطاف، وبعد أن تعالت نبرة السخط الشديدة على يوسف وهبي، ومطالبة البعض بتكفيره وإقامة حد الحرابة عليه، ودعوات البعض الآخر للملك أحمد فؤاد لسحب الجنسية المصرية منه، وتحت وقع هذه الضغوط كلها، قرر يوسف وهبي أخيراً الانسحاب من هذه التجربة، واعتذر عن المشروع الذي لم يُستكمل فيما بعد، وكان هذا أول انتصار لفكرة تحريم تمثيل شخصيات الأنبياء والصحابة التي شاعت فيما بعد، واكتسبت مشروعية المتابعة والإجماع بين المجامع العلمية والدينية الإسلامية، ومن قبلها بين قطاع عريض من الجماهير التي نفرت من الفكرة.
المشخصاتية
إذا وضعنا مسألة النفور الجماهيري من تمثيل شخصيات الأنبياء والصحابة في سياقها الاجتماعي والتاريخي الصحيح، فإننا سنكتشف أننا كنا بإزاء حالة ازدراء عربي عام لفن التمثيل الذي تعاملت معه الثقافة العربية الشعبية في بدايات انتشاره بشكل شديد التحفظ والتعالي، حيث كان يُنظر إلى من يحترفون التمثيل على أنهم مجرد "مشخصاتية" لا يليق بهم أن يكون لهم شرف من أي نوع، لأنهم يكذبون على الناس، وليست لديهم "صنعة" شريفة فيها تعب من وجهة نظر الجماهير، تستحق أن تجعل لهم احتراماً ووزناً، حتى إن شهادة الممثلين في المحاكم لم تكن مقبولة في مرحلة من المراحل.
لم يخطر على بال المتلقي العربي في هذه المرحلة المبكرة التي شهدت بدايات فن السينما في مصر، وظهور أوائل الأفلام الناطقة في العالم، أنه من الممكن أن تكون من وراء فن التمثيل أية قيمة سامية أو رسالة أخلاقية متضمنة تسهم في رفع وعي المجتمع بذاته أو بالأشياء، وبالتالي فكيف يقبل مثل هذا المجتمع بمثل هذا الوعي أن يقول المشخصاتي، الذي ليس له إلا في الهزل والمسخرة، بادعاء تقليد أشرف الخلق وسيد النبيين؟ اجتماعياً هذا مرفوض في سياقه وفي وقته، لكن هل كان لانحياز الأزهر في ذلك الوقت لهذا الحس الاجتماعي العام بُعدٌ فقهي، أم لم تكن الأمور كذلك طوال الوقت؟
أصوات دينية من خارج الصندوق
كتبالشيخ عصام تليمة لموقع أون إسلام منذ ثلاث سنوات مقالاً طويلاً مكوناً من ثلاثةأجزاء بعنوان: "تجسيد الأنبياء والصحابة... تقييم المواقف الفقهية" خلص فيهبالأدلة العقلية والنقلية إلى جواز تمثيل أدوار الصحابة والأنبياء في السينما والتليفزيون. وتكمن أهمية المقال في أنه فريدٌ من نوعه إلى حد كبير، من حيث الاستقصاء والتتبع المنهجي والعقلاني للقضية؛ والنتيجة النهائية التي انتهى إليها بالمخالفة تقريباً لكل ما اتفق عليه، من اصطلح على تسميتهم بأهل العلم المسلمين في القرن العشرين كله وحتى اللحظات التي نعيشها من القرن الحالي.
إن الآراء التي ذهبت إلى عدم جواز تجسيد الصحابة والأنبياء في الأعمال الفنية، ارتبطت خصوصاً بمشايخ أهل السنة المعاصرين، بينما توجد فتاوى بالإجازة لدى الشيعة، وهي تفسر لنا كيف ظهرت أعمال فنية من نوعية مسلسل يوسف الصديق الذي عرض على الفضائيات منذ مدة قريبة، وتجاوبت معه الأسر العربية بشكل جيد، ولم يثر ضجة كبيرة.
كما أن هذه الفتاوى، بحسب عصام تليمة، غلبت عليها العاطفة والافتراضات المرسلة، دون وجود دلائل واضحة من القرآن والسنة على حرمانية تمثيل أدوار الأنبياء والصحابة، بل إنه ذهب إلى أبعد من ذلك، وجاء بأدلة من القرآن والسنة على جواز التمثيل، وهو ما يضيق هذا المجال عن سرده، ويمكن الرجوع فيه إلى المصدر الأصلي.
استغباء المشاهد
ما عبر عنه الشيخ عصام تليمة بشكل لطيف ومهذب بتسميته "هواجس وظنون، وتخوفات، غير مبنية على حقائق ويقينيات مدروسة"، هو في الحقيقة حالة من استغباء المشاهد والمتلقي، تمتع بها جمهور كبير من رجال الدين العرب، لكي يتمكنوا من استنتاج مفاده أن المشاهد العربي، سوف يظن أن الممثل الذي أمامه نبي في جميع أدواره الأخرى التي أداها قبل تمثيل الصحابي أو النبي أو بعده، أو كأن المشاهد ليست لديه قدرة على التمييز بين ما هو حقيقي وما هو تمثيل.
من ناحية أخرى، تجنح فتاوى التحريم عادةً إلى تعضيد رؤاها بكلمات من نوعية "حفاظاً على مهابة الشخصيات الدينية التي ليس مثلها أحد"، وكأن الذين عاشوا في عصر هذه الشخصيات ورأوها رأي العين لم تكن لديهم مهابة لها، أو كأن الشخصيات الدينية يجب أن تظل مجرد أسماء اعتبارية في الفضاء، من أجل أن يتصور المشاهد بعقله الساذج أن لها أجسادًا وأشكالاً، وأنها تعيش حياة بشرية حقيقية.
هذا التقديس المبالغ فيه، والذي يحمل بطبيعة الحال شبهة وثنية غير خافية، لم يكن من طبيعة الإسلام في عصور أكثر وعياً، حيث حرص القائمون فيها على أمر الدين على تأكيد بشرية الشخصيات الدينية، بل إن القرآن الكريم نفسه حرص على تأكيد ذلك.
أقصى درجات الشطط
في الفيلم الأمريكي "بروس الخارق" من بطولة جيم كاري سنة 2003، يظهر بطل الفيلم الذي يعاني من عدد كبير من المشاكل، وقد أفضت إليه نفسه أن ينادي الإله طالباً منه أن يكف عنه بعض ما هو فيه، فيظهر له الإله الذي يؤدي دوره الممثل مورجان فريمان في بدلة بيضاء، ويعقد معه صفقة يعطيه بموجبها بعض قدراته، ويطالبه فيها بجزء مما يطالبه به البشر، لينظر كيف يتصرف.
هذه هي أقصى درجات الشطط الديني التي من الممكن أن تحدث في الدنيا..! هل من الممكن أن يقوم عمل فني بشيء أفظع وأكثر تجرؤًا و"بجاحة" عن القيام بتجسيد الإله؟! ومع ذلك... فقد شاهدت هذا الفيلم الكوميدي... وشاهده الملايين حول العالم، وانتقده الكثيرون أيضاً، دون أن يكون الفيلم متاحاً على شبكة الإنترنت لمشاهدته في أي مكان من العالم.
المسألة، ببساطة، هي كما قال توفيق الحكيم: "اقرأ ما شئت ما دام لك عقل واعٍ"، أو في السياق الذي نتحدث فيه "شاهد ما شئت"، لأن حرية كل شخص في أن يكتب أو يصور ما يريده مكفولة، والمشاهد هو الذي يختار بلا وصاية، عليه أن يقرر، أن يشاهد هذا، ويترك ذلك، وينتقد ذاك، غير أن من يختارون فرض الوصاية على الناس يصرون دائماً على افتراض أنه لا أحد واعٍ، وأن الناس معرضون للفتنة باستمرار، إذا قرأت أو سمعت أو شاهدت شيئاً من خارج الإطار والحدود المسموح بها، كما أنهم يفترضون كذلك أن بإمكانهم أن يمنعوا شيئاً بالفعل..! وهذا ربما كان ممكناً سنة 1926 أيام فتى الشاشة الأول يوسف وهبي... لكنه اليوم في عصر السماوات المفتوحة، وحرية تداول المعلومات، أصبح أمرًا لا يدعي أحد القدرة عليه مطلقاً.
المسيح في السينما
بالنسبة لمجمل الطوائف المسيحية، بشكل عام، لا توجد قيود كبيرة على مسألة تمثيل الشخصيات الدينية التي تصل في بعض الأحيان إلى تمثيل دور المسيح نفسه، وهو من هو في اللاهوت المسيحي.
نتيجة لهذا، فقد ظهرت منذ بدايات فن السينما وحتى الآن، عشرات الأفلام التي تناولت محاكاة لحياة المسيح عليه السلام، منذ البدايات المبكرة للقرن العشرين وأثناء السينما الصامتة، إلى فيلم "آلام المسيح" الشهير الذي أخرجه ميل جيبسون سنة 2003، حتى إن أحد هذه الأفلام، وهو فيلم "ملك الملوك" لنيكولاس راي، سنة 1961، والذي عُرض في صالات العرض في مصر بالفعل في منتصف الستينيات، لمدة 10 أيام، قبل أن يتم سحبه بعد إثارة الجدل المتكرر نفسه.
وفي عام 2014 الجاري، تم عرض فيلم "ابن الإله" للمخرج كريستوفر سبنسر في صالات العرض الأمريكية، ويجري حالياً إنتاج فيلم آخر يحمل عنوان "الدماء الطاهرة للمسيح" من إخراج وتأليف سبايك لي، وكل هذه أفلام بعضها مرَّ علينا، وبعضها سيمر علينا، ليثير نفس الجدل المتكرر قبل عرضه التجاري، وغالباً ما سنصل إلى يوم لا تساوي فيه قرارات منع مثل هذه الأعمال الورق الذي تكتب عليه، حيث كل شيء متاح وبوفرة على شبكة الإنترنت!
فيلم نوح... والشيء الذي تغير
على الرغم من أن الفيلم الأمريكي، الذي يتصدر شبابيك التذاكر العالمية الآن، بعنوان: "نوح" من بطولة راسل كرو، لم يتم عرضه تجارياً بعد في صالات السينما في مصر، فإنه على الأرجح سيُعرض بعد أن وافقت عليه الرقابة، متجاهلة تحفظات الأزهر التي وصفت هذه المرة بـ"الاسترشادية" في سابقة فريدة من نوعها في مصر. الشيء الذي تغيّر هذه المرة ليس هو أن الرقابة أخذت حبوب الشجاعة في مواجهة المؤسسة الدينية التي استهلكت نفسها في السياسة، حتى لم يعد لكلمتها نفس وزنها في أيام العز من القرن العشرين، لكن الذي تغير هو وعي الجماهير التي فرضت بقبولها لهذا الفيلم -لا سيما الأجيال الشابة- واقعاً جديداً في الذوق الفني العام.
أخيراً، لم يعد الممثل مشخصاتياً، والفيلم السينمائي لم يعد مجرد ضرب من ضروب العبث واللهو، كما أن الجماهير، التي كانت تغضب إلى حد المطالبة برؤوس الممثلين المتجرئين على أدوار الأنبياء، أصبحت تنتظر بكل شغف ظهور الأفلام التي تجسد قصص الأنبياء في السينما لكي تقبل عليها، هذا إذا ما استثنينا بالطبع الشريحة الأكثر تطرفاً التي يختلف في ملّتها واعتقادها عام 2014 عن عام 1914، وكلاهما لا تحكمهما أعراف وقوانين تبتعد كثيراً عما كان سائداً حتى في عام 714م..!
التعليقات السابقة
لا يوجد تعليقات سابقة. كن أول من يقوم بالتعليق
أضف تعليقاًً
* اختياري

