إبراهيم نصرالله لـ "ذوات": بالكتابة نُعيد بناء الحياة والعالم من جديد
14 اغسطس 2015 | 0 تعليق

إبراهيم نصر الله – (ذوات)
حاوره: موسى برهومة *

بعد نشره حتى الآن 14 ديواناً شعرياً و 14 رواية من ضمنها مشروعه الروائي "الملهاة الفلسطينية" المكون من ثماني روايات تغطي 250 عاماً من تاريخ فلسطين الحديث، ما يزال الشاعر والروائي إبراهيم نصرالله يؤمن بأن للكتابة تأثيرها القوي الذي يتحول إلى وعي. كما أنه ينظر إلى الرواية التي يزاول كتابتها إلى جانب الشعر، ومجاورة الرسم والتصوير والكتابة السينمائية، على أنها أصدق إنباء من فنون كثيرة، لأنها قادرة على إعادة بناء الحياة والعالم من جديد.

إبراهيم نصر الله  من مواليد عمّان عام 1954 من أبوين فلسطينيين اقتُلعا من أرضهما عام 1948، عاش طفولته وشبابه في مخيم الوحدات للاجئين الفلسطينيين في عمّان بالأردن.

بدأ حياته العملية معلماً في المملكة العربية السعودية، عاد إلى عمّان وعمل في الصحافة، ومؤسسة عبد الحميد شومان، وتفرغ للكتابة عام 2006. نشر حتى الآن 14 ديواناً شعرياً و 14 رواية.

ترجمت له أربع روايات وديوان شعر إلى الإنجليزية من بينها "زمن الخيول البيضاء" و "قناديل ملك الجليل"، والتي وصلت إلى القائمة القصيرة للجائزة العالمية للرواية العربية 2009، وثلاثة كتب إلى الإيطالية. كما ترجمت له رواية إلى الدنماركية وأخرى للتركية.

ونصرالله إلى ذلك، رسام ومصور، وقد أقام أربعة معارض فردية في التصوير. نال نصرالله 8 جوائز، من بينها جائزة سلطان العويس المرموقة للشعر العربي عام 1997؛ واختيرت روايته "براري الحُمّى" من قبل صحيفة "الغارديان" البريطانية كواحدة من أهم عشر روايات كتبها عرب أو أجانب عن العالم العربي. ونال عام 2012 جائزة القدس للثقافة والإبداع التي تمنح لأول مرة تقديراً لأعماله الأدبية.

في كانون الثاني (يناير) 2014 تطوّع للصعود إلى قمة كليمنجارو بمرافقة، أطفال فلسطينيين فقدوا سيقانهم بسبب قوات الاحتلال الصهيونية، ووصلوا القمة، وقد كتب رواية عن هذه التجربة بعنوان "أرواح كليمنجارو" تصدر بالعربية والإنجليزية بعد أشهر عن دار بلومزبري بلندن.

"ذوات" التقت نصرالله، فكان هذا الحوار:

*ما برحتَ في كتاباتك، وبخاصة الروائية تسعى إلى بناء رواية المأساة الفلسطينية، بما يناقض الرواية الصهيونية ويهدّمها، هل تحتمل الرواية كجنس أدبي هذا العبء؟!

- أعتقد أن جمالنا في كل شيء، هو ما يشكل باستمرار النقض الحقيقي للرواية الصهيونية. ربما يكتب كاتب ما في بقعة ما من هذا العالم، لأنه يحب الكتابة أو يحب الانتشار، أو يريد إيصال رسالة ما، لكن الكتابة لدينا هي فعل وجود، أي إننا بها نستطيع القول إننا هنا. الزعيمة الصهيونية غولدا مائير، كانت تقول: لو كان الفلسطينيون شعبا، لكان لهم أدب! فعدوك يتكئ على حجة عدم وجود أدب لا ليقول إننا شعب متخلف مثلاً، بل ليقول إننا لسنا شعبا، أي ليس لنا وجود.

يستطيع الشعراء وكتّاب القصة، الرسامون والسينمائيون والفنانون، والباحثون والمؤرخون، كلهم نقض الرواية الصهيونية، والرواية كذلك. تعرف أن مشكلتنا كانت في عدم وجود نصوص روائية تعيد بناء الزمن الفلسطيني الذي مضى، ومحاورة انعطافاته وتحولاته، وقد رأيت أن عليّ محاورة هذه المساحة بأعمال متعددة، يحظى كل منها باستقلاله، ولكنه يشكل جزءاً من أجزاء مشروع الملهاة الفلسطينية.

الآن بعد ثلاثين سنة من العمل على هذا المشروع الروائي، أرى أن أثره كان أفضل بكثير مما كنت أتوقع، على مستوى القراءة العريضة له سواء في فلسطين أو خارجها.

حين نزرع بذورنا، لا نستطيع أن نعرف عدد الثمار التي ستعطيها، ولكننا نزرعها، وهكذا الأمر في الكتابة. وفي ظني أن الرواية أصدق إنباء من فنون كثيرة، لأنها قادرة على إعادة بناء الحياة والعالم من جديد، وفوق ذلك كله قادرة على اختراق الوعي بصورة مذهلة في تأثيرها.

جدوى الترجمة

*ترجمت أعمالك إلى العديد من لغات العالم. ماذا أضاف لك هذا. هل تعتقد بجدوى الترجمة. هل تؤثر في متلقين من خارج الفضاء الثقافي الذي تتصدى لعطبه وزلازله التي لا تتوقف؟

- كما تؤثر فينا أعمال قادمة من وراء المحيطات ومن أمامها، تؤثر كتابتنا في البشر الذين يتم ترجمتها إلى لغاتهم. لقد كتبت الكثير عن هذا في كتابي (السيرة الطائرة)؛ أي علاقة نصِّنا بالعالم، ومن خلال التعامل المباشر معه. لقد سافرت كثيراً لتوقيع هذه الكتب وتقديمها ومناقشتها، إنها ببساطة مثل أي كتب أخرى في العلاقة التي تنشأ بينها وبين قارئها، وقد تكون أكثر تأثيراً، لدى بعض القراء الأجانب، في بعض الأحيان من تأثيرها في القارئ العربي.

الآن بعد ستة كتب صدرت لي بالإنجليزية، واثنين تمت ترجمتهما، وفي طريقهما إلى النشر - بالإضافة إلى لغات أخرى- أحس أن الأمر أصبح أفضل، فحين يترجم نص عربي إلى أي لغة، فإن ذلك يعني أن البشر في هذه اللغات بحاجة لجمالنا، كما كنا دائماً ولم نزل بحاجة دائمة لجمالهم.

*المأساة الفلسطينية ما انفكت تتوالى فصولها. هل في ذلك تحريض لك لمواصلة بناء "ملهاة" موازية؟!

- في الحقيقة هناك مشاريع روايات أجهز لها منذ سنوات، وكل ما يلزمني هو الوقت لكتابتها، كما أن هناك ملهاة موازية للملهاة الفلسطينية تتكثف في مشروع (الشرفات) وصدرت منه خمس روايات، فقد كان لا بد من محاورة الوجه العربي في الملهاة الفلسطينية، وأعني هنا النظام العربي والواقع العربي وأثره في تدمير حياتنا كبشر، وسعيه المستمر لتجريدنا من كل ما يمت للعدالة والكرامة والمستقبل.

هناك دفق كبير من الحياة والموت في حياتنا الفلسطينية، ولا يستطيع الإنسان أن يعبّر عن ذلك كله، ولكن من الممكن أن يجتهد للتعبير عما هو أهم وأكثر إلحاحاً وإقلاقاً له.

التخفف من القضية الفلسطينية

*لماذا لم تنقل أعمالك إلى الدراما التلفزيونية، أو السينما، علماً بأنك تؤرخ لأدق تفاصيل "المحرقة الفلسطينية"؟

- المشكلة، أننا نعيش في السنوات العشر الأخيرة، ظاهرة التخفف من القضية الفلسطينية عربياً، على مستوى الأنظمة، وهناك محاولات مدروسة أيضا لشيطنة الفلسطيني لإيجاد العذر في التخفف من قضيه.

والفضائيات العربية بعضها يعاني من ضيق الإمكانيات، لكنّ نواياها حسنة، وبعضها لا يكون الإنتاج التلفزيوني خارج اختصاصها. أما الفضائيات الكبرى، فقد ثبت لنا بالدليل، أنها لا تريد شيئاً حقيقياً عن فلسطين، قليلة جداً هي المنابر الفضائية التي يمكن أن تتصدى لإنتاج أعمال ضخمة عن فلسطين لارتباط مموليها بحسابات سياسية خفية أو معلنة. وليس هناك تجربة أوضح من تجربتنا مع رواية (زمن الخيول البيضاء) فقد عشنا تفاصيلها الغريبة جميعاً حين تقرر تحويلها إلى مسلسل: الكاتب والمنتج والمخرج الذي كان قد تم الاتفاق معه على إخراجها.

أعتقد أن هذا الأمر سيستمر، مع هذا الواقع العربي الكابوسي، بل وسيتضاعف في السنوات المقبلة للأسف.

*هل ما تزال مفتوناً بالأفكار الكبرى، تلك الأفكار التي رافقت بداياتك والمتصلة بتغيير العالم. هل تراجعت تلك التصورات الحالمة، بعدما انهارت عمارات الأيديولوجيا والأحلام؟

- في اعتقادي أن الأفكار الكبرى هي خلاصة ما وصل إليه الفكر البشري. ولم أزل أؤمن أن للكتابات تأثيرها القوي، هذا التأثير الذي يتحول إلى وعي، ونحن عشنا ونعيش ذلك كقراء ومشاهدين للفنون، والوعي في النهاية هو محور التغيير، والثورات التي تندلع هنا أو هناك في هذا العالم تنطلق من الوعي، قد لا يكون الوعي القائم في هذا العمل الأدبي أو الفني أو ذاك، مع أن هذا حدث أيضاً، ولكن من مجمل ما رسّخته هذه الأعمال في البشر من وعي جمالي وإنساني.

من خلال تجربتي مع القراء، الذين أصبح التواصل معهم أيسر بكثير مما في الماضي، أقول لقد انهارت إمبراطوريات ودول وأحزاب، لكن الفن والأدب مستمران، بل إن أثرهما يتسع، ويمكن أن نلاحظ التطور الكبير في حجم القراءة عربياً في السنوات السبع الماضية. هذا رغم الواقع الصعب الذي يعيشه الإنسان العربي، ولا يساعد على وصول الكتاب إليه بيسر، إما بسبب الوضع السائد في البلد، أو بسبب القوة الشرائية. وهذا يشمل دولاً مثل مصر، السودان، ليبيا، سوريا، اليمن، العراق، ولنا أن نتخيّل كم كان يمكن أن يكون وضع الكتاب أفضل لو أن الدول العربية بكامل عافيتها!

*في زمن اختلاط الأوراق والأنساب وتزييف الحقائق والولاءات والمعايير والأحكام. هل ما تزال حساساً تجاه نكايات المثقفين، وحماستهم الزائفة. هل ما تزال أوصاف مثل "الكبير" و"العظيم" و"المبدع" و"الأول" و"الأهم"....إلخ تثير حفيظتك. وما سر هذا النفاق الثقافي المستشري؟!

- ما يزعجني دائماً أن أقل ثمن تدفعه الأنظمة العربية هو ذلك الثمن الذي تدفعه لشراء المثقفين. يزعجني كثيراً أن يصغر البشر، سواء على مستوى ارتهانهم، أو على مستوى علاقات التناحر القائمة بينهم. هناك سعي كبير لنفي الآخرين وإقصائهم. وقد أفرز ربع القرن الأخير ظواهر غريبة، وأظن أن لا شبيه لها عالمياً، فقد بتنا نرى كتاباً قد أصبحوا صورة لصور الزعيم العربي، بحيث أصبح بإمكاننا القول: هناك نظام سياسي عربي، وهناك نظام ثقافي عربي، وأصبحنا نجد لهذا الكاتب أو ذاك وزارة إعلامه وجنوده والناطقون باسمه، ومؤسسته الخاصة المقتصرة على حوارييه وأتباعه، التي وضعت قوانين قاسية حول إطالة اللسان، وغدا هؤلاء الكبار سعداء بوجود أتباع ومقدمي خدمات صغيرة، لا بوجود أنداد ومحاورين، مثل أي زعيم. وللأسف دائماً نجد أن هناك من يفرحون بأداء أدوار الكومبارس، فقط لأن الدور يتيح لهم أن يقولوا في الصباح التالي إننا رأينا فلاناً أو سهرنا معه.

سر النفاق المستشري قائم في وجود قوة مالية وثقافية مسيطرة، ووجود محتاجين، سواء للزهو أو للقمة العيش.

ظل محمود درويش

*يقولون إن رحيل محمود درويش خلّص إبراهيم نصرالله وسواه من عقدة نفسية كبيرة؟ هل هذا دقيق. ولماذا لم تكن علاقتك مع درويش دافئة؟!

- كتابة محمود درويش هي جزء من كتابات عربية وعالمية كبيرة، تماما مثل كتابات ماركيز وأكتافيو باث وديستويفسكي وكنفاني ....، وكل هذه الكتابات تتحداك ككاتب، كما كانت تتحدى محمود نفسه، وكما كان كاوباتا يتحدى ماركيز، وهذا أمر رائع، وكشاعر وروائي كنت أرى دائماً أن الملعب الذي عليّ أن أتحرك فيه كبير وليس ملعب فلسطين وأدبها فقط. وأعرف أن هناك تجارب لأسماء أقل شهرة يمكن أن تتحداني وكانت تتحدى محمود نفسه، وهذا أمر مهم لأي كاتب: أن لا يركن لأي شيء حققه، لأن كل كاتب هو جزء من حركة الأدب في العالم، ولم يوجد بعد الكاتب الذي يمكن أن نتجرأ ونقول إنه أدب العالم، ففي هذه الحالة نكون فاقدين للبصر والبصيرة معاً. فكل منا، كما قال كارلوس فوينتس ذات يوم، يكتب فصلاً من كتاب الأدب، لقد كتب درويش (لماذا تركت الحصان وحيداً) و (أثر الفراشة) وهو ما لم يكتبه غسان كنفاني أو أكتبه، وكتب كنفاني (رجال في الشمس) و (أرض البرتقال الحزين) وهذا ما لم يكتبه درويش أو أكتبه، وكتب محمود شقير (صورة شاكيرا) و (ابنة خالتي غوندليزا)، وهو ما لم نكتبه نحن، وكتبتُ (الحوار الأخير قبل مقتل العصفور بدقائق) و (قناديل ملك الجليل) وهذا ما لم يكتبه غسان ودرويش وشقير.. هذا هو جوهر الكتابة.

إن أشد ما أتمناه الآن لو أن محموداً وسواه من كتابنا الكبار على قيد الحياة، لأننا إن لم نفكر بهذه الطريقة نكون بشكل أو بآخر قتلة. كما أننا ببساطة يمكن أن نرى اليوم أن موته كان أكبر مأزق لأولئك الذين اعتقدوا أنهم سيحتلون مكانه فور رحيله، لأنهم بعد سبع سنين لم يزالوا في أمكنتهم نفسها.

لقد رحل محمود، ورحيله خسارة كبيرة للثقافة الفلسطينية والعربية لأنه رحل في عز عطائه، ولكن أفضل ما فيه، وأعني شعره، لم يرحل معه، بل هو مستمر. المسألة في الأدب لا تقوم على أن يرث ولي العهد كرسي الحكم! المسألة معقدة، وأسذج الكتّاب هم من يفكرون كذلك. ولذا لن يستطيع أي شخص أن يحتل مكان محمود أو غسان كنفاني أو جبرا إبراهيم جبرا، أو إميل حبيبي، أو إبراهيم طوقان.... المسألة في ظني أن كل كاتب يؤسس مملكته الخاصة به، وهذه المملكة لا حدود مادية لها ليتم اجتياحها من كاتب آخر لمجرد أن مؤسسها مات، وأن من نصّب نفسه (وارثاً) لم يزل بعد على قيد الحياة. فالورثة دائماً هو أكثر الكائنات قبحاً إذا كان الشيء الوحيد الذي يوصلهم إلى غاياتهم هو موت الآخرين.

لقد بقيت على علاقة طيبة مع محمود، وإن لم تكن مثالية، هي أقرب إلى علاقات الزملاء أكثر منها لعلاقات الأصدقاء، وقد كتبت في حياته ما كنت أظن أن عليّ أن أكتبه، وهو لم يحتمل ذلك، وهكذا ما شكل صورة العلاقة فيما بعد.

لكني أحب أن أقول: هناك أوجه كثيرة لكل واحد منا، وحين نتحدث عن مبدع، أي مبدع، فإن الشيء الأخير الذي يبقى لنا منه، هو إبداعه، ولا يمكننا التخلي عن هذا الإبداع، أما الجوانب الأخرى في شخصية محمود أو أي واحد منا ككتاب، على المستوى السياسي والإنساني والثقافي وأدوارنا التي لعبناها بقصد أو من دون قصد أو بتغافل، فهي بالتأكيد مجال واسع للنقاش والبحث والمساءلة أيضاً.

فك الاشتباك بين الرواية والشعر

*تتنازعك كتابتان ملحاحتان. الرواية والشعر. كيف تفضّ الاشتباك بينهما. ولماذا لديّ إحساس أنك أكثر إنصافاً لكتابة الرواية من كتابتك الشعر؟!

- أنت تعرف أي وضع وصل إليه الشعر في العشرين سنة الأخيرة، ومنذ زمن أعمل على كل مجموعة شعرية باعتبارها عملاً شعرياً، ولا أحب تلك المجموعات التي كلما كتب الشاعر عشرين قصيدة نشرها. آخر مجموعتين لي كانتا: "لو أنني كنت مايسترو" 2009، و"على خيط نور هنا بين ليلين" عام 2013، وأظنهما من أفضل ما كتبت في حياتي، إضافة إلى كونهما تضمّان قصائد أكثر من تلك التي ضمتها مجموعاتي الخمس الأولى.

ليس المهم أن تكتب نصاً، المهم ما الذي يمكن أن يمثله هذا النص، وأنا سعيد أن هاتين المجموعتين يُعاد طبعهما باستمرار، كما حظيتا باهتمام نوعي على المستوى النقدي وهذا هو المهم.

*روايتك "أرواح كليمنجارو" التي ستصدر بالعربية والإنجليزية. هل هي امتداد لمشاغلك السابقة، أم هي انحرافة باتجاه تناول جديد؟

- أفضل ما حدث أنني عشت تجربة نادرة، ربما لم يعشها أي كاتب عربي من قبل، وهي الصعود إلى قمة كليمنجارو، كواحدة من أعلى قمم العالم، في رحلة صعبة وذات بعد رمزي، لأنني رافقت أطفالاً فلسطينيين فقدوا أعضاء بسبب اعتداءات الجيش الصهيوني.

في رحلة كهذه تتسع حياتك، وتلامس مناطق في روحك وأرواح من معك لا يتاح لك أن تلامسها إلا هناك. وهذا بحد ذاته إحساس مختلف عشته، كان بالضرورة مؤهلاً لإنتاج نص مختلف في ظني.

*كتبتَ عن "مقالب" الفايسبوك، والعالم الافتراضي. هل تعتقد أن تفاصيل هذه الثورة المعرفية الجبارة والمثيرة تستحق أن يجري تناولها روائياً؟

- بالتأكيد، وهناك بعض الكتاب العرب كتبوا عن هذا، كما أن السينما قدمت عدداً من الأفلام الجميلة العميقة لعلاقة البشر بالعالم الافتراضي، ولعلها سبقت الأدب في هذا وتفوقت عليه.

*لماذا قصّرت الرواية العربية، حتى الآن، في التعاطي الخلاق مع موضوعة "داعش". هل يدخل الأمر في إطار مشاغلك الإبداعية؟

- هناك محاولات صدرت، وهناك أعمال تلفزيونية مبكرة أيضاً، وأظن أننا سنقرأ أعمالاً مهمة مستقبلاً، لكن من يمكن أن يكتبوا تجاربهم ممن عاشوا تحت ظلال هذه المأساة، تبدو حياتهم المهددة بسيل الظلام في خطر، حيث تبدو الكتابة أمراً مؤجلاً بالنسبة إليهم الآن.

*النقد العربي المتوجّه للرواية على نحو خاص ومحدد، ما يزال قاصراً عن أداء دوره. وهذا ما جعل الأوراق تختلط، فالكل صار روائياً والأكثر مبيعاً، وصار كل من يروي حكايات مثيرة للحواس جاذباً. وكأن الوصفة السحرية تقوم على الكتابة الجريئة والعبارات النابية والألفاظ الشهوانية والمشاهد التي تختلط بـ"البورنو" حتى يكون الواحد أو الواحدة روائياً بمبيعات تتخطى الروائيين الحفّارين المبدعين الذين يقبعون أحياناً في المؤخرة. هل الأمر كذلك، أم ثمة مبالغة؟!

- في رواية (أرواح كليمنجارو) هناك جملة على لسان إحدى الشخصيات تقول: أقرأُ بعض الكتب التي يذيع صيتها وتبدو جاهلًا إذا ما قلت إنك لم تقرأها! لتكتشف فيما بعد، غالبًا، أنك أصبحت جاهلًا لأنك قرأتها!

لكن رغم هذه الظاهرة، لم تزل الأعمال الرائعة تحضر بقوة وتتكرر طباعتها، رغم شبه الغياب النقدي، الذي انتشر منذ أن أصبح الإعلام هو الذي يعيد صياغة صورة الثقافة والمثقفين.

أحد الأصدقاء الذي يملكون مكتبة كبيرة قال لي: أنا لا أخشى على الكِتاب الذي يتواصل توزيعه باستمرار وعلى مدى سنوات وسنوات، وإن بكميات ليست كبيرة، أخشى على الكتاب الذي يسجل مبيعات استثنائية في شهر ما، ولا أبيع منه حتى نسخة واحدة في الشهر التالي.

* كاتب وإعلامي أردني

التعليقات السابقة

لا يوجد تعليقات سابقة. كن أول من يقوم بالتعليق

أضف تعليقاًً

الاسم
البريد الإلكتروني
* اختياري
عنوان التعليق
التعليق