الشيخ أمين الخولي : "آمنوا بالسببية كي تعيشوا عصر العلم"
02 سبتمبر 2015 | 0 تعليق
أمين الخولي
أمين الخولي (1895 - 1966) من رواد الأدب والثقافة الذين حملوا مشعل التجديد الأدبي والديني، وساهموا بشكل كبير في الحياة الثقافية والوطنية في مصر.
ولعل أكثر ما يلفت الانتباه في تراث الخولي إلى جانب البحث اللغوي والأدبي؛ قضية الإصلاح الديني الذي انطلق قبله على يد الأفغاني ومحمد عبده، يعرف منهج الخولي في مجال التجديد الديني بالتجديد التطوري؛ فهو يقوم على فكرة أن العالم محكوم بناموس التطور والتغير، فلا شيء يظل على حالة ثابتة، ولا شيء يأتي للوجود مرة واحدة تاما مكتملا، بل إن كل شيء بما في ذلك اللغات والحضارات والعلوم والأديان يتكون ويتكمل على مراحل. من هنا كان الإسلام في نظر الخولي قابلا للتجدد ليكون صالحا لكل زمان ومكان، ويضمن بقاءه وخلوده، لاسيما وأنه تميز بخصائص مساعدة على ذلك.
انخرط الخولي في الحياة الثقافية في سن مبكرة، فكانت بداية مساره في النشاط الجمعوي بإنشاء جمعية "إخوان الصفا" مع مجموعة من زملائه برحاب مدرسة القضاء الشرعي، واهتمت هذه الجمعية بالأدب والفن وتعلم اللغات الأجنبية، وبعد ذلك أنشأ الخولي عام 1944 جماعة الأمناء التي كانت مدرسة أدبية جديدة لها رؤيتها وأهدافها في الحقل الأدبي، ومن تلك الأهداف أن يكون درس الأدب وتاريخه على منهج تصححه الخبرة بالحياة، والنفس، والجماعة، ويمثل التقدم الإنساني والرقي العقلي.
وشغف الخولي بأبي الفنون؛ فكانت له مساهمات في التأليف المسرحي، فكتب للمسرح المدرسي "أسيرة عمورية" وجسدتها جمعية إخوان الصفا في نادي مدرسة القضاء الشرعي، وألف مسرحيات أخرى "كالراهب المتنكر"، و"جريمة الآباء" وهي مأساة اجتماعية تدافع عن المرأة وتكشف ما يلحق بها من اضطهاد في بيت أبيها وزوجها.
وخاض الخولي التجربة الصحفية من خلال إشرافه على مجلة الأدب لسان حال الأمناء، والتي عبرت عن مبادئ وأفكار هذه الجمعية التي انصب اهتمامها على "الفن والحياة".، وقبل ذلك كان له اتصال مبكر بالصحافة من خلال رئاسته تحرير مجلة القضاء الشرعي، وعبر ما كان ينشره في بعض الصحف والمجلات.
إلى جانب ذلك؛ شغل التجديد، والتجديد الديني على وجه الخصوص حيزا مهما عند أمين الخولي، يقول حسين نصار إنه جهر بالدعوة إلى الحرية الفكرية وكان مصرا على دعواه متمسكا بمبادئه، وعلم تلاميذه ألا يخضعوا لسلطان غير سلطان المنطق والضمير، وسعى في تخليصهم من عقلية العصور الوسطى، ويضيف أن الخولي علم تلاميذه كيف يبدؤون من الصفحات البيضاء فلا يدونون عليها حرفا قبل فهمه وتمحيصه وإخضاعه للشك والسؤال، وكيف يتخلصون من التسليم بالمسلمات، ومن تقديس ما يعتقدون أنه من المقدسات، ولذلك سموه بسقراط المصري[1].
لقد كان الخولي ثائرا على الرأي القديم، والتفكير المبتذل والكلام المعاد، والتقليد الساذج كما يقول تلميذه عبد الكريم غلاب، واستنكر الدعوة إلى عدم الاستفادة من الثقافات الأجنبية، وذكر حسين نصار له كلاما في هذا الصدد يشي بإعجابه بالحضارة الغربية، ورغم احترام الخولي للحضارة الغربية في مظاهرها الثقافية والفكرية؛ فإنه لم يكن من دعاة التغريب، ولم يدع إلى القطيعة مع القديم، ولم ينتقص من قدر الأقدمين ومكانتهم في التاريخ وفي مضمار المعرفة الإنسانية، فكان يفرق بين التجديد والتبديد؛ فالثاني ينطوي على الجهل بالماضي والغفلة عنه، فينتهج المبدد الهدم والتحطيم مشمئزا متهكما. وأعلن أنه يتعين الاهتمام بالتراث العربي المفرق في مكتبات العالم وجمعه وتحقيقه، للانتفاع به ودراسته، كما دعا إلى الاخلاص للقديم، وإحسان الظن به، والتماس ما فيه من خير[2].
وبما أنه عارض الدعوة إلى خصومة الثقافة الأجنبية وغلق النوافذ والتقوقع؛ فقد رأى أن أهم ما ينبغي أن يقتبس عن الغرب في الدراسات الشرقية والإسلامية هو مناهج وأساليب البحث العلمي، وطرائق النقد الدقيق الحر المنتظم[3]. ووضع الخولي منهجا للتعامل مع التراث ينطلق من وضعه تحت المجهر وفهمه بعمق؛ لخصه في قوله : "أول التجديد قتل القديم بحثا وفهما ودراسة"، وهو منهج كفيل باحتواء التراث والإفادة منه، وتجاوز ما ينبغي أن يتجاوز منه.
ومن أبرز مواضيع التجديد عند الخولي التجديد اللغوي؛ الذي يقوم على رؤيته للغة بصفتها خاضعة لناموس التطور؛ فقد خضعت العربية إلى هذا الناموس في كل شيء؛ في الأصوات والحروف والكلام، والجمل والأسلوب والبيان، ولم تظهر العربية خلقا سويا مستقلا بل تغيرت وتحولت، على مدى تاريخ ترقي البشرية وتكملها[4]، وكان الشعار الذي رفعه الخولي لمواجهة الصعوبات التي تقف في طريق العربية أن اللغة تقليد اجتماعي شديد المرونة، سريع التأثر قابل للتغير قبولا عظيما. ومن هنا تتشكل وتتدرج، متأثرة بمختلف العوامل، ولا يمكن لشيء أن يقف أمام تطور اللغة ومطاوعتها للظروف والمتغيرات ووفائها بمختلف الحاجات، وهكذا ينطوي كلام الخولي على رغبة في أن يشمل العربية إصلاح حقيقي؛ لئلا يكون مصيرها كاللغات المنقرضة التي لم تستجب للتغيرات الزمنية.
وشدد الخولي على الفهم السليم للقرآن الذي يتوقف على تذوق العربية ومعرفة أسرارها، وبهذا الصدد أسس الخولي المنهج الأدبي في التفسير، ودعا إلى دراسة القرآن دراسة أدبية. وأعلن أن سر خلود الإسلام ومعنى عالميته من صلاحيته لكل زمان ومكان، هو استعداده الدائم للتجدد والتطور.
وحديثه عن قابلية الإسلام للتطور مبني على تأثره بالمنهج التطوري الذي كان له أثر بارز في صياغة منهجه التجديدي؛ فرغم الجدل الذي خلقته نظرية التطور، إلا أن أمين الخولي جاء عام 1927 ليدرس هذه النظرية في مقرر الأخلاق بكلية أصول الدين بالأزهر. يعرف الخولي مذهب النشوء والارتقاء بأنه : "مذهب طبيعي يتصدى للبحث في الحياة، ونشوء الأنواع، وكيف تم ذلك" ولكنه يرى أيضا أن هذا المذهب "يقرر نواميس طبيعية مطردة تجري على المعنويات جريانها على الماديات، فعم تطبيقه في سائر فروع المعرفة الإنسانية، ومظاهر الحياة البشرية"[5].
ويرى الخولي أن سبب الخلاف الذي حدث في الغرب حول نظرية التطور في الأحياء، وسبب مهاجمة رجال الدين لهذه النظرية، إنما هو ما جاء في التوراة من تفصيل عملية الخلق، لكنه لا يرى أي تعارض بين الإسلام ونظرية التطور، ويعزو ما بدا من تعارض بين الإسلام والنظرية إلى حمل أوزار الغير؛ كالتزام القول بتفاصيل التوراة في الخلق والنشوء مع تقرير تحريفها وبطلانها؛ "وما هذا الالتزام إلا إكراه لآيات القرآن أن تؤدي معاني تلك التفصيلات مضافا إليها الشروح الإسرائيلية وبهذا الالتزام والإكراه نقرر مخالفة المذهب للإسلام"[6].
وينتقد الخولي سذاجة التصور التقليدي للخلق؛ المنبثق من التفسيرات الإسرائيلية، ويقرر أن تفصيل عملية الخلق ينبغي أن يلتمس في السنن العلمية؛ يقول : "القرآن يقرر في إجمال تام خلق الناس من تراب، أو طين، وخلقهم أطوارا،دون أن يذكر في ذلك تفصيلا، فإن كنا ولا بد ملتمسين التفصيل فخير لنا وأعقل أننلتمسه من سنن علمية تثبت اطرادها وسريانها فيما مضى وفيما هو آت، فتفصيلهالإجمال القرآن أكرم، وأهدى من التصور السطحي الساذج الذي يجعل الخلق جبلا للتراببالماء وتسوية جسم كعرائس الأطفال، تدخله الروح من رجليه، وما إلى ذلك من تفاهةتضيع ما في هذا الكون من روعة وعظمة"[7].
ولإيمانه بشمولية التطور لكافة مناحي الحياة؛ فقد عمم الخولي المنهج التطوري وجعله منهجا لدراسة مختلف الظواهر؛ فنجده يطبق هذا المنهج في دراسة تاريخ الأديان، ويحاول من خلال ذلك بيان أثر الزمن والبيئة والمجتمع في تطور حركة الدين، ويرى أن الدراسة التاريخية لا تتعارض مع سماوية الدين[8]. ومثلما أن الكائنات الحية لم تظهر مرة واحدة بواسطة الخلق المستقل؛ فإن الخولي يرى أن الأمور المعنوية كالأفكار والعقائد لا يمكن أن تظهر في صورة كاملة دفعة واحدة : "المعنى في التدرج والترقي قد تقرر اليوم، وتأصل حتى لم يعد الباحث يقبل ظهور شيء معنوي من فكر وعقيدة أو نحو ذلك كامل الوجود دفعة واحدة، أو مخلوقة خلقا مستقلا لأصل لا يمت بصلة إلى ما حوله وما سبقه مما يماثله في الكون؛ فإن هذا الوجود الفجائي الكامل، وذلك الاستقلال لم يتهيأ لفن، ولا لأدب، ولا لعلم، ولا حضارة، ولا دولة، ولا دين كذلك"[9].
وانتقد الخولي التقليد والكهنوت، واحتكار الدين والكلام باسمه؛ وهو ما عابه على فئة تهاجم كل مسلم يستخدم عقله ويسعى إلى التحرر والتجديد، بينما تعجز أمام انتقادات المستشرقين والغرباء، ودعا إلى إصلاح وتطوير الأزهر، ونفى أن تكون في الإسلام أية وساطة كهنوتية؛ فهذا الدين لا يخلق تلك الطبقة التي تقوم بالوساطة بين الخالق والمخلوق وبين السماء والأرض وترهب العقل الطليق، وتقف بوجه كل محاولة للإصلاح.
واحتل التفسير مكانة بارزة عند الخولي، وفي هذا الشأن لاحظ أن المفسرين القدامى قد انشغلوا في بعض الأحيان بما لا طائل تحته، بدل توجيه اهتمامهم إلى ما يرتبط بدنيا الأناسي الظاهرة؛ يقول في تفسير (ولكل درجات مما عملوا) : "ولو رحت تسأل المفسرين الأولين عما لفتهم إليه هذا الهدى؛ لرأيتهم يشغلون عنه بما لا طائل تحته، كالبحث في أن الجن مكلفون أو لا؟، ويثابون ويعاقبون أو لا؟"[10] لهذا وجه الخولي اهتماما كبيرا لقضية تفسير القرآن، وكما انتقد على المفسرين القدامى انشغالهم بأمور غير ذات أهمية، فقد انتقد التفسير العلمي للقرآن الذي اشتغل به بعض المحدثين، فتساءل كيف تؤخذ العلوم عن القرآن، وهي في تغير دائم، وأكد أن كتاب الدين لا يعنى بهذه الأمور ولا يتولاها بالبيان، ودعا المشتغلين بهذا الأمر الذين سعوا إلى الربط بين كتاب الدين والحقائق العلمية المختلفة لبيان صدقه وإعجازه؛ إلى الاهتمام بدفع مناقضة الدين للعلم؛ حتى لا يكون في القرآن نص يصادم الحقائق العلمية التي يكشف عنها البحث العلمي[11].
ويظهر من أفكار الخولي بشكل عام، أنه أعطى الأولوية للعقل على النص، وأكد على تطور فهم الإسلام على مر الزمن؛ فالإسلام لا ينبغي أن يفهم بعقل الأمس البعيد، بل بعقل اليوم فينبغي التخلي عن فهم الماضي للإسلام لكي لا نرزح في الجمود "فالإسلام دعوة عامة خالدة فهي بحكم السنن الكونية متطورة، وقد فهمه أصحابه قديما ثم تغير فهمهم هذا على مر الزمن، وهو اليوم بين أيدي أصحابه يفهمونه ليس بعقل الأمس البعيد، ولكن بعقل اليوم، واستشراف الغد، ولهذا كان من الضروري عدم الالتزام بتطبيق الماضي، وفهم الماضي للإسلام؛ لأن ذلك يعني الوقوف عند المستوى العقلي والاجتماعي لأهل الماضي"[12].
إذا كان القرآن في نظر الخولي لم يفصل في عملية الخلق، فكذلك الأمر في التدبير الاجتماعي، فما مس القرآن في هذا الشأن إلا الأصول والكليات، تاركا مجالا واسعا للاجتهاد والإبداع الإنساني يقول : "فالقرآن عودنا في تدبيره الاجتماعي ألا يمس سوى الأصول الكبرى، تاركا وراء ذلك من تفصيل للتدرج الحيوي، والجهاد العقلي الإنساني، لينتفع في ذلك بكل ما يسعفه عليه نشاطه، ويؤهله له تقدمه ويقدر الإسلام في ذلك اختلاف الأحوال، وتغير الأزمان"[13].
وكما يدل عليه العنوان؛ فقد آمن الخولي بالترابط بين الأسباب والمسببات، تلك العلاقة التي أنكرتها الأوساط الدينية في زمنه وأرجعت الفاعلية لله وحده، وهي الرؤية التي قررها أبو حامد الغزالي، ورفضها ابن رشد الذي أكد على العلاقة الضرورية بين العلل والمعلولات، وهو التصور الذي اعتمده الخولي وسعى إلى ترسيخه في نفوس تلاميذه، فهو القائل لهم : " آمنوا بالسببية لتعيشوا عصر العلم"، وموقفه هذا رد على الثقافة الدينية السائدة التي تنكر التعليل وتكل الأمور كلها إلى الله؛ يقول : "إن الفكرة الدينية عند الدينيين جميعا هي إنكار قابلية الكون للتعليل والتسبيب، فهم لا يرون شيئا يكون سببا لشيء آخر، وكل شيء يتم بخلق الله لا بتأثير الأسباب"، وقد كان يرى أن هذه الفكرة تتعارض مع جوهر الإسلام الذي لا يمني أهله بالمعجزات، ولا يكلهم إلى المفاجآت، ولا يطمعهم في كرامة تسخر لهم قوى الكون؛ فيواجهون الحياة غير مسلحين بأن لها نواميس مطردة، ولا مقتنعين بأن فيها نظما ثابتة[14].
هكذا وضع الخولي أسس مشروع إصلاحي يستهدف إخراج العقل المسلم من الظلمات، وتحفيزه على التململ والتفكير ليتحرر من أغلاله، مشروع اقتبس فيه المناهج الحديثة لدراسة الدين وفهمه؛ بغية جعله مسايرا للتطور، وافيا بمتطلبات الإنسان في كل زمان، وقد حدد الخولي في كتابه "المجددون في الإسلام"؛ الأسس التي يستمد منها الإسلام القابلية للتطور والتجدد، والعناصر التي تمكنه من مواكبة الزمن، وهي :
- أن الإسلام دين تخفف من الغيبيات، واهتم بإدراك السنن والنواميس الكونية.
- عدم تورط الإسلام في كتابه، في بيان شيء عن نشأة الأرض، والحياة عليها، ويدع ذلك لاكتشافات العلم.
- عدم تورط الإسلام في تفاصيل تاريخ الأمم والرسل، وعرض لأحوالها جملة.
- اقتصار الإسلام في تنظيم الحياة العملية على الأمور الكلية، والأصول العامة الشاملة دون التفاصيل المفردة، والجزئيات الصغرى .
- أهمية مبدأ الاجتهاد في الإسلام، والاجتهاد هو الانطلاق مع الحياة وفاء بجديد حاجتها[15].
الهوامش :
[1] حسين نصار، أمين الخولي، المجلس الأعلى للثقافة 1996، ص 65
[2] المرجع نفسه، ص 66
[3] المرجع نفسه، ص 68
[4] يمنى طريف الخولي، أمين الخولي والأبعاد الفلسفية للتجديد، مؤسسة هنداوي 2014، ص 41-42
[5] أمين الخولي، كتاب الخير، مطبعة دار الكتب المصرية 1996، ص 87
[6] المرجع نفسه، ص 102
[7] يمنى طريف الخولي، مرجع سابق، ص 40
[8] أحمد محمد سالم، العقل والدين- من الخطاب الإصلاحي إلى الخطاب العلماني، دار رؤية 2011، ص 83
[9] المرجع نفسه، ص 86
[10] حسين نصار، مرجع سابق، ص 74
[11] أمين الخولي، دراسات إسلامية، مطبعة دار الكتب المصرية 1996، ص 32- 33
[12] أمين الخولي، المجددون في الإسلام، الهيئة المصرية العامة للكتاب، ص41، نقلا عن العقل والدين
[13] أمين الخولي، من هدي القرآن في رمضان، الهيئة المصرية العامة للكتاب 1987، ص 59
[14] العقل والدين، مرجع سابق، ص 93 -94
[15] المرجع نفسه، ص 90
التعليقات السابقة
لا يوجد تعليقات سابقة. كن أول من يقوم بالتعليق
أضف تعليقاًً
* اختياري

