حامد عمار عندما تتجاوز الإرادة حواجز المكان
22 اغسطس 2015 | 0 تعليق
حامد عمار
ولد شيخ التربويين المصريين حامد عمار في 25 فبراير 1921م، في قرية سلوا الواقعة في قلب محافظة أسوان، والتي وصفها عمار بأنها كانت قمة العزلة والحرمان والنسيان، فلم يكن يصلها مع القريب من القرى والبنادر سوى ركائب الحمير، وفيما وراء شريط السكة الحديد الذي كان يقف قطاره القشاش مرة واحدة في اليوم تمتد حقول الزراعة حتى شاطئ النيل الشرقي، والذي تخنقه دون هوادة جبال الصحراء الغربية، ذلك النيل الذي يفيض أحيانا على الأراضي الزراعية، فيدمر محاصيلها، ويلجأ أهل القرية إلى نظام "الفردة" القائم على تجنيد عمدة القرية للفلاحين الفقراء لصيانة الترع وتعليتها كنوع من السخرة دون أجر.
لم تعرف القرية ما يسمى بالوحدة الصحية سوى في الأربعينيات؛ فالدواء الشائع كان أعشاب الشيح والحرجل وحلف البر والحجامة والبن للجروح، والكتاتيب كانت المدرسة الأولى التي يتعلم فيها أطفال القرية آيات الذكر الحكيم، وبعض العمليات الحسابية المتواضعة إلى جانب المدرسة الإلزامية الحكومية للبنين والبنات.
شاهد الطفل حامد عمار في الخامسة من عمره الجرامافون مع بقية أهل القرية، فكان يوما تاريخيا، حيث تجمع حوله حشد غفير من الأطفال والشباب والرجال؛ ليشهدوا تلك الآلة وهي تخرج صوتا شجيا فردد أغلبهم: "يا الله!!! الخواجات ما غلبهم إلا الموت"، وصدمه أول لقاء مع مُنتَج حداثي أوروبي، ومع بداية الحرب العالمية الثانية وصلت الصحف إلى القرية البائسة بعد قرون من اقتصار القرية على قراءة القرآن وبعض الأحاديث النبوية.
درس عمار في كتاب من الكتاتيب، وحفظ أجزاء من القرآن الكريم، وفي نفس الوقت كان يدرس في المدرسة الإلزامية، فشهد معاملة المعلم القاسية مع تلاميذه، وكيف يمارس المعلم عمله متبرما من ذلك المنفى في إحدى قرى الجنوب النائية الحارة.
وأثناء شرح درس تاريخ حفر قناة السويس، وكيف حفر أجداد المصريين القناة بالسخرة، ينطق لسان عمار مقاطعا :"هذا يا أستاذ يحدث في نظام الفردة في قريتنا"، فالفتى يعمل عقله لا إراديا، فهو ينطلق من هم أساسي هو القرية.
وتأتي "المصادفة الخارقة" – حسب وصف حامد عمار- فالتقى والده مدرسا من مدينة أدفو، أثنى على مستوى الصبي ونصحه بأن ينقل ابنه في المدرسة الابتدائية في بندر أدفو، ويسافر الصبي إلى أدفو في خريف 1927/1928م في السابعة من عمره، ويصبح من العشرة الأوائل في عامه الأول بالمدرسة، ولبعد المسافة انتقل عمار مجددًا إلى مدرسة أسوان الابتدائية حتى يصبح قريبا من أسرته.
وتظهر علامات التبرم على وجه الفتى من تلك المدينة الخالية من الصحف والسينما، وكل متعة سمع عنها من المصراوية القادمين من حضر العاصمة القاهرية أم الدنيا، فالفتى لم يجد فسحة غير الذهاب إلى خزان أسوان.
ويحصل الفتى على الشهادة الابتدائية مع منبه هدية، ويلقي كلمة التلاميذ في نهاية العامالدراسي، وتنتهي تلك المرحلة لتبدأ مرحلة جديدة في طريق الآلام نحو التفوق، فالثانوية كانت خمس سنوات ومصاريفها تبلغ عشرين جنيها للخارجي و أربعين جنيها للداخلي، وهو ما يساوي ثمن فدان أرض زراعية خصبة، وتحدث المعجزة فتصدر وزارة المعارف أمرًا بدفع طلاب أسوان لربع المصروفات، بعد أن باع الوالدان فدان الأرض، فعلى العبد التدبير وعلى الله التيسير.
وتفتح العالم أمام الفتى الفقير الذي اعتمد على شهادة الفقر المعتمدة من العمدة والمشايخ
وخاتم المديرية، وبرغم زيه الذي يوحي حتما بالتواضع والفقر، فإنه سرعان ما اندمج في أنشطة المدرسة الفنية والرياضية تعويضا عن فقره وإثباتا لنجاحه وثقته بنفسه، وفي السنة الثانية من المرحلة الثانوية تزداد مصاريف الحياة، فيضطر أبوه مجددا لبيع قطعة أخرى من الأرض مع "كردان" أمه العزيز، وفي ختام المرحلة تدخل مصر أزمة اقتصادية عنيفة، وتلغي المجانية فيبيع الأب قطعة ثالثة ثم يمن الله على الملك فؤاد بالشفاء إثر عملية جراحية فيعفي العشرة الأوائل في كل مرحلة تعليمية من المصروفات.
وتزدهر الحياة أكثر أمام الفتى فكان من أوائل الثانوية، ومع فقره يدخل كلية الآداب لأن مصاريفها أقل، ويندمج في الحياة الجامعية، وتتفتح أمامه طاقات من الفكر والتفكير باستماعه لكبار المفكرين والأساتذة وبحواره معهم، ويستمع حامد عمار لموسيقى بيتهوفن وباخ وتشايكوفسكي من خلال جرامافون الناقد والأكاديمي محمد مندور، ويشتري سلاسل الكتب، فيقرأ لطه حسين معجبا بسلاسة أسلوبه وثقافته العريضة العميقة، ووضوح أحمد أمين ووهج صياغته وتشبيهاته، وغيره من رواد الفكر المصري والعربي.
تخصص عمار في التاريخ وتخرج في كلية الآداب جامعة فؤاد الأول (القاهرة حاليا) ثم معهد التربية للمعلمين، ضمانا للتوظف، ويسجل رسالة الماجستير عن "علاقة مصر المملوكية بالدول الإفريقية"، وفي أواخر عام 1945 وبإلحاح من الأستاذ إسماعيل القباني يسافر عمار إلى إنجلترا ليسجل رسالة الماجستير بجامعة لندن في موضوع "عدم تكافؤ الفرص التعليمية في مصر" عام 1949، ثم يسجل رسالة الدكتوراه في "اجتماعيات التربية في قرية سلوا" وتعد أول رسالة دكتوراه تنشر لمبتعث مصري في مجال اجتماعيات التربية عن إحدى دور النشر الأمريكية الكبرى، واستمر الطلب عليها منذ عام 1954 حتى 2003.
ويحصل حامد عمار الطفل الذي قارن بين سخرة المصريين أثناء حفر القناة وفردة الفلاحين أهل قرية سلوا، على درجة الدكتوراه عن قريته، فمنها البداية وعنها درس وفكر وكتب، ولهموم المواطن البسيط انحاز، وبضرورة تحقيق العدالة في التعليم آمن، وبأن يكون التعليم محورا من محاور عمل الدولة المصرية تقوم عليه بإنشاء المؤسسات التعليمية وتوفير المناهج العصرية وخلق وتربية الطلاب المجتهدين طالب.
لم ينس عمار التزامه بنهضة أمته العربية، فساهم في تأسيس معهد الخدمة الاجتماعية بالأردن عام 1970، وأسهم في برامج مكتب صندوق الأمم المتحدة لرعاية الأطفال (يونيسيف) الإقليمي في أبوظبي بين عامي 1972 و1974، وتأسيس مركز التدريب على العمل الاجتماعي في العاصمة العمانية مسقط، وساهم أيضا في وضع وثيقة إنشاء الصندوق العربي للعمل الاجتماعي التابع لمجلس وزراء الشؤون الاجتماعية العرب في تونس (1982)، وتأسيس المجلس القومي للطفولة والأمومة بمصر (1988)، وقسم الدراسات التربوية في معهد الدراسات والبحوث العربية التابع للمنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم (2001)، كما أصدر عمار عدة كتب تتناول القضايا التربوية، منها كتابه الأول "العمل الميداني في الريف" في 1954، وأتبعه بكتب منها "في اقتصاديات التعليم" و"أعاصير الشرق الأوسط وتداعياتها السياسية والتربوية"، "وفي آفاق التربية العربية المعاصرة من رياض الأطفال إلى الجامعة"..
نال حامد عمار في عام 2008 جائزة النيل في العلوم الاجتماعية، وهى أكبر جائزة تمنحها الدولة في مصر، وفي 9 ديسمبر 2014 رحل حامد عمار عن عالمنا ليترك لنا نموذجا للكفاح ضد الفقر والجهل.
التعليقات السابقة
لا يوجد تعليقات سابقة. كن أول من يقوم بالتعليق
أضف تعليقاًً
* اختياري

