شمس تبريزي، غربة في الحياة والممات
08 اغسطس 2015 | 0 تعليق
اللهُ أكبرُ
عبارة عن هذا المعنى: ارفع فكرك عما يقع في وهمك وتصورك
ارفع نظرك لأنه تعالى أكبر من التصوّرات كلها
وبرغم أنّ التصور قد يكون لنبي ومرسلٍ من أولي العزم .. الله أكبر من ذلك.
[شمس تبريزي ـ مقالات[*]]
المميز في شخصية شمس تبريزي (الصدق) و(الصراحة) و(الشجاعة) وعدم الاعتماد على السابقين. حفظ شمس التعاليم السابقة كما يحفظها معاصروه لكنه عدّها جسراً يعبر من خلاله إلى حيث (لا قرار) يسير نحو (اللا نهائي) لكي يحقق نفسه عبر (إيمانه) ورحلته التي تخصّه.
قرأ شمس القرآن واستظهره وعلّمه للأطفال في فترات عدّة في حياته، كما هو مدوّن في سيرته وكما تدلنا عليه مقالاته التي جمعها محبّوه، وهم قلائل في عصره. لو كان لشمس مريدون كثرة كما نرى شيوخ اليوم وأتباعهم بالملايين لوجدنا لشمس ألف كتاب وكتاب يشرح تعاليمه ويحفّز على الالتزام بها، لكن الغريب لا يتبعه أحد، والصادق لا يتحمّله أحد، وبخاصة إن تعرّض بالنقد لما يقدّسه الآخرون، شيخاً أو فكرة أو مكاناً أو زمناً.
كم من صادق وشجاع في بلادنا أو مبشّر بأخلاق الفتيان! لن تجد مثل شمس كثيرين.
النقطة الأبرز (عربياً) و(غربياً) في حياة شمس وعلاقته بالرومي وتستدعى حسب الأحداث: (المثلية)، كتب أحد الكتّاب عن العلاقة بين (الشيخ والمريد) وعنون أشعار (الغزليات) بأشعار الشهوة والغزل الحسي، وتابعه كثيرون. ليس غريباً على عالم التقليد أن تتكرر الأقوال دون تدقيق ومراجعة، ونتابع ما يُقال فتسمع هنا سؤال: هل كان شمس والرومي مثليين؟ هل تصح هذه العلاقة؟ لا يمكن أن نفهم الأشعار إلا على هذا النحو.
أحد الأصدقاء ممّن له صبر وذائقة في الاطلاع على الآداب ضحك حينما سمع أحدهم يركّز على هذه المسألة، قال: لو أنّ المثلية تأتي بهذا الإبداع فيا ليت العالم كله مثليون.
كيف نفهم العلاقة بين شمس والرومي؟
هل قرأنا سابقاً ما يحكيه فريد الدين العطّار في منطق الطير أو إلهي نامه؟ هل قرأنا غزليات سنائي أو حديقته؟ هل تعرّفنا على الثقافة الفارسية والتغزّل بالمذكر كما يتغزّل العرب بالمؤنث؟هل نعرف حقيقة العلاقة بين الشيخ والمريد؟هل نعرف الفرق بين المرآة الحقيقة التي تنعكس فيها صورة الذات من داخل والمرآة المزيّفة التي تخدع صغار العقول؟
هل لدينا خبرة كافية بمعرفة النصوص وكيف تخرج من قلبٍ محترق يتألم ويكابد ويهاجر بعد ستين عاماً حاملاً همّ تحقيق ذاته ونحن نعلن عن أنفسنا وما نزال نتلعثم في صياغة حرفين كـ(أنا) ونفرّق بين كل اثنين اجتمعا في مسجد أو حديقة أو جامعة ونسارع بجلب السياط والسياف والبنادق؟هل نحن بالفعل مؤهلون للحكم على الأشخاص ولا نستطيع الحكم على أنفسنا؟هل من حقّنا أن نخمّن في أمور العلم ونرمي خلف ظهورنا التدقيق والتحقيق؟
لم يتسرع شمس ليقول (أنا) ولم يقلها يوماً، فكيف بمن ينقر بعض السطور نقراً في عصر لا يحتمل العربي فيه قراءة عدة صفحات في اليوم يقول (أنا أرى) وأظن وأعتقد؟
يحتاج العالم لكثير من الصبر والآداب حتى يتعرّف الإنسان وتنجلي مرآته لتحمّل معارف من تحققوا . يحتاج الإنسان أن يغسل نفسه من الأوهام، ومن نفسه.
(إن تعاملت مع الناس من دون نفاق لحظةً فإنهم لا يسلّمون عليك بعد ذلك بسلام المسلمين. ومن الأوّل إلى الآخر كنتُ أوثر أن أمارس الصّدق مع أتباع الطريق دون نفاق) [شمس تبريزي- مقالات].
إنّ واحداً ممن خصصوا كتاباً للحديث عن مولانا جلال الدين الرومي، كان جلّ اهتمامه أن يصبح شمس تبريزي على مذهبه، فهو إسماعيليّ لاطلاعه على مصادر خاصّة تقول بذلك، وكأنّ البحث العلمي تحوّل إلى أسرار في عصر عزّ فيه إخفاء شخص ما يدور في بيته، أشير هنا إلى (مصطفى غالب)، وهو من مشاهير المؤلفين العرب في الدرس الإسماعيلي، ويصاحبه ابنه في أعماله، ولعله يتأسى بما قدّمه من قبل (عارف تامر) الذي كتب عن تاريخ الإسماعيلية وحقق بعض رسائلهم كما فعل غالب.
بدأ عارف تامر لعبة الحديث عن مذهبية شمس في مقال نشره في مجلة الأديب، ثم توسّع في مقاله أكثر في مجلة الدراسات الأدبية، التي تختصّ بشؤون الأدب الفارسي، ولم يعدد لنا مصادره التي اعتمد عليها في المقالتين، وغاية ما ذكر مرجعاً مخطوطاً لم يُطبع، يحتفظ هو بنسخته، كعادته في أغلب أعماله، ولأنّ المجلة الأخيرة تُعنى بالأدب الفارسي، فلا بدّ أن يكون للإسماعيلية نصيب من مشاهير الكاتبين بالفارسية، وكما نُسب ابن عربي إلى الإسماعيلية ميلاً واستفادة، لا بدّ أن يُنسب الرّومي إلى الإسماعيلية، عن طريق تلقّيه لتعاليم التصوف الجديدة من شمس تبريزي.
تابع مصطفى غالب في كتابه (جلال الدين الرومي) صديقه عارف تامر واستنّ بسنّته، وإن كان أسوأ عملاً من صديقه في (تعبئة) الكتاب، فكرّر صفحات كاملة واستشهد بأشعار في غير موضعها، وحتى يُلبّس على القارئ صمت كثيراً من الأوقات عن ذكر مصادره التي تفيد أنه لم يقرأ المثنوي كاملاً أو طالع الغزليات أو الديوان أو الرباعيات أو المجالس أو الرسائل، وسطا على جهود الدكتور محمد عبد السلام كفافي، فنقل صفحات كاملة من دراسته عن الرومي ومن ترجماته، والمهم في النهاية أن يكون شمس إسماعيلياً.
وقد نبّهت أنّا ماري شيمل في آخر دراستها (الشمس المنتصرة) عن مولانا جلال الدين الرومي من مغبة الخلط بين (شمسين)، إذ يعرف أهل الهند شخصاً آخر بالاسم نفسه ينتسب إلى الطائفة الإسماعيلية، لكنه على أية حال ليس (شمس الرّومي)، وقد نوّه أيضاً لويس فرانكلين إلى هذا الأمر، وممّا يحسن ذكره في هذا السياق ما يستفاد من أخبار شمس أنه لم يكن متعصّباً لمذهب من المذاهب، فهو وإن تعلّم الفقه الشافعي وصار شافعي المذهب، كان يقول إنه لن يسمح لانتمائه إلى المذهب الشافعي بأن يقف في طريق قبوله الأشياء النافعة في أعمال أبي حنيفة.
يقول لويس فرانكلين: صورت الأسطورة شمساً فاتناً للجماهير ساذجاً.. جوّالاً ممتلكاً طاقات خارقة.. اختار الرومي اسمه ليكون بؤرة تدينه ابتغاء اختبار مريديه وتقديم شخصية أدبية لغزلياته. وهذه النظرة منعكسة في آثار جامي ودولتشاه وإلى حد ما الأفلاكي. وقد عكس الدرس الغربي المبكر هذه النظرة (الأسطورية المتأخرة) إلى شمس، إذ اعتقد براون[†] أنّ شمساً كان الابن لجلال الدين نُو مُسلمان الذي قضى على فرقة الحشاشين.
وخلاصة ما يمكن فهمه من مراجعة المكتوب عن شمس في المصادر أنه شخصية غريبة وغامضة، وبرغم آلاف الصفحات التي كُتبت عن الرّومي، لم يكن هناك فعلياً شيءٌ عن شمس تبريزي.
هذه صورة سريعة لتعامل مصدر عربي واحد مع شخصية شمس تبريزي، فما بالنا بما يُكتب عنه في الصحف والمجلات اليوم؟
[*] الاقتباسات لمقالات شمس عن المختارات الواردة في عمل لويس فرانكلين Rumi – Past and Present, East and West: The Life, Teachings, and Poetry of Jalâl al-Din Rumi -الذي ترجمه العالم السوري المختص الأبرز عربياً في نقل تراث الرومي عن الفارسية والدراسات الإنجليزية عنه - تحت عنوان: (الرومي ماضياً وحاضراً، شرقاً وغرباً - حياة جلال الدين الرومي وتعاليمه وشعره)، صدر في عام 2011 عن وزارة الثقافة السورية.
[†]مستشرق إنجليزي تخصص في درس الآداب الفارسية، ومن أعظم أعماله تأريخه للأدب الفارسي في أربعة مجلدات، تُرجم إلى العربية وطبع في مصر، وتجدد نشراته حتى اليوم.
التعليقات السابقة
لا يوجد تعليقات سابقة. كن أول من يقوم بالتعليق
أضف تعليقاًً
* اختياري

