محمد أركون: تذكرةٌ لمن تنفعُه الذكرى
15 سبتمبر (أيلول) 2014 10:54 | 0 تعليق
حلت أمس، 14 سبتمبر 2014 الذكرى الرابعة لوفاة المفكر محمد أركون رحمه الله. أعلم أن اسم الرجل، مثلما يُنعشُ دخائل وأسارير البعض، يثير حنق الكثيرين الذين قد يستغربون الترحم عليه والدعاء له...فيما نحن نتحلق حول مائدة المعرفةِ والأفكار، ونحسنُ الظن الغيبي بسرائر الجميع؛ إذ كل سيلقى حقيقةَ علمهِ وعمله عند ربه. محمد أركون، كما أراه، قمة فكرية استثنائية في فكرنا العربي الإسلامي المعاصر، امتلك الجرأة المعرفية كي يطرح قضايا ويفكر في منسيات ويجدد في المنهجيات ويجتهد في فتح آفاق معرفية ومنهجية جديدة؛ فضلاً عن كونه مثَّل جسراً متعدد الامتدادات بين ماضي الفكر الإسلامي في لحظاته الفلسفية والإنسية المتوهجة وبين لحظته المرتبكة المعاصرة، ثم جسراً بين ثقافتنا الإسلامية ونظيرتها الغربية الحديثة. هذا التعدد جعل أركون يفتح إضبارات فكرية يقتضي إنجازُها أضعاف عمره، وتستلزم أجيالاً من عتاة الباحثين؛ لذلك رحلَ الرّجلُ دون أن يُكملَ كثيراً من برامجه العلمية، غير أنه كان واعياً أن عمله الرئيس يكمن في التأسيس لتحقيق تلك الطفرة المعرفية الضرورية التي يستلزمها الفكر الإسلامي للتحرر من سياجاته وانغلاقاته الدوغمائية.
وسواء تعلق الأمر بمغامرة أركون في "نقد العقل الإسلامي" أو مغامرته في التأمل والتفكير في "الإنسية" العربية و معارك "الأنسنة" في تاريخ الإسلام، أو اشتغاله على بناء "الإسلاميات التطبيقية" لتجاوز مآزق الإسلاميات الكلاسيكة، وخصوصاً من خلال استثمار الفتوحات المعرفية والمنهجية في مختلف العلوم الاجتماعية...في كل ذلك وغيره، ظل أركون رجل الحوار والنقد والإصغاء للصوت المختلف، كما بصم بآثاره مسار الفكر العربي الإسلامي المعاصر، سواء عبر ما فتحه من آفاق أو عبر ما أثاره من نقاش أو فجره من اعتراضات، وذاك شأن العقول الكبيرة. ويؤسفني- وقد أكون مخطئاً- أن لا أجد من تلامذته من يستأنف نظرهُ بكبير عمق وبالتمكن المعرفي الموسوعي الذي كان يميزه؛ سواء تعلق الأمر بتمكنه من الاطلاع الواسع على تراثنا العربي الإسلامي أو من تمكنه من المعارف الغربية الحديثة، فلسفاتٍ ومنهجياتٍ و إشكاليات.
وفي لحظتنا الراهنة؛ حيث اضطراب الوعي الإسلامي وبروز "أدوائه" التاريخية من طائفية وتعصب وغلو وانغلاق، وأخرى من جهل واستبداد وانسداد في الأفق الفكري والروحي على السواء، تبدو الحاجةُ ماسّةً إلى أمثال الفقيد محمد أركون؛ ولا سيما إلى حسّهم الفكري النقدي، وقدرتهم على فضح الاستغلال الأيديولوجي الشرس للمتخيل التاريخي الديني؛ وكذا قدرتهم على مجابهة كثير من التنميطات المغلوطة التي يشكلها المتخيل الغربي عن الإسلام والمسلمين؛ مجابهة تتم بلغاتهم ومن خلال مفاهيمهم وعلى منابرهم الإعلامية وفي مؤسساتهم الأكاديمية والمدنية.
تحتاج مثل هذه المهمات الكبرى والمصيرية إلى تكوين وكاريزما وجرأة نفتقر إليها اليوم بقوة. أقول هذا وأنا أتأسف أيضاً على غياب زميل أركون في النقد وقرينه في الفكر وجاره في المقبرة المرحوم محمد عابد الجابري. فمثل هؤلاء الأعلام اجتهدوا بصدق وجدٍّ ومسؤولية في محاولة فهم العوائق الذاتية والموضوعية التي تحول دون نهوض العقل- الإسلامي مع أركون والعربي مع الجابري- من غفوته أو سباته التاريخي، وطرحوا في شجاعة معرفية رؤاهم للقبول أو الرفض أو التعديل أو التصويب...لقد بادروا إلى العمل بلا استسهال أو وجل، مما جعلهم يقفون عند جم من الحقائق التي يثبت الواقع الذي آل إليه المسلمون اليوم صدقيتها؛ وفي مقدمة تلك الحقائق أن ثمة أعطاباً إبستمولوجية وتاريخية في العقل العربي أو الإسلامي تحول دون نهضته ضمن الشروط المعرفية والتاريخية والحضارية المعاصرة. وما يجري اليوم من كوارث وعنف واغتيال لروح الدين باسم الدين أكبر دليل على ذلك.
ليس المهم أن تختلف مع أركون أو تتفق معه، ولكن يكفي أن تتحفز على التفكير معه أو ضده في مسائل كثيرة ظلت منسية أو لا مفكراً فيها؛ لن يكون أركونياً من يتعامل بنوع من التقديس مع نتائج أبحاثه ودراساته، بل لا يمكن للأركوني الحقّ إلا أن يكون نقدي التعامل مع تلك الأبحاث والدراسات قبل غيرها. هذا هو درس الكبار، يعلّمونك كيف تفكر معهم وضدهم في آن، يلقنونك عشق المسافة، أن تحل ضيفاً على فكرهم دونما تماهٍ أعمى أو تفريط في آداب الضيافة التي قوامها أن تحتفظ بقدرتك على التسآل والنقد.
سيكون علينا في هذه الذكرى أن نتذكر أيضاً أن محمد أركون ظل مفكراً مناضلاً، بمعنى أن عمله لم يقتصر على ردهات الجامعات وبين رفوف المكتبات أو أسوار الفصول، وإنما خرج للإعلام بمختلف أشكاله، وقبل المناظرة العلمية -لا السجال الأيديولوجي السائد اليوم (حرب الديكة)- في مختلف جهات العالم، وظل يجهر بآرائه بين المخالفين بشجاعة وأدب علميين، كما ظلّ يصر على إبلاغ تلك الآراء للسياسيين وأصحاب القرار...إلخ. هذه ميزات ينبغي أن لا تُنسى، لأننا نحتاجها اليوم بقوة؛ نحتاج إلى فكر نقاد فعّال متحرك منتج للتغيير النافع.
رحم الله المفكر الكبير محمد أركون وأضرابَهُ، ومزيداً من قوة العطاء والفعل والإبداع والنضال للبقية الباقية من الكبار؛ فالمعضلات كبار ولن تُخلخل وتُحل إلا بالإصغاء للكبار ومحاورة الكبار، والذين في صمتهم أو غيابهم بلا بديل سير حثيث بالحس والمعنى نحو الخراب، وبالفكر والروح نحو التوحش والدمار، هي مجرد تذكرة لمن تنفعه الذكرى.
التعليقات السابقة
لا يوجد تعليقات سابقة. كن أول من يقوم بالتعليق
أضف تعليقاًً
* اختياري

