البنية الذهنية للحريم في حفريات فاطمة المرنيسي
03 فبراير 2015 | 0 تعليق
فاطمة المرنيسي (-أرشيفية)
تَتَبَّع دراسةٌ حديثةٌ صادرة ضمن منشورات "مؤسسة مؤمنون بلا حدود للدراسات والأبحاث" بقسم الفلسفة والعلوم الإنسانية للباحث المغربي عبدالرحمن علال خيوط مفهوم الحريم في كتابات الباحثة والأكاديمية المغربية فاطمة المرنيسي، في محاولة للإمساك بخيط من خيوطه أو إدراك قانون من قوانينه الناظمة.
وتحاول الدراسة، التي جاءت بعنوان "البنية الذهنية للحريم في حفريات فاطمة المرنيسي"، إلقاء الضوء على الحفريات العميقة التي قامت بها الباحثة في بنية الحريم الذهنية، بحثاً في أصوله التاريخية وامتداداته المعاصرة، قصد تفكيك الخطاطة الثقافية للحريم كما هي واردة في متون المرنيسي، بكل ما تتسم به من استنطاق معرفي للأنا والآخر، ومساءلة للذات والغير، ونقد للبنى الحاضنة له هنا وهناك بصرامة علمية ورصانة أدبية.
وحظي موضوع الحريم، وفق الباحث، باهتمامٍ بالغٍ ضمن خريطة الانشغالات العلمية والأكاديمية للسوسيولوجيّة المرنيسي، إلى درجة بات معها ذكر مفهوم الحريم متبوعًا باستدعاء اسم فاطمة المرنيسي التي راكمت فيه أبحاثًا مشهودًا لها بالعلمية والسبق والجدية.
ويوضح عبدالرحمن علال أن فهم منطق اشتغال دينامية الحريم يتطلب تحديد معناه كما استقر في الشرق من خلال الحفريات التي قامت بها فاطمة المرنيسي على امتداد مسارها البحثي، ثم بعد ذلك البحث في كيفيات انتقال هذا المفهوم إلى الغرب، والدلالات التي اكتسبها، حيث بذلت الباحثة مجهوداً في تحديد مرجعيات تشكل نظرة الغرب إلى الحريم ومن خلاله إلى المرأة الشرقية، وهذا ما يهم المرنيسي تحديداً.
ويتابع الباحث أن حفريات المرنيسي تفاجئنا من خلال حصادها حول الحريم عندما وقفت على ذلك الكم الكبير من الصور النمطية والأفكار المسبقة حول المرأة الشرقية، إذ حصرتها في ثلاثية لا تخرج عن: الجنس والمتعة والاستعباد، في نفي تامٍ لأي قدرات عقلية أو مواهب، كما هو الشأن مع شهرزاد في محكيات "ألف ليلة وليلة" التي طبعت الفكر الإنساني بكل ما هو جميل من تحدٍ ومغامرة وجرأة قلّ نظيرها، لتتعرض للتشويه بمجرد أن وطئت قدماها الغرب ابتداءً من القرن الثامن عشر.
الحريم التاريخي والمتوهم
ترى المرنيسي، وفق الباحث، أن بنية الحريم تحيل إلى "مفهوم مكاني"، مؤكدة أنَّ هندسته المعمارية تتوزّع في قسمين اثنين: فضاء داخلي أنثوي مستتر ومحرّم على كل الرجال ما عدا السيّد، وفضاء خارجي مفتوح على كل الرجال ما عدا النساء. وتؤكد، في عموم منجزها المعرفي الذي راكمته حول مفهوم الحريم، أن فيه التاريخي وفيه المتوهم أو المتخيّل؛ وذلك لأن كثيرًا مما قيلَ أو كتب عنه، سواء في الشرق أم في الغرب، مليء بالمتخيل البعيد أحيانًا عن الواقع التاريخي، كما رصدته المصادر التاريخية الكبرى أو كما نقله الفن التصويري.
وتشير الدراسة إلى أن المرنيسي توضح أن الحريم في الغرب "متوهم تعرّض للتشويه من طرف فنانين وكتّاب". أما الحريم الشرقي، فوقع تاريخيًا واستمر إلى عهد قريب، قبل أن يفكك نهائيا في العقد الأول من القرن الماضي خلال حكم الإمبراطورية العثمانية في عهد السلطان عبد الحميد الثاني، ويستمر فيما بعد في شكله العائلي.
الحريم في ذهنية الغربي
تقدم فاطمة المرنيسي، بحسب عبدالرحمن علال، أسئلة مربِكة ومركّبة وحارقة خلال حفرها عن الحريم في ذهنية الرجل الغربي، كيف فهِم الحريم ابتداءً وكيف تمثله انتهاءً في رسوماته؟ ثم كيف أوصله عبر اللوحة إلى الجمهور الغربي العريض المشبع بثقافة الفن؟
وتشير الدراسة إلى أن الحريم ليس معطىً شرقيًا خالصًا؛ فللغرب حريمه الخاص كذلك، وهو ما ظل يشغلُ بال فاطمة المرنيسي وفكرها فترةً طويلة. تتحدد مرجعيات الحريم الغربي ومصادره الأساسية في الفن، باعتباره البوابة التي اطّلع من خلالها الغربيون على الحريم الشرقي أولاً، ومن ثم أصبح لهم حريمهم الخاص.
ويلفت الباحث إلى أن المرنيسي ترى، من خلال المقارنات التي عقدتها في مؤلفاتها المختلفة حول الحريم، أنه في الوقت الذي عرف فيه العالم العربي نماذج نسائية رائدة في مجالات متعددة مثل: التدريس في الجامعة، وولوج المحاماة، وقيادة الطائرة...إلخ، كان الفن الغربي يصر على تصوير النساء في أكثر الوضعيات ضعفًا وخنوعًا واستسلامًا ولامبالاةً.
الحريم العائلي والحريم الإمبراطوري
وتميّز المرنيسي، وفق الباحث، بين الحريم المنزلي أو العائلي وبين الحريم الإمبراطوري أو التاريخي؛ لأنه بمجرد الحديث عن الحريم تتسارع إلى الذهن صورٌ وحكاياتٌ تجدها أقرب إلى الخيال منها إلى ما أكدته المعطيات التاريخية.
ويقوم الحريم عند المرنيسي على ثلاث دعامات أساسية، كما أورد علال، هي: مبدأ الفصل: يحيل هذا المبدأ على إحدى أهم خصائص الحريم المتجلية في بُعده المكاني، ومعه يكون الفصل أيضًا مكانيًا من خلال فصل مجال الرجال عن مجال النساء، ثم الفصل بين "الداخل" الذي هو المكان الطبيعي للنساء تبعاً لمنطق الحريم، و"الخارج"، باعتباره الفضاء الأنسب للرجال.
أما مبدأ التمييز فتورد المرنيسي مؤشراً على ذلك عندما تقول: "يتحلق الرجال (منطق الأسبقية دائمًا) حول المائدة الأولى. أما الثانية، فمخصصة للنساء ذوات الامتياز، في حين كانت الثالثة من أجل الأطفال والنساء الأقل أهمية... أما المائدة الرابعة، فمخصصة للخدم وللمتأخرين دون اعتبار للسن أو الجنس أو المكانة.
وفيما يتعلق بالدعامة الثالثة وهي النظام السائد في الحريم، فتشير المرنيسي، بحسب الدراسة، إلى أنه لا يمكن تصور الحريم دون قانون ينظم حركة السير في مجاله الجغرافي.
الحدود و"اللامرئي".. وشهرزاد في الغرب
ويوضح علال أن المرنيسي تربط ربطًا وثيقًا بين الحريم والحدود، إذ إن استدعاء الحريم يكون مرتبطًا باستدعاء سلسلة لا تنتهي من الحدود والموانع والإجراءات والشروط والاستشارات الضرورية القبلية.
وتعتبر المرنيسي، بحسب الدراسة، أن الحريم اللامرئي يعني كل الإجراءات التي تحرم المرأة من الارتقاء الاجتماعي والتوفر على قدم المساواة مع الرجل على الامتيازات نفسها. إنَّ الحريم اللامرئي عنف آخر ضد المرأة، منوهة إلى أنه يتشكل من غير أسوار أو حيطان؛ فهو حريم ذهني يتكوّن من مجموع التصورات القبليّة عن المرأة وكل المبادرات التي تروم تقويض دورها في المجتمع وكبح حركتها وديناميتها، وكل القوانين والنظم ذات الصلة التي يكون غرضها حرمان المرأة من المساواة المستحقة في الفرص والإمكانات والحظوظ.
ويقول الباحث علال إن المرنيسي ومن خلال أبحاثها ترى أن شهرزاد تعرضت إلى أبشع تشويه لَحِق صورتها على امتداد التاريخ. ويتضح ذلك التشويه من خلال نماذج اختزلتها في صورة راقصة أو امرأة عارية نفت عنها أية صفة مرتبطة بالذكاء أو سرعة البديهة أو قيمة العقل الذي عرفت به.
الحريم ونقد الحجاب المؤسساتي
ويرى علال أن السوسيولوجية فاطمة المرنيسي استطاعت، من خلال أبحاثها التي خصصتها لموضوعة الحريم، أن تبلور مفهومًا مركزيًا يحمل دلالات قوية إنه الحجاب المؤسساتي، مؤكدة أن عام 1909 يشكل تاريخا فارقا ومنعطفًا مهمًا في التاريخ العثماني وتاريخ المجتمعات الإسلامية عمومًا، من خلال الإحالة إلى العام الذي ألغي فيه الحريم، وتشتت محظيات السلطان عبد الحميد الثاني، بما يحمل ذلك من إشارات رفع الحجر على النساء.
وتشدد المرنيسي، كما يقول الباحث، على أن منطق الانتماء إلى الحريم يفرض الحجاب بالضرورة على كل اللائي يخرقن الحدود، ويجدن أنفسهن في الجانب الآخر، جانب المسرح الخليفي؛ لأن الحجاب يرتبط بالمسرح والتقاليد، وهو في ذلك أكثر مدعاة للاضطراب من الغياب أو الموت، لأن الأمر يتعلق بالوجود.
لقراءة رابط الدراسة كاملة على الموقع الإلكتروني لـ"مؤسسة مؤمنون بلا حدود للدراسات والأبحاث"، انقر هنا:
التعليقات السابقة
لا يوجد تعليقات سابقة. كن أول من يقوم بالتعليق
أضف تعليقاًً
* اختياري


