"فن تأزيم المسلم": شهادة إخواني من داخل الجماعة
01 يوليو 2014 | 3 تعليق

شعار جماعة الإخوان المسلمين رفقة صورة حسن البنا - (أرشيفية)
القاهرة - ذوات

يكشف الباحث حمادة أبو سمرة أسرار تجربته وانخراطه في تنظيم جماعة الإخوان المسلمين في مصر طيلة ما يناهز العشرين عاماً تدرج خلالها في المواقع التنظيمية، ومروره، كما يقول "بمرحلة استيعاب الإخوان له خارجياً وداخلياً، ثم قيامه هو باستيعاب آخرين خارجياً وداخلياً أيضاً".

ويرى أبو سمرة أن من الضروري لمعرفة كيف يفكّر "الإخوان" أن يتم البحث والتساؤل عن طبيعة تشكيل وتكوين القواعد الإخوانية تربوياً وتنظيمياً، لمحاولة فهم طريقة عمل وأسلوب تفكير "الإخوان" وما يستبطنونه داخلهم عندما يقومون باتخاذ قراراتهم، وهو ما يفتح سلسلة لا تنتهي من الإشكالات مردها الإحساس بالحيرة إزاء ما يعلنه "الإخوان" لغير "الإخوان" باعتباره معبّراً عنهم، وما تتضمنه أدبيات "الإخوان" الداخلية، ومناهج التربية عندهم التي تشكل عقيدة أتباعها.

يتم تشكيل وتهيئة "الأخ" نفسياً وفكرياً ليكون عضواً في جماعة الإخوان، وتسجيل موقف معبّر عن موقع التنظيم في نفوس "الإخوان"

وانطلاقاً من تجربة الباحث الشخصية داخل صفوف الجماعة، فقد تم اختيار نص من النصوص المهمة التي كان يتم مدارستها داخل أسر "الإخوان" ولقاءاتهم التربوية لبيان كيف يتم تشكيل وتهيئة "الأخ" نفسياً وفكرياً ليكون عضواً في جماعة الإخوان، وتسجيل موقف معبّر عن موقع التنظيم في نفوس "الإخوان"، وما يحيط بعملهم من غموض.
هنا نص شهادة أبي سمرة التي جاءت في إطار ملف ساخن بعنوان "الإسلاميون بي الثورة وأزمة إدارة الدولة" نُشر على الموقع الإلكتروتي لمؤسسة "مؤمنون بلا حدود للدراسات والأبحاث".

"فن تأزيم المسلم": شهادة إخواني من داخل الجماعة  

حمادة أبو سمرة

هل هؤلاء هم الإسلاميون؟ وماذا حدث لهم؟ ولماذا صاروا اليوم بهذه العدائية

أشعلت دوامة العنف التي أدارت رحاها جماعة الإخوان المسلمين ثورة من الغضب الممتزج بالتعجب بل بالدهشة والذهول لدى عدد كبير من المتابعين والمراقبين الذين كانوا يحسنون الظن بالإخوان، ويحسبونهم دون سواهم آخر من يلجأ إلى العنف أو يتوسل به لتحقيق غرض أو الوصول إلى هدف، خاصة بعد تجربتهم الطويلة الممتدة زماناً ومكاناً والتي أثبتت لهم ولغيرهم بما لا يدع مجالاً للشك أن اللجوء للعنف المسلح ضد الدولة بكامل أجهزتها وقوتها كوسيلة للتغيير لا يمكن أن يثمر أي نتيجة إيجابية لمن يلجأ إليه، فضلاً عن تصريحاتهم وكتاباتهم المعلنة التي تبرأت من العنف ومرتكبيه.

ولكن عقب خروج السلطة من يد الإخوان، رغماً عنهم، رأى وسمع الجميع تصريحاتهم المحرضة على "الجهاد" بكل أنواعه وأشكاله لتحقيق "النصر" بعودة الرئيس الإخواني محمد مرسي لسدة الحكم أو "الاستشهاد في سبيل الله" وممارساتهم العدائية التي استعلنوا بها وإصرارهم في الوقت ذاته على أنهم سلميون لا علاقة لهم بالعنف، وسارت الأمور على نحوٍ بدا للكثيرين مفاجئاً ومحيراً، مما دعا عديداً من الباحثين إلى طرح تساؤلات من مثل: هل هؤلاء هم الإسلاميون؟ وماذا حدث لهم؟ ولماذا صاروا اليوم بهذه العدائية، وخاصة الإخوان الذين كانوا دعاة للتفاهم والحوار ومثالاً للدهاء السياسي ؟ ولماذا لم يكونوا أكثر ذكاء وكياسة في أزمتهم مع المعارضين والعسكر؟ وهل ما يصدر عنهم من عنف وتناقض وتخبط وتوجس من الآخر له علاقة بالمعين الثقافي الذي يصدرون عنه ويقومون بالتنظير منه، أم له علاقة بالطريقة التي تم بها تشكيل شخصياتهم وعقولهم ووجدانهم، أم له علاقة بالاثنين معاً؟    

لاستيعاب ذلك كان لا بد من العودة إلى البحث والتساؤل عن طبيعة تشكيل وتكوين القواعد الإخوانية تربوياً وتنظيمياً، لمحاولة فهم طريقة عمل وأسلوب تفكير الإخوان وما يستبطنونه داخلهم عندما يقومون باتخاذ قراراتهم. وهو ما يفتح سلسلة لا تنتهي من الإشكالات مردها إحساس الباحث بالحيرة بحكم تجربته الشخصية مع الإخوان إزاء ما يعلنه الإخوان لغير الإخوان باعتباره معبراً عنهم، وما تتضمنه أدبيات الإخوان الداخلية ومناهج التربية عندهم التي تشكل عقيدة أتباعها.

وانطلاقاً من تجربة الباحث الشخصية داخل صفوف جماعة الإخوان المسلمين التي امتدت من عام 1991م إلى عام 2008م ومروره بمرحلة استيعاب الإخوان له خارجياً وداخلياً، ثم قيامه هو باستيعاب آخرين خارجياً وداخلياً أيضاً، فقد تم اختيار نص من النصوص المهمة التي كان يتم مدارستها داخل أسر الإخوان ولقاءاتهم التربوية لبيان كيف يتم تشكيل وتهيئة "الأخ" نفسياً وفكرياً ليكون عضواً في جماعة الإخوان، وتسجيل موقف معبّر عن موقع التنظيم في نفوس الإخوان، وللقارئ أن يستنتج ما يراه كاشفاً له عن بعض ما يحيط بالإخوان من غموض.

كيف تتم عملية التأزيم؟

المطلوب هو أن ننتقل بهم من الواقع الذي يعيشونه، إلى فهم الإسلام فهماً كاملاً سليماً شاملاً نقياً كما جاء به رسول الله صلى الله عليه وسلم

عادة لا يشكل الدين أزمة للمسلم العادي خصوصاً، أو للمتدين العادي عموما، نظراً لأن هذا الشخص "العادي" لا يكون واعياً بأبعاد ومقتضيات انتمائه للدين، فالدين جزء من حياته وليس حياته كلها، ولكن الدين قد يشكل أزمة للمسلم إذا أصبح الدين هو قضية المسلم ومحور حياته.  يوضح لنا هذا النص، للأستاذ مصطفى مشهور المرشد الخامس لجماعة الإخوان المسلمين، الطريقة التي يتم بها "تأزيم" الفرد المسلم العادي، أي إعادة موضعة الدين في حياته. يقول المرشد:

****

في المرحلة الرابعة يتم توضيح المعنى الشمولي للعبادة، لتشمل كل مناحي الحياة من طعام وشراب ولباس وعلم وعمل وزواج ورياضة ورعاية للأبناء

"الدعوة إلى الله واجب كل مسلم ومسلمة في كل زمان. وفي زماننا هذا أوجب لما تتعرض له الأمة الإسلامية من هجمات شرسة من أعداء الله بقصد سلب جوهر الدعوة الإسلامية من نفوس المسلمين... الدعوة إلى الله وإلى الطريق الصحيح من ألزم الأمور وسط هذا الخليط من الرايات والتيارات والتجهيل والتشكيك والتغريب والانحراف...  فنحن نحصر هنا الحديث على دعوة المسلمين إلى الله ليس غير المسلمين- لأن المطلوب هو أن ننتقل بهم من الواقع الذي يعيشونه وما فيه من قصور في فهم أو فتور في عمل أو تطرف أو غير ذلك، إلى فهم الإسلام فهماً كاملاً سليماً شاملاً نقياً كما جاء به رسول الله صلى الله عليه وسلم وإلى معرفة متطلبات هذا الإسلام كاملة، ثم كيفية تحقيق هذه المتطلبات على الوجه الأكمل الصحيح. وبشيء من الدراسة والتحليل لمجتمعاتنا، نجد أن ضعف الإيمان أو الإيمان المخدر فى النفوس مع عدم المعرفة السليمة لحقيقة هذا الدين والغزو الفكري أيضاً، كل ذلك وراء هذه الحال التي عليها الكثرة من المسلمين والتي يسرت لأعداء الله تسخير بعض المسلمين لمحاربة الدين من حيث يشعرون أو لايشعرون. ولا ينتظر وعي وحركة وعمل وإنتاج للاسلام من أمثال هؤلاء إلا إذا استيقظ الإيمان أولاً في نفوسهم فيدفعهم إلى المعرفة والحركة والعمل والرقي بالنفس في مدارج العاملين الصالحين... وسنبدأ الدعوة مع شخص غافل لاه ونتدرج به مرحلة مرحلة من باب توضيح كيفية البدء مع مثل هذا الصنف... إن كثيراً من المسلمين الذين شغلتهم الدنيا وألهتهم عن عبادة الله وطاعته أشبه ما يكونون بقوم نائمين مستغرقين في النوم، وهناك نار تقترب منهم وستلتهمهم إذا بقوا على حالهم. ويوجد وسط النائمين بعض المستيقظين الذين يشهدون هذا المنظر ولا يملكون دفع هذه النار عن النائمين. فالواجب يملي عليهم أن يوقظوا النائمين ليتدارك كل واحد منهم حاله ويبتعد عن هذه النار، وأي محاولة لتحذيرهم من النار قبل إيقاظهم لاجدوى منها ولن يستجيبوا، لأنهم نائمون لايسمعون هذا التحذير، فلا بد من الإيقاظ أولاً، ثم التحذير. ولكن كثيراً ما يحدث عند إيقاظ نائم أن يطلب ممن يوقظه أن يتركه يسترسل في نومه لأنه مستمع بالنوم ولا يريد أن يقلقه أحد. إنه يطلب ذلك وهو لازال نائماً ولم يستيقظ لأنه لو استيقظ فعلاً ورأى النار لسارع بالفرار منها، وإذا قال إنه قد استيقظ لا يطمئن إلى هذا القول الا إذا اقترن بالحركة والابتعاد...

ولنبدأ بالمرحلة الأولى في الدعوة الفردية: وهى إيجاد صلة وتعارف بمن تريد دعوته وإشعاره عملياً باهتمامك به والسؤال عنه إذا غاب، وغير ذلك دون الحديث فى أي أمر من أمور الدعوة حتى ينفتح قلبه ويتهيأ لاستيعاب ما يقال له ليستفيد منه. وبقدر ما تنال هذه المرحلة من اهتمام وعاطفة بقدر ما يتجاوب المدعو ويستجيب إلى ما يدعى إليه. وأي حديث معه قبل ذلك ربما يكون سبباً في نفوره وصدوده .

المرحلة الثانية: وهي إيقاظ الإيمان المخدر في نفس المدعو، ولا يكون الحديث حول قضية الإيمان مباشراً، ولكن الأفضل أن يأتي طبيعياً، وكأنه دون قصد، بانتهاز فرصة رؤية طائر أو نبتة أو حشرة أو أي مخلوق من خلق الله ويتحدث معه عن قدرة لله وإبداعه وعظمته في هذا. ... وهكذا يستمر الحوار حول قضايا الإيمان وعندما تستيقظ هذه القضايا سيبدأ الفرد في مراجعة نفسه ويشعر أنه لو بقي على حاله من الإهمال والتقصير والغفلة وإقباله على معصية الله وعدم طاعته، فإنه سيتعرض إلى عذاب الله يوم القيامة ولا مفر ولا منقذ له. وحينئذ يسلس قياده ويسهل توجيهه إلى ما يدعى إليه من التزام تعاليم الإسلام.

المرحلة الخامسة هي التي يوضح فيها للمدعو أن ديننا لا يكتفي منا بأن نكون مسلمين في ذواتنا بل إن إسلامنا دين جماعي إنه نظام حياة وحكم وجهاد

وعندئذ تبدأ المرحلة الثالثة: وهي معاونته في تدارك حاله بالتعرف على طاعة الله والعبادات المفروضة وممارستها والانتظام فيها والابتعاد عن المعاصي والتحلي بالأخلاق الإسلامية. ويفضل تزويده بما يقرؤه من الكتب الميسرة فى العقيدة والعبادة والأخلاق كما يدعى إلى حضور بعض الدروس والمواعظ ويتعرف على أهل الخير والصلاح ويصرف عن أهل السوء، وهكذا يهيأ له المناخ الذي يساعده على استكمال شخصيته الإسلامية. ويلزم الصبر ومتابعته حتى ترسخ قدمه فى هذا الطريق ولا يترك مدة طويلة دون تعهد ومعاونة كي يواصل السير في الطريق ويتجنب عوامل الفتور أو الكسل أو التفريط، وقد يستغرق ذلك عدة أسابيع أو بعض الأشهر حتى تستقر شخصيته الإسلامية دون اهتزاز. وهنا نقول ان هناك نوعيات كثيرة موجودة فعلاً على هذه الصورة، ويمكن البدء بها في المرحلة الرابعة التالية، ولكن بعد تحقيق المرحلة الأولى وهي إيجاد صلة وعلاقة طيبة تهيء لمواصلة الحوار والقيام بواجب الدعوة.

المرحلة الرابعة: وهي توضيح المعنى الشمولي للعبادة، وعدم قصره على الصلاة والصوم والزكاة والحج، ولكن يشمل كل مناحي الحياة من طعام وشراب ولباس وعلم وعمل وزواج ورياضة ورعاية للأبناء إلى آخر كل هذه الأمور، وذلك بتوفر شرطين وهما النية والمطابقة للشرع... وهكذا في هذه المرحلة ينضبط الفرد المسلم في حياته وحركاته وسكناته مع شرع الله والتعبد إلى الله بكل هذه الأعمال، بدلاً من قصر مفهوم العبادة على الفرائض الأربعة المعروفة.

ولا يتصور أحد أن يكون كامل الإسلام وهو يعيش وحده دون أن يعمل في جماعة لتنفيذ مبادئ الإسلام وواجباته ومن أهمها، في الظرف الحالي، السعي المتواصل لإقامة الدولة الإسلامية

المرحلة الخامسة: هي التي يوضح فيها للمدعو أن ديننا لا يكتفي منا بأن نكون مسلمين في ذواتنا كأفراد نؤدي العبادات ونتحلى بالأخلاق الحسنة ولا نؤذي أحداً ولا شىء غير ذلك. بل إن إسلامنا دين جماعي إنه نظام حياة و حكم وتشريع ودولة وجهاد وأمة واحدة. وهذا الفهم الصحيح للإسلام يملي علينا مسؤوليات وواجبات عامة علينا أن نؤديها تنفيذاً لأمر الله كي يقوم المجتمع على قواعد الإسلام فى كل نواحيه سياسية أو اقتصادية أو تشريعية أو اجتماعية إلى آخره، ونعلم أيضاً أن من واجباتنا نحو هذا الدين أن نعمل على التمكين له في الأرض (حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله) وعلينا تبليغ هذا الدين للناس كافة. ولا يمكن أن يعيش المسلم إسلاماً صحيحاً كاملاً منعزلاً عن إخوانه المسلمين غير متأثر بما يحدث لهم ما يتعرضون له من ضربات وأحداث وفتن على يد أعداء الله فى أجزاء متفرقة من العالم الإسلامي (من لم يهتم بأمر المسلمين فليس منهم). وحول هذه المعاني يستمر الحوار مع المدعو حتى يتولد عنده الشعور بالمسؤولية العامة نحو الإسلام والمسلمين ويخرج من عزلته.

وبعد ذلك يوضح له ما تمليه هذه المرحلة التى تعيشها الدعوة الإسلامية على المسلمين من واجب العمل على إقامة الدولة الإسلامية وإعادة الخلافة الإسلامية بعد أن كاد لها أعداء الله وأسقطوها ووجوب توضيح ما يتعرض له العالم الإسلامى من تمزق وخلافات وضربات من أعداء الله وفتنة للمسلمين عن عقيدتهم وتخريب للمساجد، وهتك للأعراض ونهب للأموال واغتصاب لأرض المسلمين وتنشئة الأجيال على غير الإسلام كل ذلك بسبب عدم وجود دولة الإسلام التي تردع أعداء الله وتمنعهم من هذه الاعتداءات والتي تجمع المسلمين وتوحد كلمتهم وتقيم شرع الله فيهم. ويجب توضيح أن مسؤولية إقامة الدولة الإسلامية ليست قاصرة على الحكام أو العلماء ولكنها مسؤولية كل مسلم ومسلمة موجودين فى هذه الفترة من عمر الدعوة الإسلامية، وأن المسلمين جميعاً آثمون إن لم يعملوا على إقامة الدولة الاسلامية. وهكذا يستمر الحوار حول إيقاظ الشعور بهذه المسؤولية بصورة تدفعه إلى التفكير الجاد الى كيفية أدائها والقيام بمتطلباتها.

في الساحة جماعات متعددة ومتحركة وتدعو الشباب إلى الانتماء إليها وكلها تحمل لافتة الإسلام، ولكل جماعة شعاراتها ووسائلها التي تجذب بها الشباب

وهنا تأتي المرحلة السادسة: وهي توضيح أن هذا الواجب لا يمكن أن يتم فردياً، فكل فرد وحده لا يستطيع أن يقيم دولة الإسلام ويعيد الخلافة، ولكن لابد من الجماعة التي تجمع هذه الجهود الفردية لتستعين بها على تحقيق هذا الواجب الضخم. والقاعدة الشرعية المعروفة أنه ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب. فما دام واجب إقامة الدولة الإسلامية لا يتم إلا بالجماعة فقيام الجماعة واجب. ولا يتصور أحد أن يكون كامل الإسلام وهو يعيش وحده دون أن يعمل في جماعة لتنفيذ مبادئ الإسلام وواجباته ومن أهمها، في الظرف الحالي، السعي المتواصل لإقامة الدولة الإسلامية. وهذه الخطوة أساسية فكثير من المسلمين لا يرون ضرورة قيام الجماعة أو الارتباط بجماعة خشية الالتزام بتكاليف، أو إيثاراً للعافية ودفعاً للأذى الذي يمكن أن يتعرض له بسبب ارتباطه بجماعة. وبقدر توضيح عظم المسؤولية الملقاة على عاتقهم نحو الإسلام وأن القيام بهذه المسؤولية لا يتم إلا من خلال الجماعة، يكون الاقتناع بضرورة الجماعة مهما كلفهم ذلك، خاصة بعد توضيح الخير العظيم المترتب على ذلك.

وتأتي بعد ذلك المرحلة السابعة: وهي الإجابة عن السؤال الذي يفرض نفسه: مع أي جماعة يعمل؟ وهذه المرحلة مهمة ودقيقة، وتحتاج إلى حكمة وقوة إيضاح وإقناع، ففي الساحة جماعات متعددة ومتحركة وتدعو الشباب إلى الانتماء إليها وكلها تحمل لافتة الإسلام، ولكل جماعة شعاراتها ووسائلها التي تجذب بها الشباب. والمفروض أن يفهم كل شاب مسلم أن قضية العمل للإسلام قضية مصيرية أساسية، وعليه أن يحسن اختيار الطريق الذي يسير فيه ويطمئن إلى سلامته، وألا يندفع أو يتسرع في اختيار الجماعة التي يعمل معها لتحقيق مبادئ الإسلام، إذ ليس له غير عمر واحد ونفس واحدة فلا يخاطر بهما، ولكن يسترشد ويستوثق ويبذل الوقت والجهد في التبين والاطمئنان أفضل من أن يختار طريقاً غير سوي ويندفع فيه من غير تبين. ومما يجدر الإشارة إليه في هذا المجال أنه لتحقيق مطالب الإسلام وإقامة الدولة الإسلامية يلزم أن ننهج طريق رسول لله صلى الله عليه وسلم في إقامة الدولة الإسلامية الأولى، حيث أرسى العقيدة في نفوس المؤمنين ورباهم في دار الأرقم على مائدة القرآن وفي مدرسته عليه الصلاة والسلام، فتخرج من هذه المدرسة رجال عقيدة استحوذت عليهم العقيدة وملأت عليهم مشاعرهم ووجدانهم، وصارت هي كل شىء في حياتهم، يسخرون لها كل ما يملكون من وقت وجهد وصحة وفكر ومال ونفس، يثبتون عليها ويتحملون في سبيلها كل إيذاء وعنت ولا يتخلون عنها، ينشرونها ويدافعون عنها و يجاهدون في سبيلها بأموالهم وأنفسهم، فكان هؤلاء هم الدعائم القوية في أساس الدولة الإسلامية الأولى، ثم آخى بينهم رسول الله صلى الله عليه و سلم، ونظّمهم وأخذ عليهم العهود والمواثيق ليدافعوا عن هذا الدين بكل ما يملكون. فتحقق على أيديهم النصر والتمكين بفضل الله.

الأصل أن من يريد أن يعمل للإسلام أن يضم صوته وجهده للجماعة التي تمثلت فيها الصفات السابقة، ولا يجوز له أن يرفع راية جديدة ولا أن يسير وراء جماعة حديثة التجربة

وبهذا حقق رسول الله صلى الله عليه و سلم قوة العقيدة ثم قوة الوحدة ثم قوة الساعد والسلاح، إذ عندما تتكون القاعدة المؤمنة الصلبة المتماسكة تستطيع أن تواجه أعداء الله وترد الاعتداء عليها بالقوة (أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا وإن الله على نصرهم لقدير) أما قبل تكوين القاعدة، ولما كان المسلمون قلة، كان رسول الله صلى الله عليه و سلم يوصي المؤمنين بالصبر على الأذى والثبات على الحق الذي آمنوا به مع الاستمرار في تبليغ الدعوة إلى غيرهم، ولم يطلب منهم أن يواجهوا الباطل بالقوة. إذن فالجماعة التي تسير على نفس الطريق هي الجديرة بالعمل معها، أما أي جماعة لا تقدم جانب التربية والإعداد على الوحدة والترابط وعلى استعمال القوة فهي جماعة تقامر بعملها هذا وتضر بالعمل الإسلامي ... إذن لا بد من قاعدة صلبة ترتضي هذا الحكم الإسلامي وتحميه وتدافع عنه، ولا تسمح لغيره أن يستقر عليها. وهكذا فالبناء يبدأ من الأساس وليس من القمة، وكلما كان البناء ضخماً احتاج إلى أساس عريض وعميق والبناء المنشود هو دولة إسلامية عالمية، لأن دعوتنا عالمية وأعداؤنا عالميون كذلك.

من السيرة النبوية إلى إمام الجماعة

وبفضل الله نجد أن الإمام الشهيد حسن البنا قد اقتبس هذا الطريق من سيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأكد ضرورة إعداد الفرد المسلم رجل العقيدة والأسرة المسلمة والمجتمع المسلم كقاعدة صلبة تقوم عليها الحكومة فالدولة الإسلامية والخلافة الإسلامية بإذن الله تعالى ... كما أن الجماعة التي يرجى منها تحقيق الواجب والجديرة بالعمل معها يلزم أن يكون لها الامتداد الأفقي في العالم لتهيئ الأسباب لتكوين القاعدة العريضة للدولة الإسلامية العالمية لا مجرد حكم محلي في بلد ما. وكلما كانت الجماعة صاحبة تجربة وخبرة كان ذلك أدعى إلى الثقة في تحقيق الأهداف وسرعة الإنتاج وحسن استغلال الوقت والجهد وتكون في فهمها وحركتها بعيدة عن التفريط والإفراط، بعيدة عن الانحراف والاجتزاء، مطابقة لهدي رسول الله صلى الله عليه و سلم، وما كان عليه السلف الصالح.

باعتبار أن جماعة الإخوان المسلمين مثل معظم  التنظيمات السرية تتكون من سطح وأعماق، فهل تم تأسيس قاعدة التنظيم وتكوينها وتشكيلها على أساس فكرة "الصراع مع الآخر"

كما يلزم أن تكون الجماعة منظمة مترابطة تسير بخطة، لا أن تكون مفككة أو تتحرك ارتجالياً دون خطة ولا تنظيم. كما يجب توضيح خطأ وخطر الفرقة وتوزيع الجهود فى تجمعات صغيرة، فالأصل أن من يريد أن يعمل للإسلام أن يضم صوته وجهده للجماعة التي تمثلت فيها الصفات السابقة، ولا يجوز له أن يرفع راية جديدة ولا أن يسير وراء جماعة حديثة التجربة، وذلك حتى لا يساعد على تشتيت الجهود. ولا يجوز له مفاصلة هذه الجماعة الكبيرة ذات التجربة إلا إذا وجدها في مجموعها على فسق أو ضلال. وهكذا بهذا التوضيح المفصل في هذه المرحلة يظهر لكل صادق مخلص أن الصفات اللازمة في الجماعة التي يختارها متوفرة فى جماعة الإخوان المسلمين بفضل الله تعالى وتوفيقه". (من فقه الدعوة، مصطفى مشهور، جـ2، صـ 325، ط دار التوزيع والنشر الإسلامية، 1995م)

****

يطرح هذا النص عدداً من التساؤلات المهمة نذكر منها ما يلي :

هل هذه الازدواجية هي سبب ارتباك الإخوان واضطرابهم في تصريحاتهم ومحاوراتهم مع غير الإخوان سواء كانوا أشخاصاً أم حكومات وأنظمة؟

ما حجم المساحة التي تحتلها "المصداقية" في حياة الإخوان ومعاملاتهم مع غيرهم في ضوء حديث المرشد عن "إيجاد" طريقة للتعارف مع الشخص المستهدف، و"إشعاره"  بالاهتمام والعاطفة، والحديث معه عن أشياء مخطط لها سلفاً بشكل طبيعي وكأنه دون قصد حال التواصل مع الآخرين؟ وإن وجدت المصداقية فهل هي مصداقية مع الناس أم هي مصداقية مع "الفكرة" و"العقيدة" ؟

وباعتبار أن جماعة الإخوان المسلمين مثل معظم - إن لم يكن كل -  التنظيمات السرية الأيديولوجية تتكون من قمة وقاعدة أو سطح وأعماق، فهل تم تأسيس قاعدة التنظيم وتكوينها وتشكيلها على أساس فكرة "الصراع مع الآخر"، لأن الآخر دوماً يكيد للإسلام الذي يتعرض لهجمات شرسة من أعداء الله بقصد سلب جوهر الدعوة الإسلامية من نفوس المسلمين! الذين لا يمكن تركهم يعيشون بسلام وسط هذا الخليط من الرايات والتيارات والتجهيل والتشكيك والتغريب والانحراف! بل لا بد من أن نقلهم شعورياً ونفسياً وفكرياً من الواقع الذى يعيشونه وما فيه من قصور إلى واقع آخر يسود فيه الإسلام النقي الذي جاء به الرسول! ولماذا يعتبر الإخوان أنفسهم المسلمين "المستيقظين" وسط المسلمين "المستغرقين في النوم" دون سواهم ؟

هل هذا معناه أن الإخواني يتخفى وراء قناع ما مثل قناع الداعية أو الصديق أو الزميل أو التاجر و السياسي أو المهني ... إلخ، عندما يمارس الاستيعاب الخارجي، أي اجتذاب الأفراد العاديين لصفوف "الدعوة" ممثلة في جماعة الإخوان المسلمين، فإذا اطمأن لولاء "المدعو" إلى الإسلام وأنه قد تولد عنده الشعور بالمسؤولية العامة نحو الإسلام والمسلمين أسفر الإخواني عن وجه "القائد" أو "الجندي" – بحسب موقعه – لاستيعاب "المدعو" داخلياً، أي تجنيده وتحويله لجندي عقيدة وفكرة يحيا بها ويموت في سبيلها؟

فهم وحدهم الذين يتذوقونه ويفهمون لغته وتعنيهم مفاهيمه وأفكاره، وليس أحدا سواهم،

هل هذه الازدواجية هي سبب ارتباك الإخوان واضطرابهم في تصريحاتهم ومحاوراتهم مع غير الإخوان سواء كانوا أشخاصاً أم حكومات وأنظمة؟ فمن الملاحظ أن الإخواني - لأنه لا يعبر عما يعتقده بالفعل فيما يعرض له من قضايا ويخشى توريط الجماعة أو الدين في مأزق ولا يريد أن يخسر جمهوره الذي يمثل له مجالاً للعمل الدعوي-  يغلب عليه الحرص على عدم الحسم والجزم فيما يتعلق بتفصيلات الشأن الإخواني أوالشأن العام، ما يؤدي إلى تعدد الخطابات والتصريحات والرؤى التي تتجاور فيها أفكار متناقضة، ففي السياسة مثلاً يتحدث الإخوان عن دولة عصرية وخلافة إسلامية عالمية على منهاج النبوة، وعن أهل الذمة والمواطنة، وعن دولة الحرية والقانون والعدالة والتعددية ودولة الدين والشريعة والالتزام بضوابط الشرع. والمطالبة بتطبيق الشريعة والمطالبة في الوقت نفسه بالديمقراطية والحريات المدنية.

أسئلة بالجملة..

ولماذا يختفي هذا الارتباك عندما يكون الحوار بين الإخوان بعضهم بعضاً بحيث لا يجد الإخوان مشكلة في التفاهم بلغتهم "الحركية" بينما تبرز المشكلة مع الآخرين "العاديين" ؟ وإلا فكيف نفسر تملص المرشد الخامس للإخوان مصطفى مشهور من الأسئلة والإشكالات التي طرحها الأستاذ محيي الدين عطية – وهو إخواني قديم انشق على التنظيم في السبعينات - على كتابه "بين القيادة والجندية" في العدد رقم (59) من نفس مجلة المسلم المعاصر مدعياً في العدد رقم (60) من المجلة نفسها أن كتابه ليس موجهاً لعموم الناس، وإنما للإخوان فقط، فهم وحدهم الذين يتذوقونه ويفهمون لغته وتعنيهم مفاهيمه وأفكاره، وليس أحدا سواهم، فهو إنما يكتب للإخوان وبلغة الإخوان وبروح الإخوان. هل يعني هذا أن للإخوان لغتين ووجهين وعالمين مختلفين؟

خلال هذه التجارب الطويلة لاحظت أخطاء كثيرة وعيوباً لابد من نقدها، وأبدأ في الاعتراف بما وقعت فيه من خطأ أو تقصير كانت له نتائجه

وما سر استدعاء الإخوان الدائم والمتكرر لأحداث "السيرة النبوية" أكثر من النصوص الدينية والتراثية ؟ ألا يعزز هذا ما يــردده سيد قطب بأن تـاريخ وتجربة "الجماعة المسلمة الأولى" (أي الرسول وأصحابه في مواجهة الجاهلية الأولى) يعيد نفسه في القرن العشرين مع "الجماعة المسلمة الثانية" أي حسن البنا والإخوان ومن سار على دربهم؟  وألا يعزز هذا ما قاله حسن البنا نفسه في رسالة (الإخوان تحت راية القرآن): "نحن أيها الناس ـ ولا فخر ـ أصحاب رسول الله، وحملة رايته من بعده، ورافعو لوائه كما رفعوه، وناشرو لوائه كما نشروه، وحافظو قرآنه كما حفظوه، والمبشرون بدعوته كما بشروا، ورحمة الله للعالمين" وهو كفيل بتجلية عقيدة إخوانية متنحية حالياً عن الظهور وهي: نحن الإسلام والإسلام نحن!. مما  ثـبـت عقيدة راسخة باطنية غير طافية على السطح في نفوس الإخوان وهي أن مصلحة التنظيم هي نفسها مصلحة الإسلام.

ألا يعني ذلك أن الإخوان لا يعتقدون حقيقة في صحة إسلام غير الإخوان، أو اعتبار إسلامهم ناقصاً في أحسن الأحوال ؟ وإلا فكيف نفهم ما يكتبه الإخوان خاصة والإسلاميون عامة لعموم المسلمين عن الشروط التي يجب توفرها في كل من انتمى للإسلام .. وتأكيدهم أن كثيراً من الناس مسلمون بالهوية (بطاقة إثبات الشخصية) .. أي مسلمون لأنهم ولدوا من أبوين مسلمين .. وأن عموم المسلمين لا يدركون  في الحقيقة معنى انتمائهم للإسلام، ولا يعرفون مستلزمات هذا الانتماء .. ولذلك فهم في وادٍ والإسلام في وادٍ آخر !  وأن ثمة مواصفات غير متوفرة لدى عموم المسلمين ينبغي توافرها فيهم ليكون انتماؤهم للإسلام انتماء صحيححاً وحقيقياً، أي ليكونوا مسلمين حقًّاً.. وأن أساس الانتماء لجماعة الإخوان المسلمين أن تحقق في المنتمي صفات ومواصفات انتمائه للإسلام، وهذا ما يجعل الجماعة معنيّة بتهيئة الفرد ليكون مسلماً حقاً قبل تهيئته ليكون عضواً فيها .. وأن الانتماء للجماعة إنما هو جزء لا يتجزأ من صدق الانتماء للدين؟ ألم يؤثر ذلك على علاقة الإخوان بغيرهم بحيث انعدمت ثقتهم تقريباً في أي شخصية أو هيئة أو جهة لا تعتقد بما يعتقده الإخوان، ولا تؤمن بما يؤمنون به ؟

أليس هذا ما نفهمه من كلام أحد "حكماء الإخوان" وهو الدكتور توفيق الشاوي الذي يلمّح إلى موقف الإخوان المبدئي من غير الإسلاميين.

يحرص الإخوان على ألا يمثلهم في المواقع الخطرة أو القيادية إلا واحد من الإخوان وعدم الثقة في أي شخصية غير إخوانية

يقول الشاوي في مذكراته: (ص5-6): "خلال هذه التجارب الطويلة لاحظت أخطاء كثيرة وعيوباً لابد من نقدها، وأبدأ في الاعتراف بما وقعت فيه من خطأ أو تقصير كانت له نتائجه… فأعتذر لكثير من إخواني الذي طالما عابوا عليّ التعاون مع من كانوا يعتبرونهم غير جديرين بالثقة التي أوليتها لهم، وأن ولاءهم للإسلام مشكوك فيه، وكانوا يحذرونني من هذه الثقة فيمن يرفعون شعارات غير إسلامية، وكنت أقنع نفسي أن الوطنية تكفي لكي تجمعني بهم في ساحة الكفاح الوطني، لكنهم كانوا يردون بأن وطنيتهم ليست كما كانت شعوبنا تعتبرها مجرد مرحلة من مراحل كفاحها في سبيل التحرر الكامل، و"الوحدة الشاملة" و"الأصالة الإسلامية" التي نعتز بها، وأن كثيرين منهم إنما يعتبر شعارات الوطنية والقومية والاشتراكية والديمقراطية مجرد بديل عن الانتماء الإسلامي أو مبرراً للتنصل من التزامات العقيدة والأصالة الإسلامية، وأنها تمكنهم من معاداة ذلك كله عند الاقتضاء بحجة أن هذا الاتجاه قد فات أوانه، أو أنه لم يعد يصلح لهذا الزمان، أو أنه يغضب القوى الأجنبية المسيطرة التي نستجدي منها القروض والمساعدات. الآن اكتشفت أن هذا النقد الذي وجه إليّ كان صحيحاً، وأن كثيراً من الوطنيين الذين وثقت فيهم أو عاونتهم وتعاونت معهم من أجل الاستقلال لم يكونوا جديرين بهذه الثقة؛ لأنهم قبلوا السير في طريق العداء للفكر الإسلامي والوحدة الشاملة لجميع شعوبنا وتحررها الكامل، ولكنني بكل أسف لم أعرف ذلك إلا تدريجياً بعدما كشفت عنه كثير من المواقف والحوادث بعد الاستقلال، وخاصة لدى كثير ممن استولوا على السلطة، وسعوا لاحتكارها بعد كل ما قمنا به من أجل التعاون الشامل وما قدمه المجاهدون الإسلاميون من تضحيات، كما نرى في كثير من بلادنا حيث تبنى كثير من الحكام الوطنيين سياسة خصومة وعداء للإسلام وفكره وتاريخه ومن يعملون له، مما يثير الفتن التي نشكو منها في كثير من بلادنا. لقد بدأت أسترجع الأحداث التي عاصرتها، أو شاركت فيها مع من وثقت في وطنيتهم من أصدقائي، لأكشف الدلائل التي بينت لي أن من وصل إلى الحكم منهم قد انحاز إلى صفوف أعداء الفكر والتيار الإسلامي الأصيل، بل إنهم اختاروا هذا الأسلوب ومارسوه فعلاً دون أن ألحظه إلا بعد فوات الأوان".

عدم الثقة في أي شخصية غير إخوانية

كيف نفسر وجود فعاليات وبرامج عديدة يتم تربية قواعد الإخوان عليها تندرج تحت ما يطلق عليه الإخوان "التربية الجهادية"؟

ألا يفسر هذا الكلام حرص الإخوان الدائم على ألا يمثلهم في المواقع الخطرة أو القيادية إلا واحد من الإخوان وعدم الثقة في أي شخصية غير إخوانية، مهما كانت ناجحة وذات كفاءة في موقع ما، بل والتآمر عليها لإحلال شخصية أقل كفاءة منها في الموقع ذاته لأنها من الإخوان أو مقربة من الإخوان، كما اتضح من تجربتهم في العمل النقابي قبل توليهم السلطة وكما ظهر أثناء تجربتهم القصيرة في السلطة عندما أسندوا مهام ومسؤوليات لمن ضجت جموع الشعب من ضعف إمكاناتهم وإفلاسهم على جميع المستويات؟

أليس ما قاله "إخوان" توفيق الشاوي له هو صياغة مخففة لما يعتقده الإخوان صراحة في كل المشتغلين بالعمل السياسي والفكري على أرضية غير الأرضية الدينية؟ ألا يعتقد الإخوان أن العلمانية والإيمان نقيضان لا يجتمعانن وأن لا سيادة لأحدهما في وجــــود الآخر؟ وبالتالي فإن كل دعاة العلمانية والوطنية وغيرهم مشكوك بل مطعون في إيمانهم بالله وارتباطهم بالإسلام، لأنهم يحاربون الدين من حيث يشعرون أو لايشعرون؟!  وهل يعتبر هذا تكفيراً خفياً لغير أبناء وأنصار الحركة الإسلامية؟ وهل يعد هذا التكفير الخفي الذي استبطنه الإخوان منذ ظهورهم على يد حسن البنا هو الأرضية التي مهدت لظهور التكفير الصريح على يد سيد قطب وانتشر بين مجموعات كثيرة من الإخوان الذين رد عليهم حسن الهضيبي في "دعاة لا قضاة" مؤثراً السير على طريقة حسن البنا في المداراة والتخفي والذين استقلوا بعد ذلك عن التنظيم الأم مكونين جماعات وتنظيمات وأجنحة أخرى؟

وهل هذا هو السر في أن الإخوان قديماً كانوا يصفون خصومهم على أنهم "عملاء" و"أذناب" و"أتباع" الاستعمار حرصاً منهم على إبقاء الصراع على أرضية السياسة متجنبين الوصف بالكفر ونقل الصراع إلى أرضية الدين؟ وهل كان ظهور سيد قطب وتنظيره المعمق للأفكار الدينية والتنظيمية الإخوانية هو بمثابة "فضح" لما ستره الإخوان طويلاً وراوغوا في الاعتراف به، بل وتنكروا له في كثير من الأحيان؟ وهل كان ظهور سيد قطب وإفشاؤه لما كان خافياً في أعماق الإخوان عموماً، وفي وعي إخوان النظام الخاص خصوصاً بمثابة نقطة تحول كبرى في طريقة تربية الإخوان، بحيث تحولت الجماعة كـلها على يد سيد قطب إلـى "نظام خاص" ؟ وإلا فكيف نفسر الحضور الدائم لكتب سيد قطب في أسر الإخوان التربوية في جميع المستويات؟ ولماذا يحرص الإخوان على وضع رسالة التعاليم وما تتضمنه "أركان البيعة" ومواصفات "الأخ العامل" ضمن مناهج التربية لعموم القواعد الإخوانية، رغم أنها كانت لا تدرس إلا لإخوان "النظام الخاص" فقط ؟ وكيف نفسر وجود فعاليات وبرامج عديدة يتم تربية قواعد الإخوان عليها تندرج تحت ما يطلق عليه الإخوان "التربية الجهادية" ؟ وذلك مثل التنبيه الدائم من القيادة على الإخوان على استحضار نية الاستعداد للجهاد قبل التدريبات الرياضية والأنشطة التي تتطلب مجهوداً بدنياً، وقبل القيام بسلوكيات أقل ما توصف به أنها سلوكيات جنود يستعدون لحرب محتملة أو متوقعة مثل تكليف الإخوان لقواعدهم بالقيام برحلات "جهادية" يسير فيها الإخوان مسافات طويلة جداً ويطالبونهم بالسير مغمضي العينين لمسافات طويلة والأكل من أوراق الشجر الجاف، والتقشف الغذائي المبالغ فيه في الكتائب والمعسكرات الإخوانية.

ألا يكفي كل ذلك للتدليل على أن "الإخواني" أو "الإسلامي" يعيش أزمة حقيقة؟ أزمة مع نفسه ومع أسرته ومع مجتمعه ومع العالم بأسره. أزمة أنتجتها تربية "متخصصة" في إنتاج مأزومين ومأزومات؟  

أهمية التنظيم في حياة الفكرة الإخوانية

وأخيراً، أسجل الموقف الآتي والذي عايشته بنفسي لنرى كيف يتم النظر إلى أهمية حضور التنظيم في حياة الفكرة الإخوانية:

"الإخواني" يعيش أزمة حقيقة، أزمة مع نفسه ومع أسرته ومع مجتمعه ومع العالم بأسره. أزمة أنتجتها تربية "متخصصة" في إنتاج مأزومين ومأزومات

في أواخر التسعينات .. كنت في معسكر مغلق من معسكرات الإخوان ... أكثر من عشرين "أخاً" مجتمعين في شقة لا تتجاوز 70 متراً مربعاً للتعايش معاً وللاشتراك في مجموعة من البرامج "التربوية" عبارة عن مجموعة من الحوارات والمحاضرات والمدارسات والصلوات والأوراد والأذكار والتلاوات والمسامرات الجماعية المكثفة، لمدة ثلاثة أيام متتالية يتم التركيز فيها على مفهوم، أو عدة مفاهيم، يربطها رباط واحد يخرج "الأخ" بعدها أكثر فهماً وولاء لدعوته و"إخوانه" ... وأثناء الحوارات طرح المسؤول عن المعسكر السؤال التالي: هل عند قيام الدولة الإسلامية يبقى لـ"الإخوان" (أي التنظيم) معنى أو دور أو فائدة أو أهمية؟ هل ترون أن نبقي على جماعتنا وتنظيمنا وأنشطتنا رغم أن الإسلام قائم والشريعة مطبقة وكل أهداف الجماعة تم تحقيقها؟ أم ترون أنه ما دام الهدف من وجود جماعة الإخوان قد تحقق فلا داعي للتنظيم، ولا مانع من حله و"تسريح" الإخوان؟ كان السؤال شائكاً ومفاجئاً ومحرجاً.. وهي عادة الإخوان غالباً في المعسكرات بالذات ... لأنها لا تتكرر إلا كل عدة أشهر وأحياناً كل سنة حسب الظروف والأحوال "الأمنية" والاستعدادات التنظيمية .. المعسكر معناه أن يخرج الأخ أكثر ولاء وأكثر فهماً... لا بد أن تكون الجرعة دسمة ومميزة بخلاف الأسر والكتائب واللقاءات التي لا تستمر سوى عدة ساعات لا تكفي سوى للجرعات السريعة الخفيفة التي تضمن نمواً بطيئاً ولكنه ثابت ومستمر .. أما المعسكرات فإنها تعزل الأخ مدة طويلة – نسبياً - عزلة تامة .. يختبر فيها صبره .. وتمتحن فيها قوة تحمله وطاعته .. وتظهر فيها شخصيته أكثر وضوحاً.. وبعدها في بعض الأحوال يتم "تصعيد" بعض الإخوة تربوياً بحسب تقييم تجاوبهم مع ما يعرض عليهم فيه.. طلب المسؤول من كل "أخ" أن يجيب عن السؤال.. وسار الدور.. قال الأول: يجب أن تستمر الجماعة ويستمر التنظيم... لأننا في الأصل ننفذ واجباً شرعياً لا يرتبط بقيام الدولة الإسلامية من عدمها... وعلى عهد الرسول نفسه كان الصحابة "جماعة" واحدة .. ثم إن الجماعة هي الضمان الأول لاستمرار الدولة الإسلامية وقوتها وسيرها على الطريق الصواب.. لنفترض أن الجماعة تمّ حلها عقب قيام الدولة الإسلامية وانفرط عقدها ثم انحرفت الدولة عن الإسلام أو قصرت في تطبيقه.. هل نعود لنقطة الصفر مرة أخرى..لا.. الأفضل أن يظل كل شيء كما هو مهما تغيرت الأحوال.. ثم كيف نحرم أنفسنا من نعمة الأخوة كما ذقناها مع الإخوان .. نحن الآن نلتقي كل يوم أو كل أسبوع.. ندرس الدين معاً.. نصلي معاً.. نتعايش معاً.. نقوم بأشياء كثيرة معاً.. فهل نحرم أنفسنا من هذه النعمة لمجرد أن الدولة الإسلامية قد قامت؟! .. انتهى الأخ من كلامه، وكان جوابه نموذجياً بحيث أحرج كل من سيجيب بعده.. ونظر له الأخ المسؤول نظرة ملؤها الرضا والسرور.. ثم طلب المسؤول من "الأخ" التالي جوابه.. فقال الكلام نفسه تقريباً بشكل أكثر إيجازاً.. وهكذا دارت الإجابة على ألستنا حتى جاء الدور على "أخ" اسمه ياسر، كان طالباً بكلية الطب، متفوقاً في دراسته، خفيف الظل، يهوى النكتة وتقليد الشخصيات، وتوفي بعد هذا المعسكر بعدة سنوات في حادث. أجاب الأخ ياسر الإجابة العكسية. قال: ما الداعي للجماعة والتنظيم والأسر والكتائب والمعسكرات واللقاءات والاشتراك الشهري ووو...إلخ طالما أن الإسلام أصبح واقعاً حياً نعيشه ويعيشه كل من حولنا؟! نظر إليه المسؤول وابتسم وهو يهز رأسه علامة التفهم لما قال، ثم سار الدور حتى انتهى إلى الأخير، وكلنا رددنا جواب "الأخ" الأول ما عدا "الأخ" ياسر .. كان كلام ياسر رغم أنه شذ عنا جميعاً يقتحم شيئاً في نفسي، كنت أنا نفسي أخشى اقتحامه.. لا أدري ما هو.. ولكني شعرت بفرحة حقيقية، لا لأنني متفق مع رأيه، ولكن لأنه امتلك الجرأة والشجاعة لمخالفة "الإخوة" والانفراد برأي خاص يعرضه ويدافع عنه. بعد انتهاء الجميع من إبداء رأيهم، عرض الأخ المسؤول رأيه وهو بالطبع الرأي الأول الذي يرى ضرورة المحافظة على التنظيم السري للجماعة وأنشطتها حتى في ظل الدولة الإسلامية. وظل يتحاور ويتناقش مع "الأخ" ياسر لإقناعه بالعدول عن رأيه، ولكن ياسراً لم يقتنع. أغلق الحوار حول الموضوع بوصول الأستاذ المحاضر الخارجي (أي من خارج المعسكر) وهو الأستاذ محمد صقر، وكنت أراه للمرة الأولى، وهو من إخوان الستينات الذين تعرضوا لمحنة الإخوان الثانية في السجون (1965 – 1970).

بدأ كلامه بأن حمد الله على نعمة الإسلام ونعمة الإخوان، وأقسم بالله أن طريق الإخوان هو الطريق الصحيح للعمل للإسلام، وأن فهم الإخوان هو الفهم الصحيح للإسلام، وأنه لن يحلف كذباً وهو في سن الشيخوخة، ولم يعد بينه وبين القبر إلا خطوات، وأنه قد تبين له صحة طريق الإخوان بعد تجربة طويلة ودراسة عميقة ومواقف كثيرة... إلخ .. وكنا طبعا نتأثر جداً بهذا الكلام خاصة عندما يصدر من رجل في سنه ومقامه وعلمه (بحسب المعايير الدينية والإخوانية) وحكى لنا من طرائف محنة اعتقاله ما أضحكنا وأبكانا .. ولما انتهى المحاضر من محاضرته، توجه إليه الأخ مسؤول المعسكر بالسؤال الذي كان سأله لنا المتعلق بوضع جماعة الإخوان ومصيرهم حال قيام الدولة الإسلامية، فأجاب الأستاذ محمد صقر الإجابة النموذجية ذاتها التي أقرها جميع "الإخوة"، ما عدا ياسر، ولكن بصياغة متينة مؤثرة وأدلة محكمة قاطعة لا تدع مجالاً لمخالفتها. وفور انتهاء المحاضر من جوابه نظر المسؤول إلى ياسر نظرة ذات مغزى، وقال له: أرأيت يا أخ ياسر؟ هذا هو ما نسميه في دعوتنا "الفهم" (الركن الأول في أركان البيعة عند الإخوان المسلمين، ويمكن معرفتها جميعاً من رسالة التعاليم لحسن البنا وشروح الإخوان وحواشيهم عليها) .. وهنا أسقط في يد ياسر، ولم يجد بداً من الإذعان والتسليم بعد أن "أفحمه" المسؤول برأي الأستاذ المحاضر الحجة في ذاته، نظراً لمكانته عند الإخوان وقدرته على عرض رأيه بالأدلة والحجج الشرعية والواقعية. وخرجنا من المعسكر ونحن نحمد الله على أنه وفقنا، مسبقاً، إلى الإجابة التي قالها الأستاذ العلامة محمد صقر، ونجانا من الموقف المحرج الذي تعرض له الأخ ياسر!!

التعليقات السابقة

شكرًا على الوثيقة

حسن عبده
08 يونيو 2014‎

هذه المادة أفضل مائة مرة من المقالات والتحليلات لانها وثيقة من الداخل، شكرًا لكم

مادة رديئة

حكيم الاسمر
11 يوليو 2014‎

مادة لا تعوزها لا الرداءة ولا السذاجة

تعليق صاحب الشهادة

حمادة يوسف
28 سبتمبر 2014‎

المادة المنشورة على موقع ذوات بعنوان "فن تأزيم المسلم: شهادة إخواني من داخل الجماعة" لم أعلم أنها نشرت إلا أمس فقط (27/9/2014)وهي مادة قديمة أشبه بمسودة كنت عرضتها على مسئول "الملف" منذ سنة أو أكثر وكان من الأفضل إعلامي من قبل الموقع قبل نشرها لتطويرها وتعديلها في ضوء مستجدات المشهد . ولكني لا أتنصل من أي كلمة في المقال وإن كانت المعالجة المنشورة في نظري حاليا دون المستوى .

أضف تعليقاًً

الاسم
البريد الإلكتروني
* اختياري
عنوان التعليق
التعليق