جوسلين دخليّة وإعادة تحديد معالم منطقة البحر الأبيض المتوّسط
25 اغسطس 2015 | 0 تعليق
قالت المؤرخة التونسية جوسلين دخلية أنّ دراسة الأنماط تسمح بمساءلة الاتّساق الثقافي في مجمله، وكذلك حدوده، مبينة أن تلك الدراسة يجب أن تتمّ على مستويات ومقامات مختلفة، فهي تسمح، بمقاربة المعيار، فكتب نصائح الملوك، في جميع أنحاء العالم الإسلامي ومن العصور الوسطى إلى القرن التاسع عشر، على سبيل المثال، تُرسي معايير الحكم السلطاني الرشيد، وتكرّس ممارسة ملموسة للسلطة الملكيّة.
وبينت دخلية، في حوار ترجمه الباحث والمترجم محمد الحاج سالم ونشر على موقع مؤسسة "مؤمنون بلا حدود للدراسات والأبحاث" أن التأريخ للإمبراطوريّة العثمانيّة شكك بقوّة في فكرة انحدار العالم الإسلامي، وهي فكرة ما تزال شائعة حتّى الآن على نطاق واسع بين عامّة الناس، بسبب تأثير كتابات برنارد لويس في جزء كبير منها، فوفقاً لهذه الفكرة، إذا كان العالم الإسلامي قد تعرّض إلى حدّ كبير إلى الاستعمار، فإنّ ذلك يعود إلى أنّه كان قد وهن ومات، ولم يقدر على تجاوز منعطف الحداثة، وفشل في التطلّع نحو أوروبّا، ولم يكن له فضول تجاه الآخر، ولم يتعلّم لغات أوروبّا. غير أن المؤرخة تقول: إن هذه نقطة، يمكن تفنيدها تماماً، مبينة أنّنا إزاء تغيّر كامل للنموذج، يتّجه نحو شكل من أشكال تكافؤ التواريخ، وهو ما تريد دخلية المشاركة فيه والدفاع عنه، وإثباته في مشروعها.
تمثل خيالي للحريم
وتشير المؤرخة فيما يتعلّق بعملها الخاصّ، أنها تجاوزت المقاربة العامّة جدّاً للأماكن العامّة كما في كتابها "ديوان الملوك"، واتّبعت مقاربة أكثر واقعيّة بشأن الأزمات السياسيّة في كتابها "إمبراطوريّة الأهواء".
وحول الصور السلبيّة العنيدة بخصوص "الاستبداد الشرقي أو عدم توافق الإسلام مع الديمقراطيّة"، تبين دخليّة من خلال التحقيق التاريخي حول أشكال السلطة في المجتمعات الإسلاميّة والمنطق الذي ينتظمها مدى "شطط هذه الرؤية الفقيرة معرفيّاً وغير المتوائمة مع حقائق التاريخ"، منوهة إلى أنها تقوم من خلال عملها الغزير، الممتدّ من البلاطات السلطانيّة في العصور الوسطى إلى تونس الحديثة، بإعادة تحديد معالم منطقة البحر الأبيض المتوّسط، داعية من خلال ذلك إلى التفكير بشكل مختلف في تاريخ أوروبّا نفسه.
المؤرخة، التي تعمل حاليّاً مديرة للبحوث في مدرسة الدراسات العليا للعلوم الاجتماعيّة بباريس، وهي مختصّة في تاريخ العالم الإسلامي ومنطقة البحر المتوسّط، ولها عديد الأعمال المهمّة المنشورة في هذا الصدد، تعتبر كتابها حول الحريم السلطاني، بمثابة الجزء الثالث من هذه السلسلة، إذ تخوض فيه في تفاصيل سلالة حاكمة، أو تقليد سلطاني على الأقلّ، في سياق وطني محدّد، هو المغرب الأقصى، بهدف دراسة تفاصيل العهود وممارسات السلطة نفسها، وصولاً إلى بعدها النوعي الاجتماعي.
وأوضحت أن اهتمامها بالمغرب الأقصى يأتي لأنّه موضع، كما غيره، لتمثّل خيالي للحريم ولاستشراق خاصّ بمسألة الحريم. لكنّه أيضاً موضع مثير للاهتمام بوجه خاصّ، لأنّه كان بلداً يحتلّ في السابق مكاناً مهمّاً في تمثيل الاستبداد الشرقي، وفق قولها.
ولفتت المؤرخة إلى أن التفكير في الاستشراق يعطي عادة مكانة مركزيّة للإمبراطورية العثمانيّة ولفارس. ولكنّنا ننسى أنّه يوجد كذلك، بالنسبة إلى رجال العصر الحديث ونسائه، قطب آخر للسلطة الاستبداديّة، وهو المغرب الأقصى الحاضر بقوّة خاصّة في الاستشراق الإنكليزي. ومن هنا تحاول دخلية فهم نوعيّة التبادل الذي كان موجوداً مع أوروبّا بخصوص النماذج السياسيّة التي كانت قائمة آنذاك؛ فالمغرب الأقصى بلد مثير بخصوص هذه النقطة، لأنّه في تفاعل قويّ جدّاً؛ سلمي أو نزاعي- مع أوروبّا، والحال أنّ صورته اليوم هي صورة بلد شديد الانكماش على نفسه ومنغلق داخل خصوصيّاته، تماماً كما كان اليابان في إحدى لحظات القرن التاسع عشر.
إذن، هذه فرصة، بحسب المؤرخة، لمعرفة ما ينتقل من مجتمع إلى آخر، ومن أحد جانبي عالم البحر المتوسّط إلى الجانب الآخر، في ما يتعلّق بالتمثّلات السياسيّة.
الثقافة السلطانية
وعن العلاقة بين الدين والسياسة تشير المؤرخة إلى أن البعض يرى أنّه لا بدّ من فرض استقلال السياسة بذاتها تدريجيّاً، في حين أنّنا نجد في الأدب السلطاني أشكالاً من الاستقلال الذاتي للسياسي في المجتمعات الإسلاميّة منذ القرن الثامن أو التاسع للميلاد.
وتتابع دخلية حديثها لقد كانت أرضيّة الاستقلال الذاتي للسياسي بالفعل موجودة، ويكفي إبرازها وإعادة الشرعيّة إليها، لافتة إلى أن المشكلة هي أنّه نُظر إلى مجمل السلالات الحاكمة الإسلاميّة الكبيرة تقريباً في القرن العشرين على أنّها "المسؤولة إمّا عن الإفلاس المالي، أو عن التواطؤ مع المستعمرين".
لقد طرح المفكّرون الإصلاحيّون لعصر النهضة، الحاجة إلى إصلاح أساسي عميق في العالم الإسلامي لمقاومة الضغوط الاستعماريّة الغربيّة، إلاّ أنّ المشكلة التي سادت تاريخيّاً داخل هذه التيّارات، وفق المؤرخة، كانت تغريب القانون والنماذج السياسيّة..، ونتج عن هذا أن تمّ تناسي المبادئ السياسيّة مثل؛ العدالة وإعادة التوزيع، على سبيل المثال، والتي كانت أساس الحكمة العلمانيّة والدنيويّة التي كانت تسمّى: الثقافة السلطانيّة، والتي وصفتها دخلية بـ "النخبوية".
لقراءة الحوار كاملاً انقر هنا
http://goo.gl/rmJsBv
التعليقات السابقة
لا يوجد تعليقات سابقة. كن أول من يقوم بالتعليق
أضف تعليقاًً
* اختياري

