"الطريق إلى كابول" أو عندما تقارب السينما الكوميدية التطرف
02 سبتمبر (أيلول) 2014 03:00 | 0 تعليق
لقطة من فيلم الطريق إلى كابول - (أرشيفية)
مازال فيلم الدراما الكوميدية المغربي "الطريق إلى كابول" للمخرج إبراهيم الشكيري، ومنذ خروجه للقاعات السينمائية في أبريل (نيسان) من عام 2012، يحصد مشاهدات وإيرادات كبيرة في القاعات السينمائية، ربما لكون مادته السينمائية جاءت بخلاف ما تعود عليه المشاهد المغربي في الجمع بين الدراما الواقعية وإلباسها طابعاً تشويقياً بأسلوب كوميدي خفيف.
يحاول فيلم "الطريق إلى كابول" لمخرجه المغربي إبراهيم الشكيري، طرح قضية الإرهاب بمنظوره الخاص، حين يربط قضية البؤس الاجتماعي والانحراف الأخلاقي في أحد أحياء العاصمة الاقتصادية المغربية الدار البيضاء، لأربعة شبان في مقتبل العمر، يراودهم حلم الهجرة نحو أوروبا من أجل الخروج من أزمتهم الحياتية، حيث سيتعرفون على وسيط في الهجرة السرية يحترف النصب والاحتيال، سيقنعهم بتهجيرهم إلى هولندا عن طريق خوض مغامرة السفر شرقاً عبر سوريا وتركيا ثم أفغانستان فهولندا، ولأن مبلغ عملية التهجير مرتفع فإن الشباب سيتمكنون فقط من جمع مبلغ يكفي لفرد واحد منهم قبل أن يستقر رأيهم على إرسال صديقهم "احميدة" بدلهم على أساس أن يتكفل هو باستقدامهم لهولندا بمجرد تمكنه من الاستقرار هناك.
ولكن الأمور تسير على غير المسطر له عندما سيشاهد الشباب في إحدى النشرات الإخبارية صديقهم المهاجر "احميدة" وهو يطلب النجدة بعدما علق في أفغانستان بين يدي المقاتلين هناك، ليقرروا رفقة والدة "احميدة" خوض مغامرة البحث عنه في الأراضي الأفغانية، بعدما تمكنوا من العثور على وسيط الهجرة السرية المدعو "أُوشَّنْ" (وهي تعني الذئب بالأمازيغية)، في رحلة مليئة بالمواقف الخطيرة التي صاغها المخرج في قالب فكاهي كوميدي.
وفي هذا الفيلم يحاول المخرج المغربي الشكيري، عبر معالجته لظاهرة الهجرة السرية وتأثيرها على فكر الشباب الحالم بمستقبل مزهر في الضفة الأخرى، تسليط الضوء على هذه الظاهرة التي استشرت بشكل كبير في الأوساط الشبابية خلال سنوات خلت بالمغرب، من خلال تركيزه على ربط ظاهرة الهجرة السرية بالتورط في قضية الإرهاب بقصد أو بغير قصد دونما ترقب للعواقب، بقالب كوميدي يحيل أحياناً على سذاجة فكر الجهاديين الذين اختار بعضهم سلك دروب أفغانستان من أجل "الفوز بالآخرة"، وهو ما سيخبر به المتسول المعاق "البشير" الذي سيلتقيه الشباب الباحثون عن صديقهم، في إحدى أسواق كابول عندما سيقول لهم بالحرف، "جئت إلى هنا عل أبواب الجنة تفتح لي، لكن رجلاي فقط هما من ذهبا للجنة وبقيت أنا في الجحيم، بعدما تسبب تفجير في بتر رجلاي !!".
تستمر معاناة بحث الشباب عن طرق توصلهم إلى صديقهم المفقود في غياهب الجبال الأفغانية، والتي اختار لها المخرج مناطق في جنوب المغربلتصويرها، عندما سيرشدهم "البشير" إلى مقرات جماعات الاتجار بالأسلحة من أجل جمع المعلومات، وهي العصابات التي تتخذ "الدين مطية" لبيع الأسلحة وترويجه بأثمنة بخسة قد لا يتجاوز بعضها 50 أو 100 دولار على الأكثر، كما أنها تعيش ظروفا عدائية مع باقي الجماعات التي قد تنافسها في فرض سيطرتها العسكرية على بعض المناطق.
وهنا يحاول المخرج أيضاً نقل صورة سائدة عن مدى التعايش الديني عند المغاربة عموماً، من خلال مشهد إنقاذ جندي أمريكي عالق لدى الجماعات المسلحة تلك، في اللحظة التي كان وطيس معركة بالسلاح الناري قد حمى، أو بالأحرى محاولة تصفية الجماعة للشبان القادمين فقط للسؤال عن زميلهم الضائع.
تستمر معاناة الشباب الثلاثة رفقة والدة صديقهم، للبحث عن "احميدة" في ظروف صعبة ومغامرات لم تكن تفصلهم عن الموت فيها سوى لحظات قبل أن ينجو بصعوبة بالغة من بطش تعذيب القوات الأمريكية، الذين اعتبروهم إرهابيين منتمين لقوات طالبان قبل أن يتمكنوا من الإفلات من القيد ليسقطوا مرة أخرى بين يدي قوات طالبان، التي اعتبرتهم بدورها جواسيس لأمريكا، بالتالي فهم "كفرة" و"خونة".
وهنا يصور المخرج طريقة المحاكمات هناك لكل مخالف، عن طريق "محام يدافع عن المتهمين من أجل قتلهم !"، استناداً لقانون الجماعة الذي يتضمن ثلاثة بنود لا أكثر، تستهل بديباجة مكتوب فيها الآية القرآنية "كل نفس ذائقة الموت"، وهو ما يحاول المخرج فيه إبراز بعض القراءات المغلوطة للجهاديين من خلال اقتباس بعض من الكلام المقدس لاستعماله في ما يجاري هواهم في قتل المخالفين ربما، وتتبع بالبند الأول الذي يقول بأن كل مخالفة كانت صغيرة أو كبيرة تخل بالنظام العام جزاؤها الموت شنقاً حتى الموت، أو رمياً بالرصاص حسب اختيار المُدان، وثاني البنود الذي يؤكد على انعدام ظروف التخفيف، وثالثها الذي يطلب من المقتولين الصفح عن القاتلين إن كان قتلهم جاء خطأً !.
وتستمر أحداث الفيلم لتأخذ في الأخير منحى مغايراً عندما سيحصل الشباب على قرار عفو من زعيم الجهاديين الكبير المدعو في الفيلم "بالشيخ الملا"، الذي سيظهر فيما بعد بأنه ممثل مغربي يحترف التمثيل في الإنتاجات السينمائية الأمريكية الهوليودية، والذي سيوضح لهم ببساطة بعد لقائهم، أن كل ما يجري من أحداث دامية وصراع بين أمريكا والجهاديين، ما هو إلا تجسيد جيد من طرف ممثلين لسيناريوهات أمريكية من أجل التمويه وخدمة المصالح الكبرى.
ينتهي الفيلم بفرحة الشباب بعثورهم على صديقهم "احميدة" الذي تحول إلى "شيخ" خبير في المنتوجات الحشيشية، مستتراً في مهنته بدروس الوعظ والإرشاد التي يقدمها لساكنة منطقته، في رسالة ربما أراد منها المخرج، إيصال رسالة مفادها أن الإرهاب والفساد وجهان لعملة واحدة هي صراع القوى الكبرى واستغلال الأفراد السذج، لأغراض ظاهرها الإصلاح وباطنها المصالح.
ورغم أن فيلم "الطريق إلى كابول" تعرض للكثير من الانتقادات الواسعة منذ خروجه للقاعات السينمائية، بسبب حشره في خندق الإنتاجات السينمائية المغربية التي تبتغي النيل من شخصية الإسلاميين بأسلوب تنقيصي فارغ تماماً من أي إبداع فني يرمي لتحليل شخصية الجهادي أو الإسلامي، كمجموعة من الأفلام نذكر منها مثلاً فيلم "زمن الإرهاب" للمخرج عزيز سعد الله، و"موت للبيع" لفوزي بنسعيدي، و"المغضوب عليهم" لمحسن البصري، وكذلك فيلم "المغضوب عليهم" للمخرج نبيل عيوش، إلا أن كثيرين من النقاد الآخرين اعتبروا أن التجربة السينمائية التي قدمها المخرج الشكيري من خلال فيلمه "الطريق إلى كابول" تختلف تماماً عن باقي الانتاجات السينمائية، حيث أن فيلم الشكيري يقوم بمحاولة إبداعية تحاول تحوير قصص الجهاديين النمطية لطرحها للمشاهد دون تحيز لأي جانب، بأسلوب يكشف بعض من حقيقة استغلال الدين والإسلام البعيد كل البعد في مبادئه عن مطامع المتلاعبين به، وكل هذا بأسلوب كوميدي خفيف، يجعل المتلقي مبتسماً وهو يراجع بعض من أفكاره عن الإرهاب والإرهابيين، وربما لهذا المعطى شيء من القبول لدى كثيرين بسبب النجاح الذي لاقاه ولا يزال فيلم "الطريق إلى كابول"، الذي سيحول مستقبلاً إلى سلسلة تلفزيونية من خمس حلقات كما كان قد صرح بذلك مخرجه ابراهيم الشكيري، في المقابل نرى كيف كان مصير العديد من الإنتاجات السينمائية التي لم يعد يذكر لها خبر بعد شهر من خروجها للقاعات السينمائية، ربما لأنها حاولت التحامل على طرف دون الآخر في صراع بين الوسطية والعصبية دون ترو أو تمعن في عمق الظاهرة، كما يرى بعض النقاد المغاربة.
التعليقات السابقة
لا يوجد تعليقات سابقة. كن أول من يقوم بالتعليق
أضف تعليقاًً
* اختياري

