أبو الحسن الأشعري: إمام أهل السنة والجماعة
21 اغسطس 2015 | 0 تعليق

أرشيفية
محمد بوشيخي - ذوات

هو علي بن اسماعيل بن إسحاق بن سالم بن إسماعيل بن عبد الله بن موسى بن أبي بردة بن أبي موسى الأشعري، المعروف اختصارا باسم أبو الحسن الاشعري، اختلف في تاريخ ولادته بين من قال سنة 260هـ وقائل سنة 270هـ بالبصرة، كما اختلف في تاريخ وفاته على ثلاثة أقوال: سنة 324هـ، و330هـ ومن قائل 333هـ.

نشأ في بيئة معتزلية تؤمن بخلق القرآن وأن الله لا يرى في الآخرة بالأبصار وأن الأفعال من خلق العباد، وارتبط في أولى مراحل حياته بواحد من أبرز شيوخها، أبي علي الجبائي، الذي لم يكن سوى زوج أمه، فتشرب مسلك "أهل العدل والتوحيد" في الحجاج والاستدلال وتشبع بأصولهم في الايمان والاعتقاد، وسار على درب غالبيتهم في الفقه والأحكام بتبني منهج أبي حنيفة النعمان.

الأشعري ملهم الأشاعرة

غير أن انقلابا فكريا سيحصل في قناعات الأشعري سيحمله إلى نحت مذهب جديد مفارقا لمذهب الاعتزال في العقيدة، ويسمى بالأشعرية نسبة إليه، وفي هذا يقول أبو الفتح الشهرستاني في كتابه الملل والنحل: "الأشعرية أصحاب أبي الحسن علي بن إسماعيل الأشعري المنتسب إلى أبي موسى الأشعري رضي الله عنهما، وسمعت من عجيب الاتفاقات أن أبا موسى الأشعري رضي الله عنه كان يقرر عين ما يقرر الأشعري أبو الحسن في مذهبه ".

ويعود سر هذا الانقلاب حسب ما تردد المؤلفات السنية إلى استشكال عدد من القضايا على الأشعري التي لم يجد لها جوابا مقنعا في استدلالات المعتزلة، هكذا يحكي عنه الدكتور عبد القادر محمد الحسين، في كتابه "إمام أهل الحق: أبو الحسن الأشعري"، بالقول: "لما جاوز الأربعين –زمن النضج الفكري واكتمال القوى العقلية- ازدادت الحيرة لديه بازدياد بحثه عن الحقيقة...، ولكن الحيرة لم تفارقه، فكان بحاجة إلى طاقة روحية تثبت فؤاده وتحوله من علم اليقين إلى عين اليقين".

نشأ في بيئة معتزلية تؤمن بخلق القرآن وأن الله لا يرى في الآخرة بالأبصار، وأن الأفعال من خلق العباد، وارتبط في أولى مراحل حياته بواحد من أبرز شيوخها، أبي علي الجبائي، الذي لم يكن سوى زوج أمه.

ويذكر رواية تنسب للأشعري يقول فيها :"وقع في صدري في بعض الليالي شيء مما كنت فيه من العقائد –أي شك وارتياب- فقمت وصليت ركعتين وسألت الله تعالى أن يهديني الطريق المستقيم... ونمت فرأيت رسول الله (ص) في المنام، فشكوت إليه بعض ما بي من الأمر؛ فقال رسول الله (ص): عليك بسنتي. فانتبهت وعارضت مسائل الكلام بما وجدت في القرآن والأخبار فأثبته ونبذت ما سواه ورائي ظهريا".

حيث يبدو من هذا الكلام دخول الأشعري في صراع ذاتي شبيه بما عاشه الغزالي، قبل تحرير "الإحياء"، وهذا ما ينكشف من مضمون المناظرة التي جمعته بالجبائي، وتنقل وقائعها عدد من المؤلفات، ومفادها أن أبا الحسن الأشعري "لما تبحر في كلام الاعتزال وبلغ فيه الغاية، كان يورد الأسئلة على شيخه وزوج أمه الجبائي في الدرس ولا يجد فيها جواباً شافياً فتحير في ذلك، فكان أن سأل مرة أستاذه أبا علي الجبائي عن ثلاثة إخوة، كان أحدهم مؤمناً براً تقياً، والثاني كان كافراً فاسقاً شقياً، والثالث كان صغيراً، فماتوا فكيف حالهم؟، فقال الجبائي: (أما الزاهد ففي الدرجات، وأما الكافر ففي الدركات، وأما الصغير فمن أهل السلامة)، فقال الأشعري: (إن أراد الصغير أن يذهب إلى درجات الزاهد هل يؤذن له؟)، قال الجبائي: (لا!! لأنه يقال له: أخوك إنما وصل إلى هذه الدرجات بطاعته الكثيرة وليس لك تلك الطاعات)، فقال الأشعري: فإن قال (ذلك التقصير ليس مني، فإنك ما أبقيتني ولا أقدرتني على الطاعة؟)، فقال الجبائي: (يقول البارئ جل وعلا: كنتُ أعلم لو بقيتَ لعصيتَ وصرتَ مستحقاً للعذاب الأليم فرعيتُ مصلحتَك)، فقال الأشعري: (فلو قال الأخ الأكبر: يا إله العالمين كما علمت حاله فقد علمت حالي، فلم راعيت مصلحته دوني؟!)، فانقطع الجبائي".

وينقل الدكتور عبد القادر محمد الحسين، ما يحكى عن انتقال الأشعري إلى مذهب أهل السنة والجماعة، بالقول إنه غاب عن الناس مدة خمسة عشر يوما قضاها في بيته متفكرا متأملا قبل أن يقرر الخروج إلى الجامع؛ ويصعد المنبر يوم الجمعة، ليخاطب الناس بالقول: "معاشر الناس؛ إني إنما تغيبت عنكم في هذه المدة لأني نظرت فتكافأت عندي الأدلة، ولم يترجح عندي حق على باطل، ولا باطل على حق؛ فاستهديت الله تبارك وتعالى فهداني إلى اعتقاد ما أودعته في كتبي هذه، وانخلعت من جميع ما كنت أعتقده كما انخلعت من ثوبي هذا. وانخلع من ثوب كان عليه ورمى به، ودفع الكتب إلى الناس، فمنها كتاب: (اللمع) وكتاب أظهر فيه فساد رأي المعتزلة سماه كتاب: (كشف الأسرار وهتك الأستار) وغيرهما. فلما قرأ تلك الكتب أهل الحديث والفقه من أهل السنة والجماعة أخذوا بما فيها وانتحلوه واعتقدوا تقدمه واتخذوه إماما؛ حتى نسب مذهبهم إليه"، واعتبروه مذهب السلف الحق.

الأشعري بين "الإبانة" و"اللمع"

غير أن بعض الكتابات السنية لأهل الحديث تطرح شكوكا حول ثبات الأشعري على مذهبه الجديد الذي صار يعرف باسمه وتؤكد تحوله إلى مذهب المحدثين وانتصاره لمنهجهم في آخر حياته التي ختمها بكتاب "الإبانة"، وسندهم في قولهم هو محتويات الكتاب التي جاءت مقررة لعقائد المحدثين في قضايا الأسماء والصفات ومشيدا برجالهم ومتفاديا الحديث عن "الكسب"،

يعود سر انقلاب الأشعري فكريا حسب ما تردد المؤلفات السنية إلى استشكال عدد من القضايا على الأشعري التي لم يجد لها جوابا مقنعا في استدلالات المعتزلة

فتبدت الهوة السحيقة بين تقريراته هذه وما عليه الاشاعرة. وفي هذا كتب الأستاذ أبو القاسم القشيري "اتفق أصحاب الحديث أن أبا الحسن علي بن إسماعيل الأشعري كان إماما من أئمة أصحاب الحديث، ومذهبه مذهب أصحاب الحديث، تكلم في أصول الدين على طريقة أهل السنة ورد على المخالفين من أهل الزيغ والبـدع وكان على المعتزلة والمبتدعين من أهل القبلة والخارجين عن الملة سيفا مسلولا، ومن طعن فيه أو قدح أو لعنه أو سبه فقد بسط لسان السوء في جميع أهل السنة ".

وهذا قول لا يسلم من نقد كما أن الحجج التي يستند عليها تتعرض لعدد من الانتقادات، وممن تصدى لهذه الدعاوى الأستاذ حموده غرابه في تعليقه على "كتاب اللمع في الرد على أهل الزيغ والبدع" للإمام أبي الحسن الأشعري الذي دحض القول بأن يكون "الإبانة" آخر ما كتب الأشعري.

بل يؤكد غرابيه ، قناعة المستشرق "فنسنك"، حول أسبقية "الإبانة" على "اللمع" وبالتالي، فالكتاب الأخير يحدد "مذهب الأشعري في وضعه النهائي الذي مات صاحبه وهو يعتنقه ويعتقد صحته ويدافع عنه ويرضاه لأتباعه"، ويستشهد على قوله بأسباب منها أن الأشعري في "الإبانة" "أشرق أسلوبا وأكثر تحمسا وأعظم تحاملا على المعتزلة، وأكثر بعدا عن آرائهم"، كما أنه بمراجعة باب مشترك في الكتابين يتبين أن "كتاب "اللمع" في ذلك الباب قد أحاط بمسائله وأجاد في عرض أدلته، وأفاض في اعتراضات خصومه وأحسن في الرد عليها، مما يدل على أن "كتاب اللمع" لم يكتب إلا في الوقت الذي نضج المذهب فيه في نفس صاحبه، وأنه لم يصوره في هذا الكتاب إلا بعد أن ألفه وأصبح واضحا عنده".

كما يعزز موقفه بالقول إن الأشعري في كتاب "اللمع" يظهر "أعمق تفكيرا وأسلم منهجا وأشد عناية بالأدلة العقلية إلى درجة التعقيد أحيانا"، ويهاجم فيه "قسوة أولئك الذين يضيقون بالنظر والاستدلال، وهم "الحنابلة"، ويحاول جاهدا الاستدلال على صحة ذلك من القرآن والسنة المطهرة". كما أنه "لا يتعرض لذكر الوجه واليدين والاستواء على العرش كما فعل في "الإبانة"، بل يهمل ذلك إهمالا تاما".

بعض الكتابات السنية لأهل الحديث تطرح شكوكا حول ثبات الأشعري على مذهبه الجديد الذي صار يعرف باسمه، وتؤكد تحوله إلى مذهب المحدثين وانتصاره لمنهجهم في آخر حياته التي ختمها بكتاب "الإبانة".

وفي المقابل يتحدث في متن الكتاب ب"إسهاب عن "نظرية الكسب"، وما يلزم لتأييدها من الأدلة ويعطي عناية كبيرة لبعض المسائل الهامة التي أشرنا إلى إهمال "الإبانة" لها "كمشكلة البعث" وتحديد معنى "الإيمان" ومسألة "الكبيرة" و"الوعد والوعيد" و"الخاص والعام" بما لا يخرج في أساسه عن مذهب الأشاعرة".

التعليقات السابقة

لا يوجد تعليقات سابقة. كن أول من يقوم بالتعليق

أضف تعليقاًً

الاسم
البريد الإلكتروني
* اختياري
عنوان التعليق
التعليق