"تركيا بين الكمالية والأردوغانية" ... لماذا نجح الأتراك وأخفق العرب؟
12 اغسطس 2015 | 0 تعليق
جانب من الندوة التي أقيمت في منتدى مؤسسة عبدالحميد شومان الثقافي في العاصمة الأردنية (ذوات)
يثير كتاب المؤرخ والمفكر الأردني الدكتور علي محافظة "تركيا بين الكمالية والأردوغانية 1919-2014" جملة من التساؤلات خلال عرضه التاريخي السياسي الذي يوجز تاريخ تركيا الحديث، إذ ما انفكت منذ الثمانينيات تلعب دوراً مهماً في المنطقة العربية وتؤثر في قضاياها المختلفة.
يقف قارئ الكتاب، الصادر حديثاً عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر، متسائلاً عن كيفية تطور الأحداث التي أدت إلى قيام الدولة التركية، وعن السياسة القومية العلمانية التي تبناها مصطفى كمال أتاتورك، مؤسس هذه الدولة، واستهدفت التحديث والتغريب الكاملين للدولة والمجتمع، وسار على نهجها خليفته عصمت إينونو، وهي السياسة التي قامت على اعتماد الحزب الواحد (حزب الشعب الجمهوري) في حكم الدولة وإدارتها.
والسؤال الملح الذي يطرح في هذا السياق: ماذا عن المرحلة الجديدة، التي دخلتها تركيا بعد نهاية الحرب الباردة، وصعود الإسلاميين ووصولهم إلى سدة الحكم بقيادة أربكان، ثم عودتهم ثانية بقيادة أردوغان.
وفي محاولة للعثور على إجابة، أو فتح الأفق نحو المزيد من البحث عن إجابات، أقيمت في منتدى مؤسسة عبدالحميد شومان الثقافي في العاصمة الأردنية مساء الاثنين 10 أغسطس (آب) 2015، ندوة شارك فيها كل من أستاذ العلوم السياسية في جامعة اليرموك الدكتور وليد عبدالحي، وأستاذ التاريخ في الجامعة الأردنية الدكتور مهند مبيضين، حيث قدما قراءة في كتاب الدكتور محافظة بحضور المؤلف.
النزعة البراغماتية في التيار الديني التركي
بيّن الدكتور وليد عبدالحي أن التوقف عند هذا الكتاب جاء في وقته بسبب الأحداث الدائرة على الساحة العربية والدور التركي منها، منوهاً أنه تناول كتاب الدكتور محافظة من ناحيتين؛ الناحية الأولى منهجية الكتاب، أما الثانية، فرصد الاتجاهات العامة داخله.
وتوقف د.عبد الحي عند القناطر الرئيسة للكتاب دون الحديث عن تفاصيل البنية الفكرية له، مع إثارة بعض القضايا حول هذه الاتجاهات؛ مشيراً إلى أنه معنيّ بالاتجاه لا بالأحداث والوقائع.
وفيما يتعلق بمنهجية الكتاب، قال د. عبدالحي، إن الكتاب ينتمي إلى أدبيات التاريخ السياسي المعني بسرد وتحليل الوقائع والأفكار والمؤسسات السياسية في فترة زمنية محددة، ولكن يتداخل مع التاريخ السياسي، كما تعرفه اليونيسكو، ثلاثة فروع أخرى؛ الأول التاريخ الدبلوماسي المعنيّ بالسياسة الخارجية لدول معينة أكثر من عنايته بأنماط التفاعل في العلاقات الدولية. أما الثاني التاريخ الدستوري ومعنيّ بتطور العقل الناظم لعلاقة السلطة والمجتمع، في حين الجانب الثالث، وهو التاريخ العام، يرصد الاتجاه العام لحركة المجتمع في جوانبه المختلفة.
وهذه المهمة ليست يسيرة، وفق د.عبدالحي، خصوصاً إن كانت موضوع الدراسة دولة ذات مكانة جيواستراتيجية مثل تركيا، موضحاً أن كتاب د.محافظة غطى في مجمله هذه المحاور.
وتحدث د. عبد الحي عن الاتجاهات العامة في الكتاب، متناولاً إياها على مستويين؛ اتجاهات داخلية وخارجية. وعلى المستوى الداخلي، أشار إلى أننا أمام دولة عرفت ثلاثة أنماط من سوسيولوجيا الدولة فقد عرفت النموذج الامبراطوري في الفترة العثمانية، وهذا ما تناوله د. محافظة، فهي امبراطورية جغرافية عرفت تمدداً طاغياً وسياسياً بطبيعة النموذج السلطوي الذي كان فيها، واجتماعياً بطبيعة التنوع في البينة الديمغرافية لهذه الدولة، ثم إلى جانب أنها إمبراطورية انتقلت إلى مرحلة دولة قومية، ثم أخيراً هي دولة "هيجلية منهجية ومعرفية"، كما حبذ د.عبدالحي تسميتها، فهي دولة بدستور علماني ينازعه إرث ثقافي ديني فهي "مركب هيجلي من النقيضين" وهو أمر يمكن الاستدلال عليه في أجزاء كبيرة من الكتاب، وفق د.عبدالحي.
وقال أستاذ العلوم السياسية إن محاولة فهم سياسة تركيا المعاصرة بمعزل عن هذه البنية المركزية للدولة؛ أي بمعنى أنها دولة امبراطورية قومية ثم هذا المزيج منهما "أمر متعذر"، وهو أمر يمكن تلمسه من خلال التناوب على السلطة بين ستة أحزاب رئيسة حكمت تركيا خلال فترة الدراسة التي تتبعها المؤلف، تبدأ مع سقوط الدولة العثمانية، سواء فترة حزب الشعب الجمهوري، ثم الحزب الديمقراطي، ثم العدالة والتنمية، ثم حزب الرفاه، ثم الوطن الأم، ثم الطريق الصحيح، ثم حزب العدالة، ثم العسكر.
ويشير التنازع بين ما تمثله هذه التيارات الى الطبيعة المعقدة للمجتمع السياسي التركي نتيجة الإرث الذي أشير له آنفاً، وهذا ما يتلمسه القارئ في كتاب "تركيا بين الكمالية والأردوغانية" لمحافظة، وفق د.عبدالحي.
والنقطة الثانية التي يمكن الإضاءة عليها في الكتاب، بحسب د. عبدالحي، "التكيف التدريجي في الخطاب السياسي للأحزاب الإسلامية في تركيا"، فلو تناولنا أدبيات الأحزاب من فترة السبعينيات حتى العدالة والتنمية في محاولة لتحليلها سنجد أنها تتكيف مع علمانية الدولة ولكن تدريجياً.
ويتابع أن التكيف التدريجي يتضح من مطلع السبعينيات ومن خلال ما يمكن تسميته بالقواسم أو الجوامع المشتركة ما بين التيارات الإسلامية العلمانية، فتتبع أدبيات الأحزاب التركية ذات التوجه الإسلامي يشير إلى تكيف تدريجي لهذه الأدبيات السياسية باتجاه القبول بقيم العلمانية وآليات الديمقراطية وشبكة العلاقات الدولية المتحررة تدريجياً من قيود الالتزام الديني التقليدي.
ولفت د. عبد الحي إلى أن النزعة البراغماتية في التيار الديني التركي تتصاعد بشكل متواصل وهذا من خلال تحليل بنية وخطاب هذه الأحزاب منذ 1970، كما جاء في أطروحة جامعية نشرت في العام 2012، ومما يمكن الاستدلال به مثلاً الإشارة للدين وليس للإسلام في برنامج حزب العدالة والتنمية: "القبول باعتبار العلمانية شرطاً مسبقاً للديمقراطية، قبول الغرب كحليف من خلال الناتو، قبول الاندماج مع المجتمع الغربي، السعي لعضوية الاتحاد الاوروبي، القبول بإسرائيل كدولة شرعية، الموقف من قضية الحجاب..."، إلى آخره من قضايا تجد أن جوهر أدبيات هذه الأحزاب يتكيف تدريجياً باتجاه يقترب من أدبيات الأحزاب العلمانية. وإذا كانت النظرة التفصيلية لهذه المسائل غابت عن الكتاب، فإنها مسّتها بشكل واضح في مواضع مختلفة، وفق قول د.عبدالحي.
اتجاه آخر يناقشه د. عبدالحي، وهو أن الإسلاميين تمكنوا من "ترويض القوى السياسية والعسكرية على قبولهم في إطار مقايضة هذا التكيف، ويتضح هذا القبول نتيجة اتجاه تنامي الوزن السياسي، رغم تراجعهم أحيانا". كما يبدو أن بعض جوانب التذبذب في القوى التصويتية للإسلاميين مرتبط بموقفهم من قضايا مختلفة مثل؛ القضية الكردية، التي أشار لها الكتاب في بعض المواقع، فمثلا عام 2002 صوت الأكراد بنسبة 27.29% للعدالة والتنمية بينما في 2007 صوتوا بنسبة 54%. لكن موقف العدالة الأخير من موضوع "داعش" وقضية الدولة الكردية بدأ يفقدهم تأييد قطاع من الأكراد، وهو ما ظهر في نتائج الانتخابات الأخيرة.
الجانب الآخر الذي أشير له في مواضع من الكتاب، بحسب د. عبدالحي، إنجازات الإسلاميين، وهذا واضح من بعض المؤشرات منها؛ أنهم تمكنوا من رفع إجمالي الناتج المحلي (2002 ا- 2013) إلى حوالي 64 % وهي نسبة ليست هينة، ورفعوا معدل الدخل الفردي بنفس الفترة 43 %، إلى جانب تقديمهم الخدمات الطبية المجانية ورواتب للفقراء والأرامل والمعوقين.
لكن الكتاب وفق د. عبد الحي لم يتوقف عند قضية مهمة وهي الفساد، فعلى الرغم من صورة "النزاهة" السائدة في فترة أردوغان، لكن المعطيات الكمية لا تشير إلى هذه الصورة التي يجري محاولة ترويجها. فمؤشرات الفساد من (2005-2014)، والتي تقاس من 10، لم يصل "العدالة والتنمية" فيها لرتبة 5 إلا في 2013 فقط.
ويوضح د. عبدالحي أن النقطة التي جلاها الكتاب بشكل واضح خاصة في الجزء الخاص بالعلاقات الدولية هي المكانة الجيواستراتيجية لتركيا، فهي دولة تنتمي لنظم إقليمية متعددة، مطلة على منافذ بحرية مهمة جداً، وهي بوابة لدولة عظمى روسيا،
وهي قريبة لمنافذ البترول وهي طريق مهم لنقله، والامتداد السكاني لتركيا، فلها سكان في الصين وفي آسيا الوسطى والعراق وقبرص..، كأنه من بقايا التراث الإمبراطوري.
وعن علاقة تركيا بالعالم العربي يلفت الكتاب بشكل واضح إلى أن العلاقة في فترة "العدالة والتنمية" وقبلها بقليل تحسنت أو تزايدت من خلال تزايد حجم العمالة التركية في الدول العربية، فخيبة الأمل التركية من الموقف الغربي من أزمة قبرص دفعه إلى البحث عن مجال حيوي آخر، كما أن الحرب العراقية الإيرانية أعطت تركيا مكانة تجارية أكثر.
وفيما يتعلق بعلاقة تركيا مع اسرائيل، يقول د. عبدالحي، على الرغم من الحالة التي يظهرها أردوغان، إلا أنه اطلع على النشرة الإسرائيلة الصادرة في فبراير (شباط) 2015 وارتفع حجم التبادل التجاري بين تركيا وإسرائيل بنسبة 11.5% في 2014 مقارنة بعام 2013. كما أن مبيعات السلاح الإسرائيلي لتركيا بلغت 13 % في العام 2013.
ومن هنا اقترح د. عبدالحي على الدكتور محافظة أن يعمل على تطوير الكتاب إن أراد بإضافة بعض الجوانب كوجود تحليل لأدبيات الخطاب الإسلامي وتكيفه، وتحليل بنية الخطاب السياسي وتكيفه،
لماذا نجح الأتراك وأخفق العرب؟
من جهته قال الدكتور مهند مبيضين إذا كانت الأدبيات العربية التي أطلقت على مصطفى كمال أتاتورك "ذئب الأناضول"، فإن هذا المصطلح قد يليق بأردوغان اليوم، لافتاً إلى أنه "لا توجد" مفارقات كبيرة في الحلم، الاختلاف ربما بالنهج بالموقف الديني لشكل السلطة، إلا أن هناك نزعة قومية واضحة في البحث عن مصير تركيا الراهنة والمستقبل.
ويوضح أستاذ التاريخ في الجامعة الأردنية أن ما يميز أزمة دولة تركيا المعاصرة أن هناك صراعاً هذا الصراع موجود في النخب منذ عام 1939، التي شهدت صراعاً بين مجموعات تريد التغريب داخل الدولة العثمانية، وأخرى تريد الإصلاح من داخل الدولة العثمانية، وهذه الفترة تحدث عنها د.محافظة في كتابه بمدخل مطول نوعاً ما حول تكوين الإصلاح في الدولة العثمانية، وهي فترة طويلة تميزت بنو الحركة الطورانية.
ويتساءل د. مبيضين: بعد مئة عام على الانقلاب العثماني، المشروطية الثانية، عام 1908، وقبل مئة عام من الثورة العثمانية 1916، يبدأ السؤال لماذا نجح الأتراك ونجح الفرس ولم ننجح نحن العرب؟ إذا كان من سياق المقاربة يُقرأ في هذا الكتاب.
وكأن المؤلف، وفق مبيضين، يتساءل عن سر النجاح في الجناحين المؤسسين للمثلث الشرق أوسطي؛ تركيا وإيران، والخيبة العربية التي كانت تأثرت بالمشروع التركي الكمالي على يد مصلحين أقاموا بمصر وأسسوا لبناء الدولة المصرية، ولكن ما لبثت أن انكفأت جهودهم بعد ثورة الضباط الأحرار 1952.
ويمضي مبيضين في تساؤله: لماذا تقدم الأتراك وفشل الجيران، ولماذا نصر على أن ما يحصل في تركيا هو مغادرة الثوب الإسلامي؟، مبيناً أن الأتراك واضحون، أيقنوا أن الخلافة والسلطنة كانت عبئاً عليهم ولهذا قبلوا بعباءة الجمهورية والدولة المدنية والحكم الإسلامي البعيد الذي تؤدى شعائره في أماكن العبادة.
ويؤكد أنه لا يمكن قيادة دولة وبناء جمهورية بتحديث سياسي ما لم تعمل على إصلاح ثقافي وتعليمي، وهذا الذي حصل مع أتاتورك ولم يحصل مع غيره، لا مع المصلحين العرب ولا مع الانقلابيين. ويشير إلى أن الكتاب يذهب بخط زمني سياسي، لكنه كان يتمنى على المؤلف أن يرصد في كتابه شيئاً من الأدب الذي يقود أو يفسر التحولات في المجتمع التركي.
كما لفت مبيضين إلى أن مسألة الخلافة مر عليها الكتاب مروراً سريعاً لكنها كانت توازي أهمية الوصول إلى النتائج المعاصرة فلم يشأ د. محافظة أن يغرق القارئ في إرهاصات التاريخ والتحولات في موقف الطامحين للخلافة لكن التقديم كان بحالة الخلاصة السياسية التي أوصلت تركيا إلى ما هي عليه اليوم.
آن الأوان للحديث عن عيوبنا
وفي مداخلة له قال د. محافظة: إن ظاهرة التدين في تركيا تختلف عنها في البلاد العربية، فالشعب التركي متدين، وهذه حقيقة أساسية، وفي تركيا كل المسلمين ينتظمون بطرق صوفية حتى رئيس الدولة، أما نحن فنعبر عن تديننا بالذهاب إلى المسجد لأداء الصلاة. لكن الربط بين الدين والسياسة موضوع آخر عندهم.
وينوه د. محافظة إلى أن الجيش مربى تربية علمانية، وهو يعتبر نفسه موالياً تماماً لأفكار أتاتورك. وموقف أتاتورك من الإسلام له عدة اعتبارات؛ أولها أنه عندما كلفه السلطان بالذهاب كمفتش عام للقوات المسلحة التركية لحلها، تحدى أتاتورك السلطان وسعى إلى إحياء القوات المسلحة، وبناء على ذلك اعتبره شيخ الإسلام "كافرا" وأباح دمه،
وأمام هذه العوامل ظل رجال الدين يهاجمونه في الجوامع ويحاولون إحباط محاولته تحرير تركيا، وربما موقف رجال الدين هو الذي جعل أتاتورك ينتقم منهم انتقاماً شديداً ويتخذ منهم موقفاً متشدداً ومعارضاً، فقد حمل الدولة الإسلامية سبب ضعف تركيا.
غير أن أتاتورك، وفق ما أوضح د.محافظة، كان ذكياً في أثناء الحرب لم يعلن عداءه للإسلام. إلا بعد أن انتصر بعد 1923، مشيراً إلى أننا نحن العرب كرهنا أتاتورك؛ لأنه قضى على الخلافة والسلطة، ورجال الدين في العالم العربي هجوه وقامت أحزاب سياسية رداً على سقوط الخلافة، وظهرت الكتب التي تتصدى لذلك.
واجهت تركيا نفس المشاكل التي واجهناه، فالشعب التركي حتى العام 1918 لم يكن بمجمله متعلماً، وقد خاض حرباً وساروا وراء أتاتورك لتحرير بلدهم، أما نحن العرب فسرنا بطريق مختلفة تماماً كانت القوى الاستعمارية نخرت فينا وأنهكتنا، ولم تعد لدينا القدرة عن الدفاع عن أي شيء. ويرى محافظة أن "معجزة" الشعب التركي أنهم استطاعوا بعد أعوام من الحرب في البرد والجوع والعراء أن يحرروا بلدهم من استعمار خمس دول.
ويدعو د. محافظة العرب للوقوف عند هذه الحقيقة المرة عندما نقارن أنفسنا مع دولة كنا جزءاً منها، كما يحث على أهمية دراسة والبحث في نفسيّة العرب وكيفية تفكيرهم ونظرتهم للوطن والأمة والدولة الحديثة، مشيراً إلى أننا نحن العرب فينا عيوب لا نجرؤ للحديث عنها وآن الأوان لنناقشها ونتحدث عنها بشجاعة وجرأة.
التعليقات السابقة
لا يوجد تعليقات سابقة. كن أول من يقوم بالتعليق
أضف تعليقاًً
* اختياري


