الموت يغيب فريد بلكاهية أحد أعمدة الفن التشكيلي المعاصر بالمغرب
26 سبتمبر (أيلول) 2014 12:38 | 0 تعليق

الفنان التشكيلي المغربي الراحل فريد بلكاهية - (أرشيفية)
ذوات - سعيدة شريف

على بعد أيام قليلة من الحدث الثقافي والفني الذي ينتظره الفنانون التشكيليون المغاربة، ألا وهو افتتاح المتحف الوطني للفن المعاصر بالرباط، غيّب الموت أحد أعمدة الفن التشكيلي المغربي المعاصر، الفنان فريد بلكاهية، منتصف ليلة أمس (الخميس 25 سبتمبر (أيلول)) بمدينة مراكش عن عمر ناهز الثمانين عاماً، وذلك بعد معاناة مريرة مع المرض.

ويعد الفنان فريد بلكاهية أحد أعمدة الفن التشكيلي المعاصر بالمغرب، تجاوزت شهرة أعماله حدود الوطن، حيث شارك في معارض عربية ودولية رفيعة، كما كانت لأعماله قيمة جمالية فريدة، وظف فيها النحاس والجلد، وغيرها من الألوان والأكاسيد الطبيعية، وعلى رأسها اللون البرتقالي المستمد من الحناء الذي منح للوحاته خصوصية باهرة، وجعل لوحاته تحظى بالإقبال الكبير، وتختطفها كبريات المتاحف العالمية. وعن اختياره الرسم على الجلد بدل الرسم أو الصباغة على القماش، سبق وصرح الفنان الراحل فريد بلكاهية أنه يشكل جزءاً من اشتغاله على الذاكرة، ولأن "الجلد مادة غنية ذات رمزيو قوية... هناك أناس يرون ولا يستشعرون جلدهم ... الجلد هو غشاؤنا واحتكاكنا بالعالم الخارجي ... إني أحترم هذه المادة النبيلة والطبيعية التي أباشرها بتلوينات طبيعية وخاصة".

منذ معرضه الأول بـ "فندق المامونية" بمدينته مراكش عام 1953، أعلن فريد بلكاهية عن موهبة لا غبار عليها، موهبة سيصقلها حين رحيله إلى باريس وبراغ قبل أن يعود بلكاهية إلى الدار البيضاء التي كان فيها مديراً لمدرسة الفنون الجميلة منذ عام 1962، حيث أسس فريد بلكاهية إلى جانب الفنان محمد المليحي، والشاعر عبد اللطيف اللعبي، والكاتب الطاهر بن جلون، والمفكر الراحل عبد الكبير الخطيبي مجلة "أنفاس" الرائدة في المجالين الثقافي والفني بالمغرب، والتي كرست صداقة عميقة بين الشعر والتشكيل.

مازالت لوحات الفنان التشكيلي فريد بلكاهية المعروضة في مختلف المتاحف والمؤسسات المغربية والأجنبية، شاهدة على براعة هذا الفنان وأصالته النادرة، كما أن المنحوتات الهائلة والعملاقة التي أنجزها، وخاصة العمل الفني العملاق الذي يحمل اسم "شجرة الزيتون"، والذي جرى تدشينه عام 2009 بمناسبة اليوم العالمي للمتاحف الذي أقرته منظمة اليونسكو، في منطقة "جنات الزيتون" بدعم من وزارة الثقافة المغربية بهدف تسليط الضوء على أهمية شجرة الزيتون لدى المغاربة، ولدى سكان حوض البحر الأبيض المتوسط، وهي شجرة ترمز إلى الخصب والحب والسلام.

ولد فريد بلكاهية عام 1943 بمدينة مراكش، وقضى جزءًا من طفولته في "أمزميز" بضواحي مدينة مراكش، حيث كان والده يشتغل في تجارة العطور قبل أن يفلس. انتقل بعدها إلى أزمور والجديدة، حيث تابع دراسته الابتدائية قبل أن يعود إلى مراكش لإكمال دراسته الثانوية. تعاطى الرسم وعزز حسه الفني المبكر استقلاليته، وتلقى أولى دروسه الفنية رفقة مولاي أحمد الإدريسي بمرسم أوليك تيسلار.

منذ معرضه الأول بـ "فندق المامونية" بمدينته مراكش عام 1953، أعلن فريد بلكاهية عن موهبة لا غبار عليها، موهبة سيصقلها حين رحيله إلى باريس وبراغ.

غادر عام 1955 المغرب إلى باريس، واستقبله الكاتب الفرنسي فرانسوا مورياك وأسكنه في المعهد الكاثوليكي، حيث التحق بمدرسة الفنون الجميلة بباريس في مراسم "بريانشون"، غير أنه غادره عام 1959، لأنه لم يكن راضياً على مناهجه التعليمية. وفي السنة نفسها غادر إلى براغ بدافع فضول التعرف على التجربة الاشتراكية في البلدان الشرقية، وتابع دراسته هناك في السينوغرافيا بأكاديمية المسرح بالعاصمة التشيكوسلوفاكية، وهناك تعرف على إلزا تريولي، ولويس أراغون، وبلغت أعماله نوعاً من النضج، وتكرت هلوسات الدائرة والرمح بصفتها أبجدية شخصية.

كُلف عام 1962 بإدارة مدرسة الفنون الجميلة بالدارالبيضاء، وهي المهمة التي قام بها بتفان حتى عام 1974، واستقدم من أجلها فنانين مغاربة درسوا بالخارج، أمثال محمد المليحي، والراحل محمد شبعة، وغيرهم من الفنانين المغاربة والأجانب، حيث سعى إلى تثبيت دعائم تعليم  أكثر ملاءمة مع الثقافة والخصوصية المغربية، ولم يكن يكف عن تكرار هذا المبدأ، كما تقول زوجته الكاتبة والروائية رجاء بنشمسي في رسمها لمساره، "لا يمكن إدراك الحداثة إلا انطلاقاً من تمثل القيم العتيقة".

وتبعاً لهذا التصور، دشّن عام 1969 تجربة فنية في الشارع في ساحة جامع الفنا بمراكش، كان هدفها دمقرطة الفن، وجعله في متناول الجميع، ثم قام بزيارة مجموعة من البلدان الأوروبية والأمريكية، وقدم مجموعة من العروض الفنية بالمغرب والخارج، وكانت مناسبة يتحاور فيها المبدعون والنقاد، ويناقشون الأسئلة الجمالية والفنية، خاصة وأن بلكاهية كان في كل معرض يقدم فتوحات فنية جيدة، واشتغالاً على أدوات لم يسبق لأي فنان أن وظفها في لوحاته التشكيلية.

وبرحيل الفنان فريد بلكاهية، تكون الساحة الفنية التشكيلية المغربية والعربية، قد فقدت أحد أقطابها المتميزين، الذي طرق دروباً مختلفة في الفن، وطوع مواد لم تكن الأغلبية تعتقد بأنها يمكن أن تمنح جمالية وخصوصية معينة للوحة التشكيلية.

التعليقات السابقة

لا يوجد تعليقات سابقة. كن أول من يقوم بالتعليق

أضف تعليقاًً

الاسم
البريد الإلكتروني
* اختياري
عنوان التعليق
التعليق