سميح القاسم: ثالث الثلاثة... يترجل!
24 اغسطس (آب) 2014 01:00 | 0 تعليق
سميح القاسم -(أرشيفية)
ها هو هناك، حيث يرقد محمود درويش، يترجل في رحلة أخيرة ضارباً معه موعداً في الشهر ذاته أغسطس (آب)، عله يجد أخيراً أجوبة لأسئلته الحارقة. فالليل طويل، والوقت متسع للحديث. هناك... ستتجدّد الأسئلة ويفتح الحوار من جديد. عناق طويل بعد غياب طويل:
"أنت تركت الحصان وحيداً... لماذا؟
وحملتني وزر موتك
وآثرت صهوة موتك أفقاً
وآثرت حزني ملاذاً
أجبني أجبني... لماذا؟"
هناك سيتحلق حوله راشد حسين وفدوى طوقان ومعين بسيسو وياسر عرفات وإيميل حبيبي والشيخ إمام وأحمد ياسين وسعد الله ونوس وناجي العلي وعبد الوهاب البياتي وغسان كنفاني للاحتفاء بالزائر الجديد. سيسألونه: "ما حال أهلنا هناك؟"، وسيجيبهم: "قنابل وموت يعم في الآفاق. المعابر دمرت والمنازل دكت وأطفالنا على قارعة الطرقات يذبحون ونساؤنا مشردات... لذلك آثرت الرحيل".
شاهد على النكبة
ولد سميح القاسم في قرية "الرامة" عام 1939 على وقع المدافع البريطانية، ليكون صوتاً صادحا منذ طفولته رافضاً كل أشكال القمع والتبكيت، ولن ينتظر طويلاً حتى تقع أرضه عام 1948 تحت غائلة أشرس آلة احتلال شهدها العصر الحديث، لذلك سيرسم فلسطين في قلبه زيتونة وارفة بعد أن محيت حدودها، ويواصل المشي مرفوع القامة مسكونا بكفنه المتربص به، وبغصن الزيتون رمز سلم قد يحل يوما.
درويش الآخر.. الصدى
من أي السبل ننفذ إلى صداقة جمعت شاعرين مناضلين التحما منذ الطفولة، ولم تقدر كل محاولات العدو على فصم عراها؟ فقد ألفا خطواتهما الأولى في السياسة والشعر والحياة، وخاضا معاً الكثير من المعارك السياسية والفكرية، وارتبط اسماهما بالقصيدة الثورية. يصدح صوت درويش:
أنا لا أكره الناس
ولا أسطو على أحد
ولكني إذا ما جعت
آكل لحم مغتصبي
حذار، حذار من جوعي
ومن غضبي
فيأتيه الصدى بصوت سميح:
ربما ترفع من حولي جداراً وجداراً وجدار
ربما تصلب أيامي على رؤيا مذلّة
يا عدو الشمس لكن لن أساوم
وإلى آخر نبض في حياتي سأقاوم
تخير درويش الرحيل ذات أغسطس (آب) من سنة 2008 مخلّفاً وراءه سميح القاسم وحيداً، بعد أن أورثه مرضه (السرطان) وموعد موته ( أغسطس آب).
نبوغ شعري مبكر
عرفت موهبة سميح القاسم نبوغاً مبكراً؛ فقد أصدر مجوعته الشعرية الأولى، ولم يتعد عمره 19 سنة، ليبلغ عدد مجاميعه الستة قبل أن يتجاوز عتبة الثلاثين.
كانت رحلة سميح رحلة ثريّة لم يكتف خلالها بغزارة الإنتاج الشعري، بل ولج غمار النثر فكتب "حسرة الزلزال" وخاصة "الرّسائل" رسائله مع محود درويش" و"السيرة" و"إنها مجرد منفضة".
زيتونة تظلل حلماً
على عكس العديد من المثقفين الفلسطينيين الذين فضلوا الرحيل والمقاومة من الخارج درءاً لما يمارسه عليهم الكيان الصهيوني من تنكيل وتضييق، فقد أصر سميح القاسم على البقاء في فلسطين، رغم كل المضايقات التي تعرض إليها من سجن وطرد تعسفي من العمل وتهديد بالقتل والتصفية الجسدية، معلناً:
ما من بلاد تليق بنا ونليق بها غير هذي البلاد
ويوم المعاد قريب كيوم المعاد
وحلم المغني كفاح
وموت المغني جهاد الجهاد
تحدى سميح القاسم كل المضايقات، وظل عند موقفه رافضاً أن يحمل خيمته على ظهره ويرحل مشرعاً الكلمة سلاحاً في مواجهة آلة الموت التي تتربص بشعبه محاولة محوه من الوجود، يصرخ في وجه أعداء الحياة:
تقدموا
تقدموا
بناقلات جندكم
وراجمات حقدكم
وهددوا
وشردوا
ويتموا
وهدموا
لن تكسروا أعماقنا
لن تهزموا أشواقنا
نحن القضاء المبرم
ظل سميح مرابطاً في بيته حتى يكون الشاهد الأخير على الكذبة الصهيونية التي تتغنى بأرض بلا شعب لشعب بلا أرض. فبقاؤه هناك وحده كفيل بتبديد كل ادعاء بفراغ الأرض. إنه شجرة زيتون وارفة تظلل حلماً فلسطينياً بالعودة.
الفارس أو... ثالث الثلاثة
كانوا ثلاثة. ارتبطت أسماؤهم وأشعارهم بالمقاومة والثورة والنضال والأرض، زرعوا اللهب في كل قلب تواق إلى الحرية والعدالة. ترجل أولهم - توفيق زياد - سنة 1994، ثم تلاه الثاني – محمود درويش – سنة 2008، وها إن الفارس - ثالث الثلاثة - يترجل في صمت من ضاقت به المأساة وعظم على أكتافه حمل المعاناة. ترجلّ ورائحة البارود والرصاص في غزة تزيد مرضه ألماً، وأصوات المدافع والراجمات والطائرات تقض عليه مضجعه في المستشفى.
سيعود المهجرون يوماً، ليجدوا سميح القاسم هناك منتصب القامة مرفوع الهامة يدخن سيجارته مديراً مسبحته في الريح، متحدياً موتاً ظن أنه أرداه قتيلاً، رافعاً في وجهه: "لا أخافك يا موت!".
التعليقات السابقة
لا يوجد تعليقات سابقة. كن أول من يقوم بالتعليق
أضف تعليقاًً
* اختياري

