الجاحظ: في فضل الكتاب والمعرفة
09 اغسطس 2015 | 0 تعليق

ذوات - عيسى جابلي

 تقديم:

    قيل لأبي العيناء: ليت شعري، أيّ شيء كان الجاحظ يحسن؟ فقال: ليت شعري، أي شيء كان الجاحظ لا يحسن؟

إنه عالم موسوعي، خاض في كلّ المسائل بلا كلل، ألّف كتباً غزيرة في موضوعات متنوعة طريفة ليضاهي بذلك كبار الفلاسفة والعلماء عبر التاريخ: في الشعر وفي الفلسفة وفي المنطق وفي الأدب وفي الدين وفي الطبيعة، وغيرها من المواضيع المتفرعة عن كل لون. وهو إذ يقارب أكثر المسائل إشكالاً على العقل يحافظ بالقدر نفسه على جزالة اللغة وحسن التعبير ودقة المقصد راكباً بياناً ساحراً وعقلا راجحاً. والجاحظ الذي يعرف قيمة الكتاب ومنزلته في الرقي بالأمم، لا يمكن أن يمرّ على أمر الكتاب مرور الكرام، فرغم أنّ الكتاب يتخذ من علم الحيوان موضوعاً رئيساً، فإنّ الجاحظ يعرّج في تقديمه له على مسائل جوهرية؛ منها فضل الكتاب وأهميّة البيان للاجتماع الإنساني، وقيمة القلم وقيمة اليد التي تكتب به، قبل أن يدخل موضوع الكتاب الأصلي. وفي هذا النص تأكيد من الجاحظ على أهميّة الكتاب وامتداح لفضله وضرورته بالنسبة إلى الاجتماع، باستخدام لغة ساحرة آسرة منضودة كالبنيان.

مدح الكتاب

نِعْمَ الذخرُ والعُقدة هو، ونعم الجليس والعُدَّة، ونعم النشرة والنزهة، ونعم المشتغل والحرفة، ونعم الأنيس ساعة الوحدة، ونعم المعرفة ببلاد الغربة، ونعم القرين والدخِيل، ونعم الوزير والنزيل، والكتاب وعاءٌ مُلِئَ علماً،

نعم الذخر والعُقدة هو، ونعم الجليس والعُدَّة، ونعم النشرة والنزهة، ونعم المشتغل والحرفة، ونعم الأنيس لساعة الوحدة، ونعم المعرفةُ ببلاد الغربة ونعم القرين والدخِيل، ونعم الوزير والنزيل، والكتاب وعاءٌ مُلِئَ علماً، وَظَرْفٌ حُشِي ظَرْفاً، وإناءٌ شُحِن مُزَاحاً وجِدّاً؛ إِنْ شئتَ كان أبيَنَ من سَحْبانِ وائل، وإن شئت كان أعيا من باقِل، وإن شئتَ ضَحِكْتَ مِنْ نوادِرِهِ.

وَظَرْفٌ حُشِي ظَرْفاً، وإناءٌ شُحِن مُزَاحاً وجِدّاً؛ إِنْ شئتَ كان أبيَنَ من سَحْبانِ وائل، وإن شئت كان أعيا من باقِل، وإن شئتَ ضَحِكْتَ مِنْ نوادِرِهِ، وإن شئتَ عَجِبتَ من غرائبِ فرائِده، وإن شئتَ ألهتْك طرائفُه، وإن شئتَ أشجَتْك مواعِظُه، وَمَنْ لَكَ بِوَاعِظٍ مُلْهٍ، وبزاجرٍ مُغرٍ، وبناسكٍ فاتِك، وبناطقٍ أخرسَ، وبباردِ حارّ..

(...)

ومَنْ لكَ بطبيب أَعرابيّ، وَمَنْ لَكَ برُوميٍّ هِنْدِيّ، وبفارسي يُونَانيّ، وبقَدِيمٍ مولَّد، وبميِّتٍ ممتَّع، وَمَنْ لَكَ بشيءٍ يَجْمَعُ لَكَ الأَوَّلَ والآخِر، والناقص والوافر، والخفيَّ والظاهر، والشاهدَ والغائبَ، والرفيعَ والوضيع، والغَثَّ والسمين، والشِّكْلَ وخِلافَه، والجِنسَ وضدَّه.

وبعد: فمتى رأيتَ بستاناً يُحمَل في رُدْن، ورَوضةً تُقَلُّ في حِجْرٍ، وناطقاً ينطِق عن الموتَى، ويُترجمُ عن الأحياء. وَمَنْ لك بمؤنس لا ينام إلا بنومِك، ولا ينطق إلا بما تهوَى؛ آمَنُ مِنَ الأرض، وأكتمُ للسرِّ من صاحب السرِّ، وأحفَظُ للوديعةِ من أرباب الوديعة، وأحفَظ لما استُحْفِظَ من الآدميِّين، ومن الأعْرَابِ المعرِبين، بل مِنَ الصِّبيانِ قبلَ اعتراضِ الاشتغال، ومن العُميانِ قبلَ التمتُّع بتمييز الأشخاص، حينَ العنايةُ تامَّةٌ لم تنقص، والأذهانُ فارغةٌ لم تنقَسِم، والإرادَةُ وافرةٌ لم تتشعَّب، والطِّينَةُ ليِّنة، فهي أقبلُ ما تكون للطبائعِ، والقضيبُ رطبٌ، فهو أقربُ ما يكون من العُلوق، حينَ هذه الخصالُ لم يَخْلُق جديدُها، ولم يُوهَنْ غَرْبُهَا، ولم تتفرَّق قُواها

(...)

وعبتَ الكتابَ، ولا أعلَمُ جاراً أبرَّ، ولا خَليطاً أنصفَ، ولا رفيقاً أطوعَ، ولا معلِّماً أخضعَ، ولا صاحباً أظهرَ كفايةً، ولا أقلَّ جِنَايَةً، ولا أقلَّ إمْلالاً وإبراماً، ولا أحفَلَ أخلاقاً، ولا أقلَّ خِلافاً وإجراماً، ولا أقلَّ غِيبةً، ولا أبعدَ من عَضِيهة، ولا أكثرَ أعجوبةً وتصرُّفاً، ولا أقلَّ تصلُّفاً وتكلُّفاً، ولا أبعَدَ مِن مِراءٍ، ولا أتْرَك لشَغَب، ولا أزهَدَ في جدالٍ، ولا أكفَّ عن قتالٍ، من كتاب، ولا أعلَمُ قريناً أحسنَ موَافاةً، ولا أعجَل مكافأة، ولا أحضَرَ مَعُونةً، ولا أخفَّ مؤونة، ولا شجرةً أطولَ عمراً، ولا أجمعَ أمراً، ولا أطيَبَ ثمرةً، ولا أقرَبَ مُجتَنى، ولا أسرَعَ إدراكاً، ولا أوجَدَ في كلّ إبَّانٍ، من كتاب، ولا أعلَمُ نِتاجاً في حَدَاثةِ سنِّه وقُرْب ميلادِه، ورُخْص ثمنه، وإمكانِ وُجوده، يجمَعُ من التدابيرِ العجيبَة والعلومِ الغريبة، ومن آثارِ العقولِ الصحيحة، ومحمودِ الأذهانِ اللطيفة، ومِنَ الحِكَم الرفيعة، والمذاهب القوِيمة، والتجارِبِ الحكيمة،

اعلمْ، رحِمَك اللّه تعالى، أَنّ حاجةَ بعض الناس إلى بعضٍ، صفةٌ لازمةٌ في طبائِعهم، وخِلقةٌ قائِمةٌ في جواهِرِهم، وثابتةٌ لا تُزَايلُهم، ومُحيطةٌ بجماعَتِهم، ومشتملةٌ على أدناهم وأقصاهم، وحاجَتُهُمْ إلى ما غاب عنهم - ممَّا يُعِيشُهم ويُحْييهم، ويُمسِك بأرْماقِهم، ويُصلِحُ بالهم، وَيجْمَع شملَهم، وإلى التعاوُنِ في دَرْكِ ذلك، والتوازُرِ عليه - كَحَاجَتِهم إلى التعاون على معرفة ما يضرُّهم، والتوازرِ على ما يحتاجون من الارتفاق بأمورهم التي لم تَغِبْ عنهم.

ومِنَ الإخبارِ عن القرون الماضية، والبلادِ المتنازِحة، والأمثالِ السائرة، والأمم البائدة، ما يجمَعُ لك الكتابُ، قال اللّه عزّ وجلّ لنبيّه عليه الصلاة والسلام (اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأَكْرَمُ، الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ) فَوَصَفَ نَفْسَهُ، تبارك وتعالى، بأنْ علَّمَ بالقَلم، كما وصف نفسَه بالكرَم، واعتدَّ بذلك في نِعَمه العِظام، وفي أيادِيه الجِسام، وقد قالوا: القَلَمُ أحدُ اللسانَين، وقالوا: كلُّ مَنْ عَرَف النِّعمةَ في بَيان اللسانِ، كان بفضل النِّعمة في بيانِ القلم أعرَف، ثمَّ جَعَلَ هذا الأمرَ قرآناً، ثمَّ جعلَه في أوَّل التنزيل ومستَفْتَح الكتاب.

كون الاجتماع ضرورياً

ثمَّ اعلمْ، رحِمَك اللّه تعالى، أَنّ حاجةَ بعض الناس إلى بعضٍ صفةٌ لازمةٌ في طبائِعهم، وخِلقةٌ قائِمةٌ في جواهِرِهم، وثابتةٌ لا تُزَايلُهم، ومُحيطةٌ بجماعَتِهم، ومشتملةٌ على أدناهم وأقصاهم، وحاجَتُهُمْ إلى ما غاب عنهم - ممَّا يُعِيشُهم ويُحْييهم، ويُمسِك بأرْماقِهم، ويُصلِحُ بالهم، وَيجْمَع شملَهم، وإلى التعاوُنِ في دَرْكِ ذلك، والتوازُرِ عليه - كَحَاجَتِهم إلى التعاون على معرفة ما يضرُّهم، والتوازرِ على ما يحتاجون من الارتفاق بأمورهم التي لم تَغِبْ عنهم، فحاجَةُ الغائِبِ مَوصُولةٌ بحاجةِ الشاهد، لاحتياج الأدنَى إلى معرِفة الأقصى، واحتياج الأقصى إلى معرفَةِ الأدنى، معانٍ متضمّنةٌ، وأسبابٌ متَّصلة، وحبالٌ منعقدة، وجعل حاجتنَا إلى معرفة أخبارِ مَنْ كان قبلَنا، كحاجةِ من كان قبلنا إلى أخبار مَنْ كان قبلهم، وحاجةِ من يَكُونُ بعدَنا إلى أخبارِنا؛ ولذلك تقدَّمت في كتب اللّه البشارات بالرُّسل، ولم يسخِّر لهم جميعَ خلْقه، إلا وهم يحتاجُون إلى الارتفاق بجميع خلْقه، وجعلَ الحاجَةَ حاجَتَين: إحداهما قِوامٌ وقُوت، والأخرى لذّةٌ وإمتاع وازديادٌ في الآلة، وفي كلِّ ما أجذَلَ النفوس، وجمع لهم العَتاد، وذلكَ المقدارُ مِنْ جميع الصِّنْفَين وفقٌ لكثرةِ حاجاتهم وشَهوَاتهم، وعلى قدْر اتّساعِ معرفتهم وبُعْدِ غَوْرهم، وعلى قَدْرِ احتمال طبع البشريَّة وفِطرةِ الإنسانيَّة، ثم لم يقطعِ الزيادةَ إلا لعجْزِ خلقِهم عن احتمالها، ولم يجز أن يفرق بينهم وبين العجْز، إلا بعدَم الأعيان، إذ كان العجزُ

صفةً من صفاتِ الخلق، ونعتاً من نُعوتِ العبيد.


لم يخلق اللّه تعالى أحداً يستطيعُ بلوغَ حاجتِه بنفسه دونَ الاستعانة ببعضِ من سخَّرَ له، فأدناهم مسخَّرٌ لأقصاهم، وأجلُّهم ميسَّر لأدقِّهم، وعلى ذلك أحوَجَ الملوكَ إلى السُّوقة في بابٍ، وأحوَجَ السُّوقَةَ إلى الملوك في باب، وكذلك الغنيُّ والفقير، والعبدُ وسيِّدُه، ثُمَّ جَعلَ اللّه تعالى كلَّ شيءٍ للإنسان خَوَلاً، وفي يَدِه مُذَلّلاً مُيَسَّراً إمّا بالاحتِيالِ له والتلطُّفِ في إراغَتِه واستِمالتِه، وإمّا بالصَّوْلةِ عليه، والفتكِ به، وإمّا أَنْ يأْتِيَهُ سهواً ورهواً، على أَنَّ الإنسانَ لولا حاجَتُهُ إليها، لما احتالَ لها، ولا صَالَ عليها، إلاّ أَنّ الحاجةَ تفتَرِق في الجنس والجهةِ والجِبِلَّة، وفي الحظِّ والتقدير.


ثمَّ تعبَّدَ الإنسانَ بالتفكُّرِ فيها، والنظرِ في أُمورِها، والاعتبار بما يَرَى، ووَصَل بينَ عُقولهم وَبيْنَ معرفةِ تلك الحكَم الشريفة، وتلك الحاجاتِ اللازمة، بالنظرِ والتفكير، وبالتنقيب والتنْقير، والتثبت والتوقُّف؛ ووَصَلَ معارفَهم بموَاقعِ حاجاتِهم إليها، وتشاعُرِهم بمواضع الحكم فيها بالبيانِ عنها.


البيان ضروري للاجتماع

وهو البيانُ الذي جعلَه اللّه تعالى سبباً فيما بينَهم، ومعبِّراً عن حقائق حاجاتهم، ومعرِّفاً لمواضع سدِّ الخَلَّة ورفْع الشبهة، ومداواةِ الحَيرة، ولأنّ أكثرَ الناسِ عن الناس أفهمُ منهم عن الأَشباحِ الماثلة، والأجسامِ الجامدة، والأجرامِ الساكنة، التي لا يُتَعَرَّفُ ما فيها من دَقائق الحكمةِ وكُنوزِ الآداب، وينابيعِ العلمِ، إلا بالعقلِ الثاقب اللطيف، وبالنظرِ التامِّ النافذ، وبالأداةِ الكاملة، وبالأسبابِ الوافرة، والصبرِ على مكروه الفكر، والاحتراسِ من وُجوه الخُدَع، والتحفُّظِ مِن دواعي الهوى؛ ولأنَّ الشِّكلَ أفهَمُ عن شِكله، وأسكَنُ إليه وأصَبُّ به،

والكتابُ هو الذي يُطِيعُك بالليل كطاعته بالنهار، ويطيعُك في السفر كطاعته في الحضر، ولا يعتلُّ بنومٍ، ولا يعتَرِيه كَلالُ السهرِ، وهو المعلِّمُ الذي إن افتقرتَ إليه لم يُخْفِرْك، وإن قطعتَ عنه المادَّة لم يقطعْ عنك الفائدة، وإن عُزِلتَ لم يَدعْ طاعتَك، وإن هبَّتْ ريحُ أعادِيك لم ينقلبْ عليك.

وذلك موجودٌ في أجناسِ البهائم، وضُروبِ السباع، والصبيُّ عن الصبيِّ أفهمُ له، وله آلفُ وإليه أنزَع، وكذلك العالِمُ والعالم، والجاهل والجاهل، وقال اللّه عزّ وجلّ لنبيِّه عليه الصلاة والسلام: "وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكاً لَجَعَلْنَاهُ رَجُلاً" لأَنَّ الإنسان عن الإنسان أفهم، وطباعَه بطِباعه آنس؛ وعلى قدْر ذلك يكونُ موقعُ ما يسمع منه.

ثمَّ لم يرضَ لهم من البنيان بصِنفٍ واحد، بل جَمع ذلك ولم يفرِّق، وكثَّر ولم يقلِّل، وأظهَرَ ولم يُخْفِ، وجعَل آلة البيانِ التي بها يتعارَفُون معانِيَهُم، والتَّرْجُمانَ الذي إليه يرجِعون عند اختلافِهم؛ في أربعة أشياء؛ وفي خَصْلةٍ خامسة؛ وإن نقصت عن بلوغ هذه الأربعة في جهاتها، فقد تُبدَّل بجنسها الذي وَضِعت له وصُرفتْ إليه، وهذه الخصال هي: اللفظ، والخطّ، والإشارة، والعَقْد؛ والخَصلة الخامسة ما أوجَدَ من صحَّة الدَّلالةِ، وصدقِ الشهادة ووُضوحِ البرهان، في الأَجْرَامِ الجامدة والصامتة، والساكنة التي لا تَتَبيَّن ولا تحسُّ، ولا تَفهَم ولا تتحرَّك إلاّ بداخلٍ يدخل عليها، أو عندَ مُمْسِكٍ خلِّي عنها، بعد أَنْ كان تقييده لها.

ثمَّ قسّم الأقسامَ ورتَّب المحسوسات، وحصَّل الموجوداتِ، فجعل اللفظَ للسامع، وجعل الإشارةَ للناظر، وأشرَك الناظرَ واللامس في معرفة العَقْد، إلا بما فضّل اللّه به نصيبَ الناظرِ في ذلك على قدْرِ نصيبِ اللامس، وجَعَلَ الخطّ دليلاً على ما غابَ من حوائجه عنه، وسبباً موصولاً بينه وبين أعوانه؛ وجعله خازناً لما لا يأمَن نسيانَه، ممَّا قد أحصاه وحفِظه، وأتقنه وجَمعه، وتكلف الإحاطة به؛ ولم يجعل للشامِّ والذائق نصيباً.

(...)

فضل الكتاب

والكتابُ هو الذي يؤدِّي إلى الناس كتبَ الدين، وحسابَ الدواوين مع خفَّة نقلِه، وصِغَر حجمه؛ صامتٌ ما أسكتَّه، وبليغ ما استنطقته، ومَن لك بمسامر لا يبتديك في حالِ شُغْلك، ويدعُوك في أوقاتِ نشاطِك، ولا يُحوِجك إلى التجمُّل له والتذمُّم منه، ومَن لكَ بزائرٍ إن شئتَ جعل زيارتَه غِبّاً، وورُوده خِمْساً، وإن شئت لَزِمَك لزومَ ظلِّك، وكان منك مكانَ بعضِك.


والقلمُ مكتفٍ بنفْسه، لا يحتاج إلى ما عندَ غيرِه؛ ولا بدَّ لبيان اللسانِ من أمور: منها إشارة اليد، ولولا الإشارةُ لَمَا فهموا عنك خاصَّ الخاصِّ إذا كان أخصُّ الخاصِّ قد يدخل في باب العامّ، إلا أنّه أدنى طبقاته؛ وليس يكتفي خاصُّ الخاصّ باللفظ عمَّا أدّاه، كما اكتفى عامُّ العامّ والطبقاتُ التي بينه وبين أخصِّ الخاصّ.

والكتابُ هو الجليس الذي لا يطريك، والصديق الذي لا يغْريك، والرفيق الذي لا يملُّكَ، والمستَمِيح الذي لا يستَريثُك، والجارُ الذي لا يَسْتَبْطِيك، والصاحبُ الذي لا يريد استخراجَ ما عندَك بالملَق، ولا يعامِلُك بالمَكر، ولا يخدَعك بالنِّفاق، ولا يحتالُ لك بالكَذِب، والكتابُ هو الذي إنْ نظرتَ فيه أطالَ إمتَاعَك، وشحَذَ طباعَك، وبسَط لسانَك، وجوَّدَ بَنانك، وفخَّم ألفاظَك، وبجَّح نفسَك، وَعمَّر صدرك، ومنحكَ تعظيمَ العوامِّ وصَداقَةَ الملوك، وعَرفتَ به في شهر، ما لا تعرفُه من أفواهِ الرجال في دهْر، مع السلامةِ من الغُرم، ومن كدِّ الطلب، ومن الوقوفِ بباب المكتِسب بالتعليم، ومِن الجُلوس بين يَديْ مَن أنت أفضلُ منه خُلُقاً، وأكرمُ منه عِرْقاً، ومع السلامةِ من مجالَسَة الْبُغَضاء ومقارنةِ الأغبياء.

والكتابُ هو الذي يُطِيعُك بالليل كطاعته بالنهار، ويطيعُك في السفر كطاعته في الحضر، ولا يعتلُّ بنومٍ، ولا يعتَرِيه كَلالُ السهرِ، وهو المعلِّمُ الذي إن افتقرتَ إليه لم يُخْفِرْك، وإن قطعتَ عنه المادَّة لم يقطعْ عنك الفائدة، وإن عُزِلتَ لم يَدعْ طاعتَك، وإن هبَّتْ ريحُ أعادِيك لم ينقلبْ عليك، ومتى كنتَ منه متعلِّقاً بسبب أو معتصماً بأدنى حبْل، كان لك فيه غنًى من غيره، ولم تَضْطَرَّك معه وحشةُ الوَحدةِ إلى جليس السوء، ولو لم يكن مِن فضْله عليك، وإحسانِه إليك، إلاّ منعُه لكَ من الجلوس على بابك، والنظرِ إلى المارَّةِ بك، مع ما في ذلك من التعرُّض للحقوقِ التي تَلزَم، ومن فُضولِ النظَر، ومن عادةِ الخوض فيما لا يعنيك، ومِن ملابسةِ صغارِ الناس، وحضورِ ألفاظهم الساقطة، ومعانيهم الفاسِدة، وأخلاقهم الرديَّة، وجَهالاتهم المذمومة، لكان في ذلك السلامة، ثم الغنيمةُ، وإحرازُ الأصل، مع استفادةِ الفرع، ولو لم يكن في ذلك إلاّ أنّه يشغَلُك عن سُخْف المُنَى وعن اعتياد الراحة، وعن اللعب، وكلِّ ما أشبهَ اللعب، لقد كان على صاحبه أسبَغَ النعمةَ وأعظَمَ المِنَّة.

وقد علمنا أنَّ أفضلَ ما يقطع به الفُرَّاغ نهارَهم، وأصحابُ الفُكاهات ساعاتِ ليلِهم، الكتاب، وهو الشيء الذي لا يرى لهم فيه مع النيل أثرٌ في ازدِياد تجربةٍ ولا عقلٍ ولا مروءة، ولا في صونِ عرض، ولا في إصلاحِ دِين، ولا في تثمير مال، ولا في رَبِّ صنيعة ولا في ابتداء إنعام.

الجاحظ، كتاب الحيوان، تحقيق: عبد السلام محمد هارون، مكتبة ومطبعة مصطفى البابي الحلبي، ج 1، ط. 2، 1965، ص. 38-52 (بتصرف)

التعليقات السابقة

لا يوجد تعليقات سابقة. كن أول من يقوم بالتعليق

أضف تعليقاًً

الاسم
البريد الإلكتروني
* اختياري
عنوان التعليق
التعليق