القرآن الكريم والعقائد المسيحيّة
01 سبتمبر (أيلول) 2014 23:00 | 0 تعليق

آية قرآنية في إناء حجري من التراث الأندلسي -(ذوات)
عمان - ذوات

يحاول الباحث المغربي حفيظ اسليماني في دراسة صادرة عن مؤسسة "مؤمنون بلا حدود للدراسات والأبحاث" تحت عنوان "القرآن الكريم والعقائد المسيحيّة" دحض ما يحاول بعض المسيحيين إثباته في لجوئهم للقرآن الكريم لتأكيد مجموعة من العقائد التي يؤمنون بها وبدونها لا تساوي الديانة المسيحية شيئاً، وهذه العقائد هي: عقيدة ألوهية المسيح، عقيدة التثليث، عقيدة الصلب، إذ لم يكتفوا بالكتاب المقدس لإثبات هذه العقائد، بل لجأوا إلى القرآن الكريم أيضاً.

الدراسة التي نشرت في باب "الموروث الديني" يشير فيها الباحث إلى أن بعض المسيحيين يقولون إن القرآن الكريم "يشهد للمسيح بالألوهية"، وإنّ "المسلمين، بالرغم من إطلاق لفظة الكلمة في القرآن على عيسى، لم يعطوها حقها، ولم يستخرجوا معانيها اللاهوتية والروحية"، مستندين في ذلك إلى الآيتين:
"إِذْ قالَتِ الْمَلائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهاً فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ" (آل عمران/ 45). 
"يَا أَهْلَ الْكِتابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلاَّ الْحَقَّ، إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقاها إِلى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ" (النساء/ 171).
وينتقل الباحث اسليماني إلى قول المفسرين لبيان حقيقة الآيتين:
ففي تفسير الآية الأولى يقول الطبري: يؤكد الله أنّ المسيح ليس هو الكلمة، وإنّما حصل بكلمة كُنْ.. وأنه تعالى قال "اسمه المسيح" فَذَكَّرَ وَلَمْ يَقُلِ "اسْمُهَا" فَيُؤَنِّثَ، و"الْكَلِمَةُ" مُؤَنَّثَةٌ، لأنّ الكلمة غير مقصود بها قصد الاسم الذي هو بمعنى فلان، وإنما هي بمعنى البشارة".

وفي تفسير الثانية يقول الطبري، وفق الباحث،: "فسماه الله عز وجل "كلمته"، لأنه كان عن كلمته، كما يقال لما قدّر الله من شيء: "هذا قدَرُ الله وقضاؤُه"، في هذه الآية، أيضاً تكلم الله عن الكلمة بالتأنيث وليس بالتذكير، فقال: ألقاها وليس ألقاه، والمسيحيون يستعملون صيغة التذكير في حديثهم عن الكلمة.

وعن قوله: وروح منه، يفسرها ابن عاشور بقوله: "ومعنى كون عيسى روحاً من الله أنّ روحه من الأرواح التي هي عناصر الحياة، لكنها نسبت إلى الله لأنها وصلت إلى مريم بدون تكوّن في نطفة، فبهذا امتاز عن بقية الأرواح. ووصف بأنه مبتدأ من جانب الله". وقوله "منه" ليست للتبعيض.
فالقرآن الكريم إذن، "لم يشهد بلاهوت المسيح عليه السلام"، وفق الباحث الذي يؤكد أنّ المقصود بالكلمة هي كلمة التكوين كُنْ؛ أي بالأمر الإلهي خلق وولد المسيح من غير أب، هذا من جهة، ومن جهة أخرى هناك آيات أخرى تهمّ هذا الموضوع إلاّ أن المسيحيين يتجاهلونها؛ لأنها لا تخدم هدفهم، كونها نافية لألوهية المسيح عليه السلام، منها قوله تعالى:
"لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ أَنْ يُهْلِكَ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ". (المائدة/17).
"لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ وَقَالَ الْمَسِيحُ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ" (المائدة/72(.
"وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ". (المائدة/116).

القرآن الكريم إذن، "لم يشهد بلاهوت المسيح عليه السلام"، وفق الباحث الذي يؤكد أنّ المقصود بالكلمة هي كلمة التكوين كُنْ

ويشير اسليماني إلى أن المسيحيّون "يحاولون التهرّب من هذه الآيات وأنهم يعبدون المسيح وأمّه"، ويقولون "إنّها لا تنطبق عليهم، وإنّما هي خاصّة بطائفة واحدة هي طائفة المَرْيَميّين"، مع أن الخطاب القرآني يشمل كذلك الكاثوليك والأرثوذكس، كما يشهد كُتّاب مسيحيون؛ حيث يقول صموئيل بندكت: "تصلّي الكنيسة الكاثوليكية لله، ولكنها تصلي لمريم أكثر ممّا لله". ويقول متى المسكين: "محاولة فهم قداسة العذراء أو تكريمها كشخصية مستقلة عن المسيح شيء مستحيل". ويضيف آخر قائلاً: "فتأليه العذراء وبالتالي عبادتها هو النتيجة الحتمية لتلقيبها بلقب "والدة الإله" .

القرآن الكريم وإبطال عقيدة التثليث
من أدلة المسيحيين من القرآن على التثليث، وفق الباحث، "الشبه بين البسملة: بسم الله الرحمن الرحيم بالبسملة المسيحية: الأب والابن والروح القدس"، مع أن المسلمين لا يقولون مثلهم: باسم الله والرحمن والرحيم، كما يستشهدون بسورة الإخلاص على التثليث، وبالرجوع إلى التفاسير لم تقل إنّ الله الصمد معناه الواحد المجمع أو الجمع الموحد كما ادعى المسيحيّون؛ فالصمد اسم من أسماء الله وصفة من صفاته، فعبارة "الله أحد الله الصمد" "ضدّ عقيدة التثليث صراحة".
وفي مقابل هذا، فإنّ المتتبع والمطلع على القرآن الكريم سيجد فيه آيات تكفّر من يقول بالتثليث، والآيات القرآنية التي تدحض عقيدة التثليث، يقول تعالى:
"يَا أَهْلَ الْكِتابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلاَّ الْحَقَّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقاها إِلى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلا تَقُولُوا ثَلاثَةٌ انْتَهُوا خَيْراً لَكُمْ إِنَّمَا اللَّهُ إِلهٌ واحِدٌ سُبْحانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ لَهُ مَا فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَكَفى بِاللَّهِ وَكِيلاً" (النساء 171). 
"لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ" (المائدة/ 73 (.

موقف القرآن من قصة الصلب المسيحية
ويقول الباحث إن المسيحيين يعتقدون أنّ المسيح، عليه السلام، صُلب تكفيراً عن خطيئة آدم عليه السلام بعد أكله من الشجرة التي نهاه الله الأكل منها، لكن بأكله فسدت العلاقة مع الله وتوارث الجنس البشري كله هذه الخطيئة.


لقد حسم القرآن في هذه المسألة ويؤكّد صراحة أنّ المسيح، عليه السلام، ما قُتل وما صُلب، وأنّ قول اليهود أنهم قَتلوا المسيح هو قول من باب أكاذيبهم فقط.
يقول سبحانه: "وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا، بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا" (النساء 157،158).

ثم تحدّث القرآن الكريم أيضاً عن رفع المسيح لقوله تعالى: بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ. وقد وردت أيضاً قضية الرفع في الآية 55 من سورة آل عمران،

"إِذْ قالَ اللَّهُ يَا عِيسى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرافِعُكَ إلي".

والرفع المقصود هو رفع المكانة وليس رفع المسيح بجسده، وإلا كنا نسقط في القول باعتقاد المسيحيين الذين يعتقدون برفع المسيح جسداً وجلوسه على يمين الأب.
ويختم الباحث دراسته بأنّ اعتماد المسيحيين على القرآن كحُجّة لصحّة عقائدهم هو "منهج غير علمي، لأنّه من المستحيل شرعاً ومنطقياً أن يؤكّد القرآن صحّة تلك العقائد ويعترف بها، وفي الوقت نفسه يصرّح ببطلانها ويكَفِّر من اعتقد بها."

لقراءة رابط الدراسة كاملة على الموقع الإلكتروني لـ"مؤسسة مؤمنون بلا حدود للدراسات والأبحاث"، انقر هنا:

 

التعليقات السابقة

لا يوجد تعليقات سابقة. كن أول من يقوم بالتعليق

أضف تعليقاًً

الاسم
البريد الإلكتروني
* اختياري
عنوان التعليق
التعليق