مشاريع النهضة الفكرية الحالية
02 سبتمبر (أيلول) 2014 10:00 | 0 تعليق

محمد أحمد الصغير على *
محمد أحمد الصغير على *

الحداثة والمعاصرة هما أهم ما يميز الدراسات الفلسفية الحالية، بعد أن تفتقت عقول المفكرين والفلاسفة المعاصرين، وفاضت بأحدث ما لديها من أفكار ونظريات فكرانية معاصرة.

والفرق بين المعاصرة والحالية، فرق في اختلاف مباني الحروف لا فرق في الدلالة والمعنى، وإن كانت كل مفردة من المفردتين السابقتين، يمكن الاستمداد بأدبيات الدراسات الإنسانية للتدليل على الفروق الطفيفة فيما بينها.

وكثير من المفكرين العرب في ترجماتهم لتاريخ الفكر الفلسفي الغربي الآني، يقسمونه إلى فترتين، فلدينا فترة الفلسفة المعاصرة، وفترة الفلسفة الحالية.

يستخدم المؤلفون في العادة اصطلاحات ثلاثة: الفلسفة  «الحديثة»، «المعاصرة»، و«الحالية». ويقصد المؤلفون الغربيون بالتعبير الأول فلسفتهم من 1600 إلى 1900م، وبالتعبير الثاني فلسفتهم من 1900م إلى وقت كتابتهم، والتعبير الثالث أكثر تحديداً ويدل على التيارات الفلسفية التي تكون مؤثرة بالفعل عن طريق فلاسفة أحياء وقت الكتابة.

ويقدم بعض المفكرين تفسيراً لهذا التقسيم باعتبار أن الفلسفة المعاصرة هي السائدة بينا الآن.

وبرغم التداخلات والإشكالات الكثيرة التي يثيرها هذا التقسيم، والتي يصعب معها الوقوف على أرضية صلبة للتميز ما بين الأفكار الفلسفية المعاصرة والأفكار الفلسفية الحالية، إلا أن هذا التقسيم وجد رواجاً له، لتسهيل عملية التصنيف والتحديد لدى الباحثين.

والقراءة المعاصرة لأي فكر فلسفي تستلزم استحداث آليات جديدة وتجديد النظر في مضامين هذا الفكر، لتخرج من عباءة التقليد وتستحدث آليات الإبداع اللازم لحراك الفكر، وقد تجلت هذه الصورة بوضوح أعمال الكثير من المفكرين العرب  المعاصريين أمثال: محمد عابد الجابري ومحمد أركون وحسن حنفي وطه عبدالرحمن ، وينتمي هذا الأخير إلى تيار فلسفي مرموق، بدء في النمو والانتشار بداخل جسد الثقافة الفكرانية  العربية، لنقد وتقويض دعائم الحداثة الغربية القائمة على تفكيك وتقويض دعائم العقل الإنساني، والنظر إلى الإنسان بشكل تجزيئي، قائم على الفصل بين عقله وقلبه وجسده من ناحية، وتفكيك أواصر القربى بين هذا الإنسان وبين قيمه وأخلاقه ومجتمعه من ناحية أخرى، حتى يسهل بعد ذلك إشاعة الفوضي والعدمية واللامعنى  تحت مظلة شرعية علمية منهجية تسمى الحداثة التفكيكية أو ما بعد الحداثة. 

والذي يطالع كتابات الدكتور طه عبدالرحمن، يجد أنه فيلسوف عربي من الوزن الثقيل، وصاحب تجربة حية، والذي نقصده بالتجربة عند المفكر المغربي طه عبدالرحمن هي التجربة العقلية (الروحية) في أقصى تجلياتها، والتي يجدها المنقب في أعماله الفكرية الكثيرة، متناثرة هنا وهناك. فما بين طيات كتبه وأفكاره، تكمن فكرة إبداعية رائعة، حاول الدكتور طه في مشروعه الفلسفي أن ينميها ويغذيها بعقله، وينفخ فيها من روحه، كي تترقرق هذه الفكرة، وتزدهر وتثمر يقيناً «مؤيداً» يؤسس كضمانة لقبول وحدوث المعرفة الحقة، ويتوج، ويبوء العقل الإنساني مكانة عظيمة، سلبتها منه الفلسفة الغربية المعاصرة بتياراتها الفوضوية والتفكيكية وما بعد الحداثية.

والسعي وراء الحقيقة واليقين في المعرفة كان دأب الفلاسفة منذ القدم، ابتداءً من أفلاطون الذي كان ينشدها في المعرفة الرياضية والمنطقية، ثم يترقى الإنسان صعوداً إلى أن يطلبها في معرفة المثل. وهيهات هيهات أن ينال المرء معرفةً لا يعرف مصدرها، فما المثل عند أفلاطون إلا آلهة وأصنام عقليه، لا ترقى للمشاهدة الذهنية!! ولكن من الممكن القول أن أفلاطون أصاب جزء الحقيقة، عندما أعلن أن العقل البشرى لا يرقى لخوض غمار التجربة المعرفية دون عكوفه على مران طويل وتدريب شاق باستخدام المنطق والرياضيات، حتى يتسع أفقه. ويصبح قادرا على التجريد الذهني، ليستوعب هذه المعرفة. ويسرد لنا أفلاطون تفاصيل أسطورة أهل الكهف، ليقرب الصورة أكثر إلى أذهان طلابه في الأكاديمية، وقد كان يشترط لدخول أكاديميته، شروطاً غاية في الصعوبة، فلا يدخل الأكاديمية إلا من أتقن الرياضيات والهندسة وبعض المعارف الطبيعية الأخرى، لأنه يرى في ذلك دليلاً على اتساع أفق الدارس، واستعداداً لمناقشة الأفكار الوجودية الضخمة، تمهيداً لحصول المعرفية اليقينية المفارقة لعالم المحسوسات، ومن خلال طريقة الجدل الديالكتيكي التي اخترعها أفلاطون،  يستطيع المرء أن يصعد ابتدءاً من المعرفة الظنية (المحسوسات) إلى المعرفة اليقينية (المنطقيات والرياضيات) حتى يرقى أخيراً إلى معرفة المثل أو مشاهدة الحقيقة!.

السعي وراء الحقيقة واليقين في المعرفة كان دأب الفلاسفة منذ القدم، ابتداءً من أفلاطون الذي كان ينشدها في المعرفة الرياضية والمنطقية

وبمعزل عن استخدام منهجية أفلاطون الدياليكتيكية، لا يستطيع المرء أن يدرك العوالم المفارقة لعالم الحس(الظن)، هذه المنهجية برأيي تشبه مع الفارق الكبير المنهجية التي وضعها المفكر المغربي المعاصر د.طه عبدالرحمن والتي يستطيع من خلالها أن يميز ما بين العقلانية المجردة، والعقلانية المسددة، والعقلانية المؤيدة، فالأولى أدنى درجة من التي تليها.

ويكون العقل المؤيد هو الصورة الأكمل والأفضل لديه لإدراك المعرفة وبلوغ الحقيقة إلى حد كبير، بعد أن فارق محدوديته ونفعيته وأضحى عقلاً مؤيداً خالصاً قادراً على استيعاب التجربة الإنسانية في سموها وبلوغ اليقين الذي هو أعلى درجات الحقيقة في شقها الإيجابي.

وبنظرة بانورامية/عامة على المشروع الطاهائي يتبين لنا أنه مشروع إبداعي فلسفي حداثي حاول الخروج من عباءة التبعية والتقليد إلى فضاءات الإبداع والتنوير، مستعيناً في ذلك بنظرة تجديدية حداثية، ونظرية تقويمية تكاملية، ونقد منهجي لنموذج الحداثة الغربية، وهذا ما جعل المشروع الفلسفي الطاهائي، جديراً  بالنظر والاعتبار لدى الباحثين العرب. ورسخ وأسس لاتجاه جديد من الجيل الصاعد من مفكرين يمكنهم الاعتماد على هذه المرجعيات الفكرية والتعويل عليها، بعد أن خفت نجم المرجعيات الحداثية، التي تقدم نظرية تجزيئية للعقل والتراث والحداثة على حساب المنطق والمنهجية. 

وسوف تشهد السنين القادمة صعوداً هائلاً لنجم هذا الفيلسوف العربي على الصعيد العالمي، لما في أفكاره من تجربة روحانية عميقة، تعالج خواء الأرواح والأنفس، بعد أن طغت عليها المادية الغربية في حقبتنا المعاصرة. 

 

* باحث أكاديمي مصري مقيم بالكويت متخصص في الفكر العربي المعاصر

 

التعليقات السابقة

لا يوجد تعليقات سابقة. كن أول من يقوم بالتعليق

أضف تعليقاًً

الاسم
البريد الإلكتروني
* اختياري
عنوان التعليق
التعليق