رباعيات عمر الخيام: زخارفُ الدُنيا أساسُ الألم
11 اغسطس 2015 | 0 تعليق
تمثال عمر الخيام – (أرشيفية)
كان عمر الخيّام في أوقات فراغه يتغنى برباعيات في خلوته، وقد نشرها عنه من سمعها من أصدقائه. وقد تنازع النقاد والمؤرخون بشأن الرباعيات، فرأى بعضهم أنها لا تنادي إلى التمتع بالحياة والدعوة إلى الرضا أكثر من الدعوة إلى التهكم واليأس، في حين يختلف بعضهم الآخر في كون الرباعيات تخص عمر الخيام فعلاً، فهي تدعو بجملتها إلى اللهو واغتنام فرص الحياة الفانية، إلا أن المتتبع لحياة الخيام يرى أنه عالم جليل وذو أخلاق سامية.
وبسبب ذلك، يعتبر بعض المؤرخين أن الرباعيات نسبت خطأ للخيام، وقد أثبت ذلك المستشرق الروسي زوكوفسكي، فردّ 82 رباعية إلى أصحابها، فلم يبق إلا القليل الذي لم يعرف له صاحب.
والخيّام هو غياث الدين أبو الفتوح عمر بن إبراهيم الخيام المعروف بـ عمر الخيام (1040-1131م)، عالم وشاعر مسلم فارسي، ولد في نيسابور.الخيّام هو لقب والده، حيث كان يعمل في صنع الخيام.
كان أثناء صباه يدرس مع صديقين حميمين، وتعاهد ثلاثتهم على أن يساعد من يؤاتيه الحظ الآخرين، وهذا ما كان، وفق الروايات، فقد وصل إلى الوزارة نظام الملك (الطوسي) فخصّ عمر بن الخيَّام عندها بمائتين وألف مثقال يتقاضاها من بيت المال كل عام، وهكذا صار لعمر بن الخيام الوقت الكافي للتفكير بأمور وأسرار الحياة، بعد أن توفّرت له أسباب المعيشة، وكان شاعر حسن الصباح أحد قادة الطائفة الإسماعيلية النزارية.
ورغم شهرة الخيام بكونه شاعراً، فقد كان من علماء الرياضيات في عصره، واشتهر بالجبر واشتغل في تحديد التقويم السنوي للسلطان ملكشاه، والذي صار التقويم الفارسي المتبع إلى اليوم.
وهو أوّل من اخترع طريقة حساب المثلثات ومعادلات جبرية من الدرجة الثالثة بواسطة قطع الـمخروط، وهو أول من أستخدم الكلمة العربية "شي" التى رسمت في الكتب العلمية الإسبانية (Xay) وما لبثت أن استبدلت بالتدريج بالحرف الأول منها "x" الذي أصبح رمزاً عالمياً للعدد المجهول، وقد وضع الخيام تقويما سنوياً بالغ الدقة، وقد تولى الرصد في مرصد أصفهان.
الرباعيات، رغم التنازع بشأنها وبخصوص نسبتها إلى الخيّام، هي عبارة عن مقطعات من أربعة أشطار، الشطر الثالث مطلق بينما الثلاثة الأخرى مقيدة، وهى تعرف باسم الدوبيت بالفارسية، وقد ألفها الخيّام بالفارسية، رغم أنه كان يستطيع أن يصوغها بالعربية، وفق بعض الروايات التاريخية.
وكشأن الكثير من الفلاسفة أو المشتغلين في الفكر التأملي، واجه الخيّام مصاعب عديدة، حينما فسّر بعضهم فلسفته وتصوّفه على أنه إلحاد وزندقة، فأحرقت كتبه، ولم يصلنا منها سوى "الرباعيات" .
ولم يفكّر أحد ممن عاصره في جمع الرباعيات، فأوّل ما ظهرت سنة 865 هـ، أي بعد رحيله بثلاثة قرون ونصف القرن، وأوّل ترجمة للرباعيات كانت للغة الإنجليزية، وظهرت سنة 1859، أما الترجمة العربية من الفارسية فقام بها الشاعر المصري أحمد رامي، وهناك ترجمة أخرى للشاعر العراقي أحمد الصافي النجفي.
ومن ترجمة أحمد رامي، الذي غنته سيدة الغناء العربي الراحلة أم كلثوم، نقتبس النص التالي:
سمعتُ صوتاً هاتفاً في السّحَر
نادى مِن ألحانِ: غُفاة البشَر
هبُّوا املأوا كأس الطلى قبَل أن
تَفعم كأس العمرْ كفّ القدَر
---
أحسُّ في نفسي دبيب الفناء
ولم أصَب في العيشِ إلاّ الشقاء
يا حسرتا إن حانَ حيني ولم
يُتحْ لفكري حلّ لُغز القضاء
---
أفقْ وهاتِ الكأس أنعمُ بها
واكشف خفايا النفس مِن حُجبها
وروّ أوصالي بها قَبلَما
يُصاغ دنّ الخمر مِن تُربها
---
تروحُ أيامي ولا تغتدي
كما تهبُّ الريح في الفدفدِ
وما طويتَ النفس هماً عَلى
يومين: أمس المنقضى والغدِ
---
غدٌ بِظَهْرِ الغيب واليوم لي
وكم يخيبُ الظنُّ في المقبلِ
ولَستُ بالغافلِ حتى أرى
جمالَ دنيايَ ولا أجتلي
---
سمعتُ في حلمي صوتاً أهابَ
ما فتَّق النّوم كمام الشبابَ
أفق فإنَّ النّوم صنو الردى
واشرب فمثواكَ فراش الترابَ
---
قَد مزَّق البدرُ سنَار الظلام
فأغنم صفَا الوقت وهات المدام
واطرب فإنَّ البدر مِن بعدنا
يسري علينا في طباقِ الرغام
---
سأنتحي الموتَ حثيث الورود
ويَنمحي اسمي مِن سجِل الوجود
هات أسقنيها يا مُنى خاطري
فغايةُ الأيام طولْ الهجود
---
هات أسقنيها أيهذا النديم
أخضَب مِن الوجهِ اصِفرار الهموم
وإن أمُتْ فاجعَل غسولي الطلى
وقدَّ نعشيَ مِن فروعِ الكروم
---
إن تُقتلَع مِن أصلِها سُرحتي
وتصبحُ الأغصان قَد جفَّت
فصغْ وعاء الخمَر مِن طينتي
واملأهُ تسرِ الروح في جثتي
---
لَبستُ ثوبَ العيش لم أُستشَر
وحرتُ فيه بين شتّى الفِكَر
وسوفَ أنضو الثوب عنّي ولم
أُدرك لماذا جئتُ، أينَ المقر
---
نمضي وتبقى العيشةُ الراضية
وتنمحي آثارُنا الماضية
فقَبل أن نَحيا ومِن بعدِنا
وهذه الدُنيا علَى ما هيه
---
طَوت يدُ الأقدار سفرَ الشباب
وصوَّحت تلكَ الغصون الرطاب
وقَد شدا طيرُ الصبى واختفى
متى أتى . يا لهفا . أينَ غاب
---
الدهرُ لا يعطي الَّذي نأمل
وفي سبيلِ اليأس ما نَعمَل
ونحنُ في الدُنيا علَى همّها
يسُوقنا حادي الردى المُعجّل
---
أفق خفيفَ الظَّل هذا السّحَر
وهاتها صرفاً ونَاغِ الوتر
فما أطاَل النّوم عمراً ولا
قصَّر في الأعمارِ طول السهَر
---
اشرب فمثواكَ التراب المهيلِ
بلا حبيب مؤنسٍ أو خليل
وانشق عبير العيش في فجرهِ
فليسَ يزهو الورد بعدَ الذبولِ
---
كم آلم الدهر فؤاداً طعين
وأسلم الروح ظعين حزين
وليسَ ممَن فاتَنا عائدٌ
أسألهُ عن حالةِ الراحلين
---
يا دهرُ أكثرت البلى والخراب
وَسُمْتَ كُلّ الناس سوء العذاب
ويا ثرى كم فيكَ مِن جوهرٍ
يبينْ لو يُنبَش هذا التراب
---
وكم توالى الليل بعدَ النهار
وطالَ بالأنجمِ هذا المدار
فامشِ الهوينا إنَّ هذا الثرى
مِن أعينٌ ساحرةِ الاحورار
---
أينَ النديم السمح أينَ الصبوح
فقد أمضَّ الهمّ قلبي الجريح
ثلاثةٌ هنّ أحبُّ المُنى
كأسٌ وأنغامٌ ووجهٌ صبيح
---
نفُوسنا ترضى احتِكام الشراب
أرواحنا تفدى الثنايا العِذاب
وروح هذا الدنَّ نستّلهُ
ونستقيهِ سائِغاً مُستطَاب
---
يا نفسَ ما هذا الأسى والكدر
قَد وقعَ الإثم وضاع الحذر
هَل ذاقَ حلو العفوَ إلاّ الَّذي
أذنبَ والله عفَا واغتفر
---
نلبسُ بينَ الناس ثوب الرياء
ونحنُ في قبضةِ كفّ القضاء
وكم سعينا نرتجي مهرباً
فكانَ مسعَانَا جميعاً هباء
---
لم تَفتَحَ الأنفسَ باب الغيوب
حتى تَرى كيفَ تسأم القلوب
ما أتعس القلبَ الَّذي لم يَكد
يلتأم حتى أنكأتهُ الخطوب
---
عامل كاهليك الغريب الوفي
واقطع مِن الأهلِ الَّذي لا يفي
وعِف زلالاً ليسَ فيه الشفا
واشرب زعافَ السمّ لو تشتفي
---
أحسن إلى الأعداء والأصدقاء
فإنَّما أُنس القلوب الصفَاء
واغفر لأصحابكَ زلاّتهم
وسامح الأعداء تَمْحُ العِداء
---
عاشر مِن الناسِ كبار العقول
وجانب الجهّال أهل الفضول
واشرب نقيعَ السمّ مِن عاقلٍ
واسكب علَى الأرضِ دواء الجهول
---
يا تارك الخمرَ لماذا تلوم
دعني إلى ربي الغفور الرحيم
ولا تُفاخرني بهجرِ الطلى
فأنتَ جانِ في سوِاها أثيم
---
أطفئ لظَى القلب ببرد الشراب
فإنَّما الأيام مثلَ السحَاب
وعيشُنا طيف خيالٍ ، فَنل
حظّكَ منهُ قبلَ فوَت الشباب
---
بستانُ أيامك نامي الشجَر
فكيفَ لا تقطفُ غضّ الثمَر
اشرب فهذا اليوم إن أدبرت
به اللَّيالي لم يعدهُ القدر
---
جادت بساط الروض كفُّ السحَاب
فنزّه الطرفَ وهات الشراب
فهذه الخضرةَ مِن بِعدنا
تنمو علَى أجسادِنا في التراب
---
وإن توافِ العشب عندَ الغدير
وقَد كسَا الأرض بساطاً نضير
فامشِ الهوينا فوقهُ. إنه
غذّتهُ أوصالُ حبيبٌ طرير
---
يا نَفس قَد آدكِ حملُ الحزن
يا روح مقدور فُراق البدن
اقطف أزاهير المُنى قبلَ أن
يجفَّ مِن عيشك غضّ الفنن
---
يحلو ارتشاف الخمَر عندَ الربيع
ونشرُ أزهار الروابي يضوع
وتعذّب الشكوى إلى فاتنٍ
علَى شفا الوادي الخصيب الينيع
---
فلا تَتب عن حسوِ هذا الشراب
فإنَّما تَندمُ بعدَ المتَاب
وكيفَ تصحو وطيور الربى
صدّاحةٌ والروض غضّ الجناب
---
زخارفُ الدُنيا أساسُ الألم
وطالبُ الدُنيا نديم الندم
فكن خليَّ البال مِن أمرها
فكلُّ ما فيها شقاءٌ وهم
---
وأسعدْ الخلقْ قليل الفضول
مَن يهجر الناس ويرضى القليل
كأنهُ عنقاءَ عندَ السّهى
لا بومةٌ تنعبُ بينَ الطلول
---
مَن يحسبَ المال أحبَّ المُنى
ويزرع الأرضَ يريد الغِنى
يفارق الدُنيا ولم يُختَبر
في كدَّهِ أحوال هذى الدُنى
---
سرى بجسمي الغضَّ ماء الفناء
وسار في روحي لهيب الشقاء
وهمتُ مثلَ الريحَ حتى ذرَت
تُرابَ جسمي عاصفات القضاء
---
يا مَن يَحارُ الفَهمُ في قدرتك
وتطلبُ النَفسُ حمى طاعتك
أسكرَني الإثمُ ولكنّني
صحوَت بالآمال في رحمتك
---
لم أشرب الخمَر ابتغاء الطرَب
ولا دعتني قلّةٌ في الأدب
لكنَّ إحساسي نزّاعاً إلى
إطلاق نفسي كانَ كلّ السبب
---
أفنيتُ عمري في اكتناهِ القضاء
وكشفُ ما يحجبهُ في الخفاء
فلم أجد أسرارهُ وانقضى
عمري وأحسستُ دبيب الفناء
---
أطاَل أهل الأنَفس الباصرة
تفكيرهم في ذاتِك القادرة
ولم تزلْ يا ربْ أفهامهم
حيرى كهذي الأنجمُ الحائرة
---
لم يجنِ شيئاً مِن حياتي الوجود
ولن يضير الكون أنَّي أُبيد
وا حيرتي ما قالَ لي قائلٌ
ماذا اشتعالُ الروح ! كيفَ الخمود
---
إذا انطوى عيشي وحانَ الأجل
وسدَّ في وجهي باب الأمل
قَرَّ حبَاب العمر في كأسهِ
فَصَّبها للموتِ ساقي الأزل
---
إن لم أكنْ أخلصتُ في طاعتك
فإنّني أطمعُ في رحمتك
وإنَّما يشفعُ لي أنّني
قَد عشتُ لا أُشرك في وحدتك
---
يا ربْ هيئ سببَ الرزق لي
ولا تذقني منّةَ المُفضلِ
وابقني نشوانَ كيما أرى
روحي نَجتْ مِن دائِها المعضلِ
---
أفنيت عمري في ارتقابِ المُنى
ولم أذق في العيشِ طعم الهنا
وإنَّني أُشفقَ أن يَنقَضي
عمري وما فارقت هذا العَنا
---
لم يبرحَ الداء فؤادِي العليل
ولم أنل قصدي وحانَ الرحيل
وفات عمري وأنا جاهلٌ
كتابَ هذا الدهر جمّ الفصول
---
صفَا لكَ اليوم ورقَّ النسيم
وجالَ في الأزهارِ دمع الغيوم
ورجّعَ البلبل ألحانهُ
يقول هيّا اطرب وخلّ الهموم..
التعليقات السابقة
لا يوجد تعليقات سابقة. كن أول من يقوم بالتعليق
أضف تعليقاًً
* اختياري


