مقاربة في المشروع الثقافي والحضاري الإسلامي
07 سبتمبر (أيلول) 2014 18:00 | 0 تعليق
زخرفة في مسجد من مساجد الخليج العربي -(إنترنيتية)
تواجه الفكر الإسلامي المعاصر تحديات مصيرية جمّة، على صعيد وجوده واستمرارية زخمه الهادف، كونه فكراً يستند على رسالة إنسانية صاحبة مشروع حضاري وإنساني كبير، وينطلق من موقع الثقافة والفكر، ليصل إلى مواقع السياسة والاجتماع، وباقي مواقع المجتمع الإنساني الخاصة والعامة.
وترصد دراسة صادرة عن "مؤسسة مؤمنون بلا حدود للدراسات والأبحاث" بقسم دراسات الموروث الديني للكاتب والباحث السوري نبيل علي صالح بعنوان "مقاربة في المشروع الثقافي والحضاري الإسلامي: تحدّيات الحاضر وآفاق المستقبل" أهم التحديات الأساسية الحاضرة التي تواجه الفكر الإسلامي المعاصر، وتتمثل في ثلاثة مظاهر حضارية روحية ومادية هي؛ العولمة والهويات الثقافية ومجتمع الثورة المعرفية والمعلوماتية.
ويوضح الباحث في دراسته أن هذه التحديات لا تواجه بالانغلاق، بل بالانفتاح بعد إحداث التغييرات الثقافية المعرفية، لأنها قاعدة أيّ تطور حضاري عربي وإسلامي علمي ومدني مأمول، من خلال إعادة التوازن الثقافي الإسلامي إلى فاعليته الحقيقية نقداً وتشريحاً وتفكيكاً وإعادة بناء.
ويشدد صالح على أن المبادرة الأساسية في عملية مواجهة مخاطر تلك التحديات، وإنجاز البناء الحضاري العربي والإسلامي المتين، يجب أن تنطلق أساساً من خلال إيجاد علاج نهائي فعّال لأزمات واقعنا العربي المقيمة قبل الحديث النقدي عن آخر متآمر أو متربص أو غير ذلك.
وينوه إلى أن تحقيق النهضة المنشودة للمجتمعات العربية والإسلامية بعد وعي أزماتها ومشاكلها الحقيقية وانخراطها في العالم الحديث (المعولم سياسياً وإعلامياً وسياسياً)، لا يمكن أن تتحرك مفاعيلها الصحيحة من دون العمل على وعي التراث الإسلامي من داخل بنيته الحقيقية، وإعادة النظر فيه، وصياغته بصورة تناسب منطق التطور ودينامية الإبداع البشري فيه.
ويرى الباحث أن السّمة الأبرز للحال الراهنة في العالم العربي تتمثل أكثر في مأزق معمار التنمية الإنسانية والتنمية الثقافية بمعناها الواسع والشامل من خلال هذا الفشل الكامل في بناء وإنجاز مشروع سياسي اجتماعي تعددي تتحكم فيه مؤسسات وآليات عمل عصرية، تحظى بالشرعية الطوعية الأمّتية (نسبة إلى الأمّة) الصحيحة.
ويتوقف الباحث في الدراسة عند العولمة، منوهاً إلى أنّها ظاهرة واقعية تفرض وجودها، في شكلها الراهن غير المكتمل، على البشرية جمعاء، ولا يمكن للدول الفقيرة والمستضعفة تحقيق أيّة استجابة جديدة ونافعة على ما تثيره هذه الظاهرة من تحديات جمّة على الصعد كافة، ما لم يتم البدء الفوري بإحداث استجاباتٍ علمية إيجابية تناسب واقعها وحضارتها وتطلعاتها من أجل استنهاض قوى وإمكانات الواقع المحلي على طريق استشراف آفاق المستقبل، والتأثير القوي في مجريات الواقع الحضاري العالمي، في أن تتحول الحضارات المستبعدة حالياً عن ساحة التأثير الدولي، إلى حضارات صانعة وفاعلة ومنتجة، هي بذاتها، للفكر والعلم والتقنية.
ويبيّن صالح أن المجتمعات الإسلامية تمتلك هوية حضارية خاصة تتميز بها عن غيرها من المجتمعات غير الإسلامية من خلال وجود نوعين من العناصر؛ الثابتة، وقد أوجدها انتماء المجتمعات إلى الدائرة الحضارية والتاريخية الإسلامية، وهي تشتمل على انتماء المسلمين إلى دائرة الإسلام، واتباعهم للقرآن الكريم، والنبي محمد.
أما العناصر الأخرى، فهي، بحسب الباحث، المتحركة (المتغيرة) التي تتشكل نتيجة لما تكتسبه المجتمعات الإسلامية من خصائص ومزايا ثقافية وعملية بفعل عوامل ذاتية وموضوعية من داخل هذه المجتمعات، أو من خارجها (بفعل الاحتكاك مع الآخر)، يساهم تفاعلها مع بعضها بعضا ـ بكل ما يحتويه الواقع من عناصر ومعطيات متغيرة ومتحولة ـ ومع العناصر الثابتة في إنضاج وتكوين الجانب المتغير (النسبي) من الهوية الثقافية للمسلمين.
ويوضح الباحث أن العامل الروحي للهوية الإسلامية يحظى بالأهمية الكبرى؛ لأنه يتصل في العمق، بتاريخ وحضارة هذه الأمة التي يعيش فيها الفرد المسلم، ولا تزال تحيا معه حتى الآن، وبالتالي لا يمكن لأيّ إنسان مسلم أن يحقق عمق وجوده وهدفية إنسانيته الكونية من دون إضفاء المعاني الروحية الوافرة على هويته التاريخية والثقافية؛ أي من دون وجود محدّدات وأنماط وأنساق انتماء خصوصية معنوية، هي أساس حركة الهوية الفردية.
ويشير الباحث إلى أن للثقافة الإسلامية جانبين: خاص يمثل أداة الهوية الذاتية، والتأكيد الذاتي والموضوعي على عناصر الثبات، وجانب عام تشترك فيه الثقافة مع الآخر في سياق حركة المتغيرات.
والهوية بهذا المعنى هويتان؛ بحسب الباحث، هوية ذاتية خاصة بفكر وثقافة وانتماء الفرد المسلم إلى دائرة حضارية إسلامية، وهوية أخرى هي هويته كمواطن، أو ككائن سياسي يعيش في بلد، وينتمي إلى وطن يمارس فيه حقوقه وواجباته ومسؤولياته في العمل والإنتاج، وصنع المصير في طبيعة الكيان، وشكل النظام السياسي المتصور.
ويرى الباحث أنهما هويتان غير متضاربتين أو متناقضتين، خاصة مع وجود نظام سياسي مدني ديمقراطي تعددي ضامن للحريات الفردية والعامة، وحافظ للتنوع الثقافي والتاريخي للمكونات الموجودة لديه، والتي يسمح لها بالتعبير عن حقوقها وطقوسها و"خصوصيتها" في الحضور والتمظهر المجتمعي العام ضمن المجال العمومي بلا تكلفات ولا تعقيدات ولا إكراهات.
ويشدد صالح على أن المطلوب هو استخراج أفضل وأهم ما تختزنه ذاتنا الثقافية؛ أي أن نؤسس لثقافة إنسانية عميقة الجذور المعرفية لجهة أصالتها الإسلامية المنفتحة، ثقافة جديدة تخوض غمار مواجهة الواقع الاجتماعي والسياسي الاستبدادي القائم، وأنظمته المغلقة التي تعمل على إفساد وهدم الثقافة نفسها من خلال عملها على ألا يكون للثقافة سلطة على الإطلاق، في مقابل سلطة الأنظمة نفسها التي تأسست على العصبية والقبلية والعشائرية.
وينوه إلى أن ثمّة حاجة ماسّة لالتزامات روحية جديدة في الوعي والعمل والحركة، جوهرها جهاد العلم والمعرفة والوعي والعقلانية، بهدف تحرير الإنسان نفسه من هواجس الخوف والاستلاب والإمّعية، وتحقيق شروط وجوده الأولية؛ فالبشرية اليوم تحتاج إلى ثقافة إنسانية جديدة ترتقي باهتماماتها وهمومها وأشواقها ورغباتها وطموحاتها، ثقافة تضع الإنسان في مركز الحدث، وغاية الوجود، وهدف الخلق، ثقافة تعلم البشرية أنّ وظيفتها الحقيقية تكمن في استخدام وتملك الأشياء، لا في أن تستخدمها الأشياء، وتمحورها حول ذاتها.
ويعترف الباحث أنه وفي سياق تحليل المشهد الثقافي العربي الإسلامي الراهن، على طريق كدحه الارتقائي نحو طموحاته المستقبلية العالية، أننا لم نصل بعدُ إلى المستوى الملائم لما تقتضيه تحديات المرحلة في كثير من مواقعها وامتداداتها التي لا تزال تطرح من خلالها قضايا مهمة جداً كقضية الدولة، وآليات تنظيمها السياسية والاقتصادية والاجتماعية التفصيلية، لافتاً إلى أننا لا نزال، على هذا الصعيد، نسمع حتى الآن أصداء الخطاب التعبوي التحشيدي العاطفي، وإن كنا نلاحظ أنّ هناك بعض التقدم الحاصل في هذا المجال تحديداً، فإنه لم يبلغ بعدُ درجة الكفاية والتطلب الحقيقية التي تجعله يستجيب للمستجدات السياسية والاجتماعية والثقافية والسلوكية في التعامل مع مجتمعاتنا والمجتمعات الأخرى.
لقراءة رابط الدراسة كاملة على الموقع الإلكتروني لـ"مؤسسة مؤمنون بلا حدود للدراسات والأبحاث"، انقر هنا:
التعليقات السابقة
لا يوجد تعليقات سابقة. كن أول من يقوم بالتعليق
أضف تعليقاًً
* اختياري

