غُربةُ التّصوّفِ
13 اغسطس 2015 | 0 تعليق

* الباحث المصري خالد محمد عبده
خالد محمد عبده *

[إن فهم المرء شيئًا ما مرتبطٌ بكيفية حبّه إيّاه] أوغسطين.

 

حياةُ الصّوفي احتراقُ الفراشة في شعلة المصباح.. انتقالٌ وصيرورة لا عدمٌ وانتهاء. جسرٌ يقودُ المُحبّ إلى غايته.. عُرسٌ يزف فيه الفاني إلى الباقي.. فإن إلى ربك الرجعى!

يلاحظُ البعضُ أن ألوانَ التصوف تتعدد في الغرب، وتعدد الألوان ليست تعبيرًا عن الثراء والتجدد، بل هو تعبير عندهم على عدم الاستقرار والنزوع إلى التغيير، وعدم الامتثال إلى التصوف في شكله الكلاسيكي النافع للمرء، إلا أن ما يُلاحظ هناك هو في الوقت ذاته حادث في بلادنا العربية والإسلامية، التي نشأ التصوف المهاجر إلى هذه البلدان فيها، وانتشر عبر دور المشايخ والطّرق، وما يحدث في البلاد الأجنبية هو نفسه ما يحدث في البلاد العربية مع بعض الفوارق بحكم المجتمع والثقافة.

صارت لفظة التصوف مائعة في إطلاقها، بذا يقول بعض أهل التصوف المحافظين، ويرون في بعض الألوان تشويهًا للتصوف والصوفية، وفتحا لباب الشبهات التي تُحسب على الصوفية اليوم، فتزيد من ثغورهم التي تحتاج إلى من يرابط، التفكير نفسه على هذا النحو هو ما يجعل البعيد عن رحابهم لا يفكر في الانضمام إليهم مطلقًا، ففكرة الدفاع لم تعد مجدية أو نافعة لإنسان هذا العصر، فما الذي سيعود بالنفع على مسلم، إن كان الاحتفال بالسيد البدوي جائز أو محرّم؟ وما الذي ينفع المسلم اليوم، إن اكتشف أن الضرب بالدُفّ لا حرج فيه؟ ومصارعة المصارعة المستمرة حول التوسّل وزيارة المراقد لو كانت مثمرة لنبتَ من الأوراق المحبّرة فيها إنسانٌ من الأموات، يصرخ للجميع مجيزين ومنكرين: انشغلوا بكم ولا تنشغلوا برفات الأقدمين.

من تكلّم في التّصوف فهو ليس بصوفيّ، ومن ادّعاه ليس صوفيًّا، أن تعيش التصوّف أن تغيب عن كل المعاني التي سبقت والتي ستأتيك، بذا قال أحد الصوفية قديمًا، كان ما قال من باب الورع أو التواضع أو من باب الحقيقة أو من باب الذوق والمشاهدة، المهم أن ما حُبّر في طيّات هذه الكتب القديمة لا يُستدل عليها متمثّلة إلا في أشخاص ندرة، قلّ أن تتعرف عليهم الجماهير بمشاربها المتعددة.

وإذا كان في الآثار قد قيل إن أحدهم يُفتح له باب من خلال مساعدة الآخرين وأحدهم يفتح له من خلال التقوى وممارسة الشعائر وأحدهم يفتح له بصحبته، فلِمَ يُضيق من يظن نفسه من أهل التصوف على الآخرين ما انجذب من خلاله إلى هذا العالم الرحب؟!

نعرف أن هناك كثيرين يُطلقون على أنفسهم صوفية بنقل بيت من الشعر لأحد الصوفية الشعراء، وأحدهم يطلق على نفسه كونيًا من خلال إيمانه بمبدأ صوفي، وأحدهم يرى في ارتداء شيء من أزياء التصوف الحديثة ما يوازي ارتداء الخرقة ودخول الخلوة أربعين يومًا بل أربعين سنة، كل ما نراه حولنا من عدم استقرار على حال هو اختيار الشخص، ولا يظل الإنسان على حال واحدة طيلة عمره وإلا حكم على نفسه بالموت! فمن قال: يزيد في الخلق ما يشاء، هو من ترك العالم لكل إنسان أن يختار ما يركن إليه ويسعد به، والعالم اليوم فيه ما فيه مما لا يخفى على أحد، فلندع الخلق وما يحبونه ولا نفسد عليهم حياتهم أكثر مما هي عليه الآن !

لا يحتاج الجالس بحب وصدق في جوار السيدة زينب أو السيد البدوي أو سيدنا الحسين أو سيدي عبد الرحيم القناوي ... لقراءة المثنوي أو حزب البحر أو التعرف على الفارق بين التصوف الفلسفي وتصوف الجُنيد .. لا يحتاج إلى إشارة تدل على كونه صوفيًا أو محبًّا للأولياء وآل البيت، فالسيدة التي تُطعم المارة دون أن تسأل عن انتماء أحدهم أو دينه أو مذهبه لا تتذكّر من كلام صوفية اليوم أو الأمس أي حرف، لسانها يلهج بذكر الله بصدق، وقلبها عامر بحبّ الإنسانية، مثل هذه السيدة قليل! لكن وجودها يمحي عدمَ آلاف الآلاف من أصحاب الأقلام الطافحة بالكذب والكلمات التي تنشر العدم كان ممن ينظّر للتصوّف أو ينظّر لغيره من الأفكار التي تُلقى في أذهان الجماهير الغفيرة.

كنّا ننكر على القومِ أمورًا حتى وجدنا الحقّ معهم .. من كلام أبي حامد الغزّالي.

في باب التوبة حكى الغزّالي قصة الفيل والعميان، وهي القصّة التي نُقلت من تراث السابقين ودخلت في تراث أهل الإسلام بروايات عدّة (التوحيدي-ابن عبد ربه- سنائي- الرومي) ولا تزال تجد لها صدى في الكتابات الحديثة، خاصة كل من يتحدث عن التعددية الدينية أو نسبية ما يوصف بـ(الحق أو الحقيقة) والعجيب، رغم رواية القصة من أطياف شتى سواء في حقل الفلسفة أو الأدب أو علوم الدين، إلاّ أن رواتها والمتمثلين بها لا يرون الحقّ إلاّ فيما اختاروه ويدعون إليه بكل ما أوتوا من بيان . يمكنني أن أعيد قراءة كلمة الغزالي على هذا النحو: كنّا ننكر على غيرنا لضيقٍ أصابنا وأصابهم، فلمّا تخلّصنا من الضيق وتخلّقنا بسعة الصدر، ورأينا أنه لا يمكن لطائفة أن تمتلك (الحقَّ) وحدها، ورأيناه موزّعًا في الأكوان، ورأينا أننا نتطور كل يوم، ونصوّب معارفنا، ونحاول أن نتخلّق بما يناسب (إنسانيتنا) التي لا تملك القول الفصل أو القطع.. أصبحنا لا ننشغل بالإنكار أو الرفض، وانشغلنا بأنفسنا لأننا وجدناه أنفع لنا!

إننا اليوم نعيشُ في مرحلة مختلفة من مراحل التّصوفِ، يمكن توصيفها بـ(أرحب من الطُّرقية) أو (ما بعد الطُّرقية) ينبغي أن يهتم بها الدّارسون والباحثون الذين يعتبرون أنفسهم مختصّين في هذا الحقل، كما ينبغي على أهل الطّرق أو من صحّ توجّهه وقصده منهم أن يتفهّموا هذا اللون الصوفيّ الذي أضحى منتشرًا، فبعد أن كانت البلدان العربة أو الإسلامية هي التي تصدّر التصوف، أصبح أهلها وخاصة الشباب منجذبين إلى التصوف الناطق بلغات أعجمية، وإن نطق بالعربية فبروح أهل الغرب!

هذا اللون الجديد من التّصوف لا يقيم وزنًا للعصبيات والمسمّيات الطُّرقية، كما لا يعتد بشرائط أهل التصوف الحالية، ولا تنطلي عليه الهالات الصورية التي يصطبغ بها أهل التصوف الكلاسيكي، ولا الأشكال التي يلتزمون بها (شكلاً لا معنى ومبنى) من باب إثبات وجودهم وبقائهم في مشهد الحياة .. في عالم لم يعد يعترف بالصورة كما كان تصوّف الأمس الذي نقرأ عنه يمقتُ الصورة ويزهّد الناس فيها لفنائها وللاهتمام بما هو أبقى وأنفع للذات.

أن تكون صوفيّاً؛ أي أن تخلع عنك كل الأفكار المُسبقة ما كان بالياً منها أو غضًّا، ولا تفرض فكراً على أحد ولا تنشغل بأفكار الآخرين، مهما ظهر لك أنها لا تناسبك ولا تناسب الآدميين، وإن كنت مهموماً بتغيير العالم من حولك، فإنه سيتغير حتماً إن تغيّرت، ومن خلال حياتك الناجحة وبشريتك الراقية سيسعى غيرك للحصول على ما حصلت.

 

التعليقات السابقة

لا يوجد تعليقات سابقة. كن أول من يقوم بالتعليق

أضف تعليقاًً

الاسم
البريد الإلكتروني
* اختياري
عنوان التعليق
التعليق