عبد الجبار الرفاعي: التديّن الحرفي السلفي جعل الحياة لعنة ومجّد الموت
07 سبتمبر (أيلول) 2014 13:14 | 0 تعليق
د. عبد الجبار الرفاعي - (أرشيفية)
اعتبر المفكر العراقي وأستاذ الفلسفة الإسلامية عبد الجبار الرفاعي أن التديّن الحرفي السلفي جعل الحياة لعنة ومجّد الموت، وقال إن لا خلاص للعرب والمسلمين إلا بالتخلص من هذا الفهم الديني، وكذلك من أساليب التعبئة الأيديولوجية، ومن أبرزها ترك استخدام كلمات ومصطلحات دينية مشبعة بهجاء الآخر، متوارثة من صراعات الطوائف والفرق، والحروب بين أتباع الأديان في العصور الوسطى. كما دعا إلى إشاعة فهم عقلاني جريء للدين، يخترق الأدبيات الجنائزية في تراثنا التي تكثف حضورها في الخطاب السلفي اليوم.
وقال إن اللغة مشحونة بأحكام مسبقة، وحسب جاك دريدا "اللغة ليست أداة نستعملها، بل هي المادة التي نحن مصنوعون منها". ويشدد بيير بورديو على "أن الكلمات تصنع الأشياء إلى حد كبير، وإن تغيير الكلمات، وتغيير التمثيلات، بوجه أعم التمثيلات التصويرية، هو بالفعل طريقة لتغيير الأشياء. والسياسة جوهرياً هي مسألة كلمات".
وأضاف الدكتور الرفاعي، في دراسة نشرها الموقع الإلكتروني لمؤسسة "مؤمنون بلا حدود"، أن الكلمات والعبارات "صارت في خطاباتنا وأحاديثنا وجدالاتنا وكتاباتنا بمثابة أدوات قتال نتراشق بها، وتعمل على بث التشنج، وإشاعة التوتر، حيال أية قضية نتحدث عنها، وأمسى الإصغاء للآخر، وتفهم ما يرمي إليه مستحيلاً، إثر عنف اللغة، وقسوة مداليل الألفاظ المتداولة بين المتخاطبين وصخبها، حتى صار المجال التداولي للغة المستعملة في حياتنا أحد أبرز منابع الكراهية، وتزوير صورة الآخر".
ودعا إلى "تطهير اللغة من الكلمات والمصطلحات القدحية المشبعة بالتشهير بالآخر" باعتبار ذلك "ضرورة يفرضها الواقع، الذي يضج بالاحتراب والصراع الديني والطائفي، وينبغي أن تتسع عملية تطهير اللغة من العنف، لتشمل المقررات الدراسية في سائر مراحل التربية والتعليم، ويجري تأهيل لغوي للمربين والمعلمين والمدرسين، فضلاً عن الصحفيين والإعلاميين، ويعمد إلى تثقيفهم وتنبيههم إلى خطورة تداول الكلمات والأساليب التعبيرية ذات الحمولة القدحية، وما يمكن أن ينجم عنها من تشويه لصورة الشركاء معنا في الإنسانية، فضلاً عن شركائنا في المواطنة."
تمثلات سلفية مناهضة للعقل
وتابع الرفاعي أن معجم هذه اللغة بمادته ومفرداته "يُستمد من الرؤية السراطية وميراثها الكلامي والفقهي، المتفشي في جميع الفرق والمذاهب الإسلامية ـ لا سيما في تمثلاته السلفية ـ المناهضة للعقل، والتي دونته في فضاء سجالي يضج بالخصومات، ويتوكأ هذا النوع من الميراث على تفسير فظ ساذج للنص، معبأ بسلسلة من الإسقاطات والتحريفات، ويرفض أية محاولة تسعى لتأويل النص، واستكناه أبعاده الرمزية، والنظر إليه بوصفه نصاً مكتنزًا بالرمزية والإشارة والكناية والمجاز والإيحاء والتلميح وضرب الأمثال، ومنبعاً لتأويلات وقراءات متنوعة، تنبثق من الأفق المعرفي للقارئ".
وأكد أن "التفسير الفظ الساذج يفترض وجود فهم واحد للنص، هو الفهم الذي قالت به الجماعة الأولى من السلف، ولا يحتمل النص أي تأويل أو تفسير يخرج على ذلك الفهم، ويعلن عن رؤية مغايرة له، ذلك أن مواقف وفهم السلف فقط هو ما يمثل المشروعية والقدسية، أما المواقف والتأويلات اللاحقة؛ فإنها مشروعة بوصفها معبرة عن رؤية السلف ومستنسخة لها، وهي هرطقة وبدعة، حينما تجتهد في بلورة رؤية مغايرة، تستلهم اللامرئي في النص، وتتحرر من الأصول والترسيمات الصارمة والمغلقة للتعاطي مع النص".
وقال "لقد هيمن هذا المنطق الصارم في تلقي النص، منذ أن دوّن الإمام الشافعي هذه الأصول، وتكرست بمرور الزمان، وصارت ترسيمات أبدية، تحتكر فهم النص، وتسبغ الشرعية على كل تفسير مشتق منها، وترفض كل اجتهاد ينزع إلى التفكير خارج مداراتها، وصياغة مفاهيم لا ترتد إليها، بل تنظر إليه بوصفه بدعة وهرطقة خارج الشريعة، كما نلاحظ في تصنيفه للميراث الغزير للمتصوفة والعرفاء والفلاسفة، الذين حرصوا على استلهام العناصر الرمزية الروحية والإنسانية والجمالية والعقلانية في النص، وأدركوا أن النص القرآني رمزي المضمون، إشاري المقاصد، غزير المعاني، عميق البنية، وتخطوا القراءة الاختزالية التبسيطية، وما أفضت اليه من إفقار للنص، وإظهاره بصورة عارية من كل مضمون مكثَّف غني بالمداليل والمعاني المستترة".
التدين الحرفي السلفي
وفيما يتعلق بـ "التديّن الحرفي السلفي"، رأى الرفاعي أنه "يفتقر إلى التعاطي المتفائل المفعم بالأمل مع الحياة، والانفتاح على العالم، واستبصار ما يحفل به من ثراء وجمال وتنوع. ويعجز هذا النمط من التدين السلبي عن إدراك أن الله وهب الحياة للإنسان، فصارت مناط الاستخلاف والأمانة، ومن ثم المسؤولية، وارتكزت إليها وانبثقت منها كل مكاسب البشرية وإبداعاتها وتعبيراتها. وتحرص الأديان عادة على احترام الحياة، وربما تقديسها، وتتطلع الرسالات السماوية إلى تطهير الحياة من القلق، وبث الطمأنينة والسكينة في روع الإنسان، عبر ترسيخ الحياة الروحية والأخلاقية، وتكريس المضمون الرمزي للعالم، والكشف عن مظاهر الانسجام والتناغم بين الإنسان وما حولـه، وتحريره من الاغتراب الكوني، ومن كل ما من شأنه أن يسلخه وينفيه من هذا الكون."
وأوضح رئيس تحرير مجلة "قضايا إسلامية معاصرة" أن الحاصل حالياً أن "الحياة تغدو لعنة، وأية محاولة للتشبث بها، والسعي لعمارتها، والتنعم بطيباتها، تصبح منافية للفهم السلفي للدين، ذلك الفهم الذي يتمحور خطابه على هجاء الحياة، وتمجيد الموت، ولعن المباهج، وأسباب الفرح والغبطة والمسرة. وما أعمق تفسير سبينوزا لحالات الفرح والحزن، والبهجة والكآبة، إذ يقول: "ليس الفرح شراً بصورة مباشرة أبداً، بل هو خير، أما الحزن فهو شر بصورة مباشرة...لا يمكن أن يوجد في البهجة إفراط، بل هي دائما حسنة، أما الكآبة فهي دائما سيئة".
إطفاء أشواق القلب
وتابع الرفاعي "الرؤية للعالم لدى الجماعات السلفية تشدّد على مسخ الذوق الفني، وتجاهل الأبعاد الجمالية في العالم، وإطفاء أشواق القلب، والعجز عن وعي وظيفة الفن، بوصفه اللغة المشتركة الأهم في الحياة البشرية، والوسيلة الحية للتواصل بين الشعوب، والقناة العابرة للتاريخ والثقافات".
وأضاف: "كما تهمل تلك الجماعات الجسد، وتنسى متطلباته الغريزية، وما يحيط به من فضاء حسي، وما يجسده من جمال، فتتعامل معه وكأنه عدو، لاسبيل للتدين الحق الاّ بتجاوز رغباته وحاجاته. وترى أن الاحتشام والعفة لا تتحقق إلا بالتخلص من المشاعر الغريزية الحسية، ورفض الحب، واعتباره تهتكاً وابتذالاً. وأن النجاة في اليوم الآخر ترتبط بالفرار من حب الحياة وكل شيء ينتمي إليها".
وخلص المفكر العراقي إلى أن "التعامل مع الحياة بهذا المنطق، هو مصدر الشعور بالإحباط والفشل، وهو الذي يقود إلى العنف، والرغبة في تدمير الحياة، وتحطيم كل شيء ينتمي إليها. حين يمسي الشغف بالموت هدفاً لحياة الشخص البشري، تنطفئ جذوة الحياة في نفسه، ويفتقد القدرة على المساهمة في البناء، ولا يتقن أية حرفة سوى تقديس الحزن، وصناعة الحقد والبغضاء، فتندثر طاقاته، وتتعطل قابلياته، وتتبدّد إمكاناته ومواهبه بأسرها".
وأعرب عن اعتقاده بأنه "ليس هناك درب يقودنا إلى الحياة، ويعيد قطاعات واسعة من الشباب إلى العالم الذي افتقدهم، سوى إشاعة فهم عقلاني جريء للدين، يخترق الأدبيات الجنائزية في تراثنا التي تكثف حضورها في الخطاب السلفي اليوم، كما يخترق ما راكمته تجربة الاجتماع الإسلامي من إكراهات ومظالم وتعصبات وصراعات مختلفة، عملت على تبلور مفهومات وفتاوى مشبعة بتلوينات تلك التجربة".
ودعا إلى "دراسة وتحليل منابع اللاتسامح، وبواعث العنف والكراهية في مجتمعاتنا، والاعتراف بأن الكثير منها يكمن في الفهم المتحجر للدين، والجهود الحثيثة للسلفية في تعميم هذا الفهم وتعزيزه، عبر خطاباتها وأدبياتها المتنوعة. ومن الضروري عدم التوقف عند دراسة مضمون الخطاب، وإنما يجب تحليل خطاب الجماعات السلفية، ودراسة الرؤية للعالم الثاوية من خلفه، والشبكة المفاهيمة المنبثقة عنها، واللغة المشتبكة معه التي تبجّل الكراهية وتمتدح العنف، وترى كراهيةَ الآخر بوصفها معياراً ومرتكزاً لأية وحدة داخل إطار الجماعة، وتخترع على الدوام أعداءً تجيّش العامة والحشد لمقاتلتهم وإبادتهم".
لقراءة النص كاملاً يرجى النقر هنا:
http://www.mominoun.com/arabic/ar-sa/articles/authors/%D8%B9%D8%A8%D8%AF-%D8%A7%D9%84%D8%AC%D8%A8%D8%A7%D8%B1-%D8%A7%D9%84%D8%B1%D9%81%D8%A7%D8%B9%D9%8A/108/posts
التعليقات السابقة
لا يوجد تعليقات سابقة. كن أول من يقوم بالتعليق
أضف تعليقاًً
* اختياري

