الفيلسوف الأديب زكي نجيب
19 اغسطس 2015 | 0 تعليق
زكي نجيب محمود
اشتهر زكي نجيب محمود بأديب الفلاسفة وفيلسوف الأدباء؛ فقد استطاع بكتاباته السلسة أن يبسّط أكثر الأفكار والنظريات الفلسفية تعقيدًا، ليصبح بمقدور العاميّ والقارئ المبتدئ أن يتعرّف على تلك الأفكار، دون أن تقف لغة الفلاسفة الجامدة عقبةً في طريق الفهم.
ولد المفكر الدكتور زكي نجيب محمود بقرية ميت خولي التابعة لمركز الزرقا بمحافظة دمياط عام 1905م، التحق في بداية حياته بالكتّاب لحفظ القرآن، ثم التحق بمدرسة السلطان مصطفى الأولية بميدان السيدة زينب بالقاهرة، وهو في الخامسة عشرة من عمره بعد أن انتقلت أسرته إلى القاهرة، بعد أن عمل أبوه بمكتب حكومة السودان بالقاهرة.
التحق فيما بعد بمدرسة المعلمين العليا حتى تخرج منها عام 1943م، ثم سافر إلى إنجلترا لينال الدكتوراه في الفلسفة عام 1947م، وعاد بعدها ليعمل بالتدريس بجامعة القاهرة إلى أن أحيل على التقاعد عام 1965م، ثم سافر للعمل بالكويت عام 1968م ليقضي هناك خمسة أعوام أستاذًا للفلسفة بجامعة الكويت. كما عمل نجيب أستاذاً زائرًا في جامعة كولومبيا بولاية كارولينا الجنوبية، وبعد أن أمضى بها الفصل الدراسي الأول انتقل إلى التدريس بجامعة بولمان بولاية واشنطن في الفصل الدراسي الثاني، ثم عمل بالملحق الثقافي بالسفارة المصرية بواشنطن بين عامي 1954 - 1955م.
نال نجيب العديد من الجوائز من بينها جائزة الدولة التشجيعية سنة (1960م) عن كتابه نحو فلسفة علمية، وجائزة الدولة التقديرية في الآداب سنة (1975م)، كما منحته جامعة الدول العربية جائزة الثقافة العربية سنة (1985م)، وكان أول من نالها في العالم العربي، ومنحته الجامعة الأمريكية بالقاهرة الدكتوراه سنة (1985م)، كما حصل على جائزة سلطان العويس سنة (1991م) من دولة الإمارات العربية.
يتعرض نجيب في هذا المقطع من كتابه "المعقول واللامعقول في تراثنا الفكري" لجانبٍ من منهجه في التعامل مع التراث:
"على أن طريق العقل الذي نلتمسه لنسير فيه ليس هو طريقاً كله المنطق الجاف الذي يصنف الكائنات أجناساً وأنواعاً بعد أن يسلبها مضامينها الحية، ولا يبقي منها إلا أشكالها الخارجية الفارغة من الغذاء والدسم، لا، بل إن مرادنا هنا هو ان نعيش ثقافتنا القديمة وهي في حالات نبضها مليئة بمشكلاتها وكل ما في الأمر هو أننا نريد أن نتخير من تلك الثقافة مواقفها التي عالجتها بالإدراك السليم، لا بالعاطفة حتى وإن كانت رضية ودافئة.
وللإدراك السليم في مواجهة المشكلات صور ليست كلها أقيسة أرسطية جفت في هياكلها عصارة الحياة، بل إن منها ما هو أقرب إلى عفوية الطفل في إدراكه، ومنها ما هو ممتزج بالسخرية اللطيفة ومنها ما هو إدراك للبصيرة النافذة، تصل إلى الحق بلمحة واحدة ولنا بعد ذلك أن نقيم على ذلك الحق ما استطعنا من تبرير وبرهان، ولا بد أن يكون في حصاد الثقافة العربية كل هذه الصنوف من الإدراك السليم في مختلف المواقف التي تعرضت لها."[1]
ويبدو من النص اهتمام المفكر الكبير بالتراث العربي والإسلامي في سياق مشروعه الفكري، كما اهتم بنقل ما رآه مهماً ومثرياً للمكتبة العربية من الفلسفات والمعارف الغربية، ويعكس النص منهجا مميزا في قراءته ونظرته للتراث، فبالرغم من عقلانيته الشديدة واعتزازه بالنظرة العقلية النقدية، إلا أنه كان حريصًا على أن يبقى بعيدًا عن المنطق العقلي الجاف الذي يسلب الكائنات مضامينها الحية. تعامل نجيب مع التراث بمنزلة وسط بين القبول الأعمى والرفض المتشنج فقد كان داعياً إعادة إحياء التراث في ثوب عصري يتماشى مع معطيات العصر وينضج مع الزمن.
[1]كتاب المعقول واللامعقول في تراثنا الفكري ص19، دار الشروق، 1978م.
التعليقات السابقة
لا يوجد تعليقات سابقة. كن أول من يقوم بالتعليق
أضف تعليقاًً
* اختياري



