روسو والدين المدني
17 اغسطس 2015 | 0 تعليق
إن النص الذي بحوزتنا هو جزء من أهم الفصول التي كتبها جون جاك روسو في كتابه الشهير" العقد الاجتماعي"، أسماه بالدين المدني، وهو نسق يفصل فيه الفيلسوف السويسري فلسفته التي اعتبرت محطة من أهم المحطات في تاريخ الحداثة الغربية، ومن المرجعيات المؤسسة لأهم المفاهيم، التي انبنى عليها الفكر الغربي واغترف من روافدها، خاصة في المجال السياسي، فمع روسو تحققت مرحلة انتقالية حيوية في القرن الثامن عشر وكانت بداية لاختمار الفكر العقلاني في القرن الذي يليه. فروسو نقل الفكر الغربي من أنساق ما يصطلح عليه ب"الفلسفة الشعبية" في المجال العقدي إلى ما سمي ب"الدين الطبيعي". وكما يقول:" إذا نُظِرَ إلى الدين من حيث المجتمع، الذي يكون عامٍّا أو خاصٍّا أمكن أن يُقَسَّمَ إلى نوعين: دين الإنسان ودين المواطن؛ فالأول، العاطل من معبدٍ وهياكلَ وطقوس والمقصور على عبادة الرب الأعلى الباطنية وعلى واجبات الأخلاق الأزلية، هو دين الإنجيل البسيط والتوحيد الحقيقي مع إنكار الوحي، وهو ما يمكن أن يُسَمَّى الحقَّ الإلهي الطبيعي. والآخر، المسنون في بلد واحد، ينعم عليه بآلهته وحماته الحافظين، وله عقائده وطقوسه وعبادته الظاهرية المفروضة بقوانين، فإذا عدوت الأمة الوحيدة التي تتبعه عُدَّ جميع يجب أن يلاحظ جيدًا كون المجالس الرسمية الكثيرة، كمجالس فرنسة، ليست ما يربط الإكليروس بهيئة بمقدار ما تربطه صحبة الكنائس، فالصحبة والحرمان هما ميثاق الإكليروس الاجتماعي، ميثاق يكون به سيد الشعوب والملوك، ويكون جميع القساوسة الذين يشتركون معًا مواطنين، ولو كانوا في طرفي العالم، ويعد هذا من أروع مبتكرات السياسة".
وجون جاك روسو كاتب وفيلسوف تميز بكونه من الكتاب العقلانيين الذين بصموا تاريخ أوروبا، خاصة في المرحلة التي امتدت من أواخر القرن السابع عشر إلى أواخر القرن الثامن عشر الميلاديين، ساعدت فلسفته في تشكيل الأحداث السياسية التي أدت إلى قيام الثورة الفرنسية، وأثرت أعماله مجالات التعليم والأدب والسياسة.
لم يكن للناس في البُداءة ملوكٌ غير الآلهة وحكومة غير الحكومة الإلهية، وقد أتوا مثل
تَعَقُّلِ كاليغولا، وقد أصابوا في تعقلهم بذلك، وكان لا بد من تغيير طويل في المشاعر
والأفكار حتى يمكن الناس أن يتخذوا أمثالهم سادة لهم راجين أن يلاقوا خيرًا من
صنعهم ذلك.ولذلك وحده وُضِعَ الرَّبُّ على رأس كل مجتمع سياسي، ومن ثم كان يوجد منالآلهة من هم بعدد الشعوب، وما كان الشعبان الغريب أحدهما عن الآخر، المتعاديان
دائمًا تقريبًا، ليستطيعا أن يُسَلِّما بسيد واحد زمنًا طويلًا، وما كان الجيشان المتقاتلان
ليستطيعا أن يطيعا رئيسًا واحدًا، وهكذا تؤدي التقسيمات القومية إلى تعدد الآلهة، ومن
هنا نشأ عدم التسامح اللاهوتي والمدني الذي هو هو بحكم الطبيعة كما نرى ذلك فيما
بعد.
وما كان من هوى الأغارقة في لقاء آلهتهم ثانية بين شعوب البرابرة نشأ عن أنهم
كانوا يَعُدُّون أنفسَهم سادة طبيعيين لهذه الشعوب أيضًا، ولكنك لا تجد عبثًا كلوذعية
أيامنا المضحكة التي تطابق بين آلهة مختلف الأمم، كما لو كان يمكن مولك وساتورن
وكرونوس أن يكونوا عين الإله، وكما لو كان يمكن بعل الفنيقيين وزوس الأغارقة
وجوبيتر اللاتين أن يكونوا ذات الإله، وكما لو كان يمكن أن يبقى شيئا مشتركا بينموجودات وهمية تحمل أسماء مختلفة!
وإذا ما سئل عن عدم وجود حروب دينية مطلقًا في أدوار الوثنية حين كان لكلدولة عبادتها وآلهتها، أجبتُ بأنه إذا كان لكل دولة عبادتها الخاصة، وحكومتها أيضًا،فإنه لم يُفَرَّقْ بين آلهتها وقوانينها قط، وكانت الحرب السياسية لاهوتية أيضًا، ولذلككانت ولايات الآلهة معينة بحدود الأمم، ولم يكن لإله شعب أي حق على الشعوب الأخرى،العقد الاجتماعيولم يكن آلهةُ الوثنيين آلهةً غُيُرًا فكانوا يقتسمون سلطان العالم فيما بينهم، حتى إنموسى و الشعب العبري ذهبا إلى هذا الرأي أحيانًا عند كلامهما عن إله إسرائيل. أجل، كانايعدان آلهة الكنعانيين عاجزين، آلهة هؤلاء القوم ذوي الدم الطليل، والمحكوم عليهمبالهلاك، والذين كان بنو إسرائيل يطمعون في الاستيلاء على بلدهم، ولكن انظروا كيفكانوا يتكلمون عن آلهة الشعوب المجاورة الذين مُنِعوا من الهجوم عليهم، قال يَفْتَاحُلبني عَمُّون: أليس أن ما يُمَلِّكك إياه كَمُوشُ إلهُك إياه تَمْلِك، وجميع الذين طردهم الربإلهنا من أمامنا إياهم نملك؟ فيظهر لي أن هذا اعتراف بأن حقوق كموش وحقوق إلهإسرائيل متماثلة.ولكن اليهود عندما خضعوا لملوك بابل، ثم لملوك سورية، أرادوا الإصرار على عدمالاعتراف بإله غير إلههم، فعُدَّ هذا الرفضُ تَمَرُّدًا على الغالب وأدى إلى ما نقرأه فيتاريخهم من اضطهادهم بما لا يُرَى له مثيلٌ قبل النصرانية. ولذلك، وبما أن كل دين مرتبط في قوانين الدولة التي أمرت به، فإنه لم يكن قطوجهٌ آخرُ لهداية شعب غير استعباده، ولم يكن قط مبشرون آخرون غير الفاتحين،وبما أن وجوب تغيير العبادة قانون خضع له المغلوب فإنه كان من الضروري أن يُبْدَأَبالانتصار قبل الحديث في ذلك التغيير، ومن البعيد أن يكون الناس قد قاتلوا في سبيل الآلهة. والآلهة، كما جاء في أوميرس، هم الذين قاتلوا في سبيل الناس، وكل كان يسألإلهه أن ينصره فيقابله بهياكل جديدة، وكان الرومان قبل الاستيلاء على مكان ينذرونآلهته بمغادرته! وهم عندما تركوا لأهل تارانت آلهتهم الذين أغُضبوا كان ذلك لأنهم عدواهؤلاء الآلهة، حينئذ، خاضعين لآلهتهم مُكرَهين على تقديم الولاء إليهم، وهم قد تركواللمغلوبين آلهتهم كما تركوا لهم قوانينهم، وكان وضع إكليل على جوبيتر بالكابيتول فيالغالب الضريبة الوحيدة التي يفرضونها.
ثم لما وسع الرومان عبادتهم وآلهتهم مع إمبراطوريتهم، ولما انتحلوا في الغالب آلهةالمغلوبين بمنحهم حق المدينة، وجد شعوب هذه الإمبراطورية الواسعة أنفسَهم، على وجهغير محسوس، ذوي جُمُوعٍ من الآلهة والعبادات واحدة في كل مكان، وهكذا لم تعرفالوثنية في العالم المعروف غير دين واحد بعينه.ففي هذه الأحوال أتى يسوع ليقيم على الأرض مملكة روحية، وهذا ما جعل الدولة،بفصله النظام اللاهوتي عن النظام السياسي، تكون غير واحدة فأوجب من الانقساماتالداخلية ما انفك يقلق الشعوب النصرانية، والواقع أن هذه الفكرة الجديدة لمملكة فيالعالم الآخر لم تستطع الدخول في رأس الوثنيين قط فعدوا النصارى عصاة حقيقيين،مع تظاهر هؤلاء بالخضوع، غير باحثين عن سوى الوقت الذي يكونون فيه سادةمستقلين فيغتصبون، بمهارةٍ، السلطة التي تظاهروا باحترامها في أثناء ضعفهم، فكانهذا سبب الاضطهادات.
ويحدث ما خافه الوثنيون، وهنالك يُغَيِّر كلُّ شيء منظرَه، ويغير النصارى الوُضَعَاءُلهجتَهم، ولسرعان ما رئيت مملكة العالم الآخر المزعومة تتحول إلى أعنف استبداد فيهذه الدنيا تحت قيادة رئيس منظور.ومع ذلك، وبما أنه وُجِدَ أميرٌ وقوانينُ مدنيةٌ دائمًا، نشأ عن هذا السلطان المضاعفوتصادم الحاكمية في الدول النصرانية تَعَذُّرُ كلِّ سياسة صالحة، ولم يُوَفَّقِ الناس قطلمعرفة أي الرجلين يُلزَمون بإطاعته: آل سيد أم القسيس؟ومع ذلك فإن كثيرًا من الشعوب، حتى في أوربة أو في جوارها، أراد حفظ النظامالقديم أو إعادته، ولكن من غير نجاح؛ فقد سادت الروح النصرانية كلَّ شيء، وقد ظلتالعبادة المقدسة دائمًا، أو صارت ثانية، مستقلَّةً عن السيد ومن غير ارتباط ضروري فيكيان الدولة، وكانت لِمُحَمَّدٍ آراءٌ صائبةٌ جدٍّا؛ فقد أحسن وصل نظامه السياسي، وذلك أنظَلَّ شكلُ حكومته باقيًا في عهد خلفائه، فكانت هذه الحكومة واحدة تمامًا، وصالحة إلىهذا الحد، غير أن العرب أصبحوا مُوسِرين متعلمين مثقفين مُتْرَفين مرتخين فأخضعهمالبرابرة، وهنالك بدأ الانقسام بين السلطتين، وهذا الانقسام، وإن كان أقلَّ ظهورًا بينالمسلمين مما بين النصارى، موجودٌ على كل حال، ولا سيما في شيعة عَلِيٍّ، ويوجد منالدول كفارس، ما انفك يُشْعَرُ به فيها.وبيننا جعل ملوك إنكلترة أنفسهم رؤساء للكنيسة، ومِثْلُ هذا ما صنعه قياصرةروسية، غير أنهم بَدَوْا بهذا اللقب سادةً لها أقل مما بَدَوْا قساوسة لها، وأنهم نالواحق تغييرها أقل مما نالوا سلطة في حفظها، وهم ليسوا مشترعين لها، بل أمراؤها، والإكليروس، حيث يكون هيئة، يظهر سيدًا ومشترعًا في وطنه، ولذلك يوجد سلطتانوسيدان في إنكلترة وروسية كما في غيرهما.
والفيلسوف هُوبْز، من بين جميع مؤلفي النصارى، هو الذي أبصر الشر جيدًاوعالجه، وهو الذي جرؤ على اقتراح جمع رأسي النَّسْر ورد كل شيء إلى الوحدة السياسيةالتي لا تكون الدولة، ولا الحكومة، حسنة التنظيم بغيرها، غير أنه وجب عليه أن يرىمناقضة الروح السائدة للنصرانية لنظامها وكون مصلحة القسيس أقوى من مصلحةالدولة دائمًا، وما اشتملت عليه نظريته السياسية من فظاعةٍ وخطأٍ لم يجعلها ممقوتة أكثر مما جعلها ما انطوت عليه من صواب وصحة.وأرى أنه إذا ما فُصِّلَت الوقائع التاريخية وفق وجهة النظر هذه سَهُلَ رفضُ آراءبيل وواربورتن المتناقضة، فزعم أحدهما أنه لا يوجد من الأديان ما هو مفيد للكيانالسياسي، وذهب الآخر إلى العكس فقرر أن النصرانية أقوى دعامة له، فللأول نثبتأنه لم تقم دولة من غير أن يُنتفع بالدين أساسًا لها، وللثاني نثبت أن ضرر الدستورالنصراني في الأساس أكثر من نفعه لنظام الدولة المكين، وليس عليَّ للإفصاح عما فينفسي أن أصنع غير إنعامي دقة أكثر قليلًا في مبادئ الدين المبهمة الخاصة بموضوعي.
إذا نُظِرَ إلى الدين من حيث المجتمع، الذي يكون عامٍّا أو خاصٍّا أمكن أن يُقَسَّمَ إلىنوعين: دين الإنسان ودين المواطن؛ فالأول، العاطل من معبدٍ وهياكلَ وطقوس والمقصورعلى عبادة الرب الأعلى الباطنية وعلى واجبات الأخلاق الأزلية، هو دين الإنجيل البسيطوالتوحيد الحقيقي مع إنكار الوحي، وهو ما يمكن أن يُسَمَّى الحقَّ الإلهي الطبيعي.والآخر، المسنون في بلد واحد، ينعم عليه بآلهته وحماته الحافظين، وله عقائده وطقوسهوعبادته الظاهرية المفروضة بقوانين، فإذا عدوت الأمة الوحيدة التي تتبعه عُدَّ جميعيجب أن يلاحظ جيدًا كون المجالس الرسمية الكثيرة، كمجالس فرنسة، ليست ما يربط الإكليروسبهيئة بمقدار ما تربطه صحبة الكنائس، فالصحبة والحرمان هما ميثاق الإكليروس الاجتماعي، ميثاقيكون به سيد الشعوب والملوك، ويكون جميع القساوسة الذين يشتركون معًا مواطنين، ولو كانوا فيطرفي العالم، ويعد هذا من أروع مبتكرات السياسة، ولا تجد مثل هذا بين الكهنة الوثنيين الذين لميؤلفوا هيئة إكليريكية قط.العالم في نظره كافرًا غريبًا بربريٍّا، وهو لا يجعل واجبات الإنسان وحقوقه شاملة لماوراء هياكله، فهذا هو شأن جميع أديان الشعوب الأولى، وهي ما يمكن أن يطلق عليهااسم الحقوق الإلهية المدنية أو الوضعية.ويوجد للدين نوع ثالث أكثر غرابة؛ فهو يمنح الناس اشتراعين ورئيسين ووطنين،ويجعلهم خاضعين لواجبات متناقضة، ويحول دون كونهم عابدين ومواطنين معًا، شأندين اللاما ودين اليابان، والنصرانية الرومانية، وهي ما يمكن أن تسمى دين الكاهن،وينشأ عن هذا ضرب من الشرائع المختلطة النافرة التي لا اسم لها مطلقًا.وإذا ما نُظر إلى هذه الأنواع الثلاثة للأديان من الناحية السياسية وجدت معايبلجميعها، ويبلغ الدين الثالث من السوء الواضح ما يعد من ضياع الوقت معه أن يُتلهَّىبإثباته، فلا قيمة لكل ما يقضي على الوحدة الاجتماعية، ولا تساوي شيئًا جميع النظمالتي تجعل الإنسان مناقضًا لنفسه.
ويكون الدين الثاني صالحًا من حيث كونه يجمع بين العبادة الإلهية وحب القوانين،وهو، إذ يجعل من الوطن موضع عبادة المواطنين، يعلِّمهم أن خدمة الدولة تعني خدمةالإله الحافظ، وهذا ضرب من الحكومة الإلهية التي لا يمكن أن يكون فيها حَبْرٌ غيرالأمير، ولا كهنة غير الحكام، وهنالك يكون موت الإنسان في سبيل بلده شهادة، ويكونانتهاك القوانين إلحادًا، ويكون تعريض المذنب للَّعنة العامة هدفًا لغضب الآلهة، (فَكُنْصالحًا).
بَيْدَ أنه سيئ من حيث قيامه على الخطأ والكذب فيخادع الناس ويجعلهم وابصات سمع وخرافيين،(وابصة سمع، إذا كان يسمع كلامًا فيثق به)، ويغرق عبادة الألوهية الصحيحة في طقوس فارغة، وهو يكون سيئًاأيضًا عندما يصبح مانعًا لسواه باغيًا، فيجعل الشعب سَفَّاكًا متعصبًا لا يتنفَّسُ بغيرالذبح والقتل، ويرى أنه يقوم بعمل مقدس بقتله كل من لا يؤمن بآلهته، وهذا ما يضعمثل هذا الشعب في حال طبيعية للحرب تجاه جميع الشعوب الأخرى، فيجعل سلامتهالخاصة في خطر عظيم.
ولذلك لا يبقى غير دين الإنسان أو النصرانية، لا نصرانية اليوم، بل نصرانيةالإنجيل التي تختلف عنها اختلافًا تامٍّا، فبهذا الدين المقدس الرفيع الصحيح يعترف الناس، الذين هم أبناء رب واحد، بأنهم إخوةٌ جميعًا، ولا ينحلُّ المجتمع الذي يوحِّد بينهم.
التعليقات السابقة
لا يوجد تعليقات سابقة. كن أول من يقوم بالتعليق
أضف تعليقاًً
* اختياري

