خير الدين التونسيّ... نجمة تونسيّة في درب التنوير
04 سبتمبر (أيلول) 2014 05:00 | 0 تعليق

لوحة تشكيلية لخير الدين التونسي - (أرشيفية)
تونس - عيسى جابلي

كان خير الدين التونسي واحداً من أبرز المصلحين المسلمين في القرن التاسع عشر، اقترن اسمه بالعديد من الأسماء التي أفاقت فجأة على صدمة حضارية مدوية هزت جسد "الرجل المريض". جايل أسماءً لامعةً في مجال الإصلاح، من أمثال جمال الدين الأفغاني ورفاعة رافع الطهطاوي ومحمد عبده ومحمد رشيد رضا، وكتب اسمه بأحرف كبيرة مفكراً ومصلحاً.

المملوك...

تقلد خير الدين التونسي العديد من المناصب المهمة في صلب الدولة. فلما سطا رجل اسمه مصطفى بن عياد على خزينة الدولة وفرّ بها إلى فرنسا بتواطؤ من الوزير الأكبر مصطفى خزندار.

يرجّح أن خير الدين ولد سنة 1822 أو 1823. كان شركسي الأصل، فقد أسرته فقضى فترة طفولته وصباه مملوكاً لأحد الأعيان في الأستانة عاصمة الخلافة العثمانية. ثم كان انتقاله إلى تونس سنة 1839، حيث مكنه أحمد باي باشا (حاكم تونس) من التعليم، فدرس بعض العلوم الإسلامية واللغوية، وتلقى تكويناً أساسياً في مجال الحرب على يد مدربين فرنسيين. وربما كان ذلك أول احتكاك له بالحضارة الغربية، فأتقن اللغة الفرنسية وتكلمها بفصاحة، فأهله ذلك لتقلد أعلى المناصب الرسمية في تونس وفي صلب الخلافة العثمانية عموماً.

الصدر الأعظم!

تقلد خير الدين التونسي العديد من المناصب المهمة في صلب الدولة. فلما سطا رجل اسمه مصطفى بن عياد على خزينة الدولة وفرّ بها إلى فرنسا بتواطؤ من الوزير الأكبر مصطفى خزندار، كان خير الدين المكلف باسترجاع أموال الدولة، وقد نجح في هذه المهمة جزئياً بعد إقامة في فرنسا دامت أربعة أعوام، مما سهل عليه التعرف عن قرب على الحضارة الغربية ومنجزاتها واكتشاف مدى الهوة التي تفصلها عن عالمه.

روج خير الدين لفكرة مجلس شورى منتخب يحد من تغول سلطة الباي، لأنه يؤمن بأن الحكم الفردي.

كما كان خير الدين وزيراً للبحرية ثم "كاهية" المجلس الأكبر (رئيس مساعد) وتولى رئاسته سنة 1861، وهي السنة التي صدر فيها دستور "عهد الأمان" غير أنه سرعان ما استقال من كافة مناصبه لاصطدامه بالكثير من العراقيل التي تحول دون تحقيق أفكاره الإصلاحية. غير أنه أرسل في مهام ديبلوماسية إلى الكثير من الدول الأوروبية كفرنسا وإنجلترا والسويد وهولندا وغيرها.

عمل خير الدين في ما بعد رئيساً للجنة المالية المكلفة بتصفية الديون سنة 1868 ، وصار نائب الوزير الأكبر في السنة التالية قبل أن يحتد الخلاف بينه وبين الصادق باي حاكم تونس في ذلك الزمن. حينها قرر خير الدين الانتقال إلى الأستانة، حيث تقلد مناصب استشارية ومنصب صدر أعظم لم يدم فيه سوى أشهر قليلة، ليستقيل من كافة مناصبه إلى أن توفي سنة 1890.

دستور 1861...

روج خير الدين لفكرة مجلس شورى منتخب يحد من تغول سلطة الباي، لأنه يؤمن بأن الحكم الفردي، وإن كان عادلاً ليس سوى بوابة للظلم وتدهور الدولة وانهيار نظامها. فصدر قرار في هذا الشأن، وتولى خير الدين رئاسة المجلس بنفسه.

واستطاع خير الدين أن يدفع الأمور باتجاه إصدار وثيقة عهد الأمان الذي كان الأول عربياً وإسلامياً، فدافع عنه استعداداً لإصدار دستور 1861.

وكان أن وُجهت أعمال المجلس نحو مصلحة الباي الذي ألّب ضده عدداً كبيراً من النواب، وهو عكس ما أراده له خير الدين تماماً. يقول متحدثاً عن هذه المرارة: "لقد حاولت أن أسير بالأمور في طريق العدالة والنزاهة والإخلاص فذهب كل مسعاي سدى، ولم أشأ أن أخدع وطني الذي تبناني بتمسكي بالمناصب".

واستطاع خير الدين أن يدفع الأمور باتجاه إصدار وثيقة عهد الأمان الذي كان الأول عربياً وإسلامياً، فدافع عنه استعداداً لإصدار دستور 1861؛ فقد لعب دوراً بارزاً في إقناع الباي بقبوله. يتحدث أحمد بن أبي الضياف المصلح المعاصر له عن هذا الدور قائلاً: "لما أتممنا شرح القاعدة الأولى (من وثيقة عهد الأمان)، وهي قاعدة كل القواعد، وقرأناها على الباي في ذلك المجلس، بدرت من بعضهم بادرة يغفر الله له فيها، وهي أن قال: أيّ شيء بقي لسيدنا؟ ووافقه على ذلك بعض المتزلفين، والباي ساكت. (...) فوجمنا لهذه البادرة الباردة، فتكلم الوزير خير الدين، وكان أثبت القوم جناناً، وإن شئت قلت وأقواهم إيماناً، وقال له: يبقى لسيدنا ما بقي للسلطان عبد المجيد، وما بقي لسلطان فرنسا وسلطانة بريطانيا وغيرهم من السلاطين بالقانون".

يكشف هذا الكلام عن حدة الصراع المحتدم بين من يدفعون في اتجاه الديمقراطية والعدالة والحرية والحداثة والتقدم، وبين من يشدون الحبل إلى الوراء كي تسير القافلة عكس التاريخ.

توجت هذه المجهودات بإصدار أول دستور عربي إسلامي سنة 1861 ، وكان من أهم بنوده:

-         الالتزام بمقتضيات وثيقة عهد الأمان التي صدرت سنة 1857.

-         الفصل بين السلطات التنفيذية والتشريعية والقضائية.

-         إنشاء "المجلس الأكبر" المتكون من 60 عضواً معيّنين لمدة 5 سنوات. ومن مشمولاته وضع القوانين وتنقيحها وشرحها وتأويلها والموافقة على الأداءات ومراقبة الوزراء ودرس مشروع الميزانية.

-         إنشاء شبكة من المحاكم تباشر القضاء.

وهو عمل يعد في ذلك الزمن غير مسبوق.

المدرسة الصادقية

أسس خير الدين التونسي المدرسة الصادقية سنة 1875، لتكون أول مدرسة تونسية على أسس عصرية. كانت تقدم تعليماً حديثاً، وتؤمن دروساً في العلوم والرياضيات واللغات العربية والفرنسية والتركية، وهو ما أحدث خلخلة للنظام التعليمي الزيتوني التقليدي الذي كان سائداً آنذاك. كانت انطلاقتها بـ150 تلميذاً سيكون منهم فيما بعد رجال الدولة ومفكروها وسياسيوها. تخرجت منها أبرز الشخصيات الوطنية على غرار الأديب محمود المسعدي والحبيب بورقيبة وأحمد بن صالح وغيرهم كثير.

أقوم المسالك في معرفة أحوال الممالك

هو كتاب ضخم نشر سنة 1867، وقد كتبه خير الدين بعد ابتعاده عن السياسة، إذ مكنته فترة التأمل تلك من تدقيق النظر في حال الدولة وما آلت إليه من هوان. هو تساؤل عن "أسباب التقدم والتأخر للأمة الإسلامية" على حد عبارته.

مثّل خير الدين التونسي نجمة لامعة في تاريخ تونس والعالم العربي، لا يزال نورها يشع على اللحظة الراهنة، ينهل المفكرون من جرأته وسعة فكره ونظرته الثاقبة إلى الأشياء.

تضمّن الكتاب مقدمة وكتابين ضخمين، سجل فيه آراؤه الإصلاحية ومشاهداته للدول الأوروبية وما بلغته من تقدم ورقي. وقد استقى خير الدين كتابه وفكره الإصلاحي من روافد متعددة كتجربته الطويلة في مجال السياسة ورحلاته إلى دول عديدة دوّن مشاهداته عنها في كتابه بالتفصيل، ونهل أيضاً من ابن خلدون كما أشار محمد الحداد لذلك في تقديمه لإحدى طبعات الكتاب، ولم يدخر جهداً في الاستدلال بالحجج العقلية والنقلية بضرورة "اقتباس" كل ما يمكن أن يتقدم بالأمة الإسلامية عن أوروبا طالما لم يكن هناك مانع ديني من ذلك.

النجمة!

مثّل خير الدين التونسي نجمة لامعة في تاريخ تونس والعالم العربي، لا يزال نورها يشع على اللحظة الراهنة، ينهل المفكرون من جرأته وسعة فكره ونظرته الثاقبة إلى الأشياء. ذلك أنه وضع أسساً صلبة لمبادئ التنوير وزرع بذور القيم الإنسانية وفتح باب التقدم على مصراعيه حادّاً حداً فاصلاً قاطعاً بين من يريدون التقدم، ويؤمنون بأن التاريخ ذاهب إلى في اتجاه المستقبل بلا عودة، وبين من يشدهم حنين زائفٌ إلى ماض سحيق لا يمكن أن يعاد بأي حال من الأحوال.

التعليقات السابقة

لا يوجد تعليقات سابقة. كن أول من يقوم بالتعليق

أضف تعليقاًً

الاسم
البريد الإلكتروني
* اختياري
عنوان التعليق
التعليق