هاشم غرايبة .. عندما يكون الروائي لصيقاً بأرضه وناسه
17 اغسطس 2015 | 0 تعليق
الكاتب والروائي الأردني هاشم غرايبة
في قرية حوّارة في محافظة إربد الأردنية نشأ وترعرع، حيث رضع كينونته من حليبها، وقضى طفولته بين رائحة النعناع والزعتر الذي كانت تجمعه والدته ولا تفارق رائحته ذاكرته حتى الآن.
يؤمن الكاتب والروائي الأردني هاشم بديوي مصطفى غرايبة المولود في الأول من كانون الأول العام 1953، أن الأماكن الأولى "مرايا مغبرة لا ترينا ما كنا عليه فعلاً، بل ترينا ما هو كامن فينا".
ويعتبر أبو مصطفى حوّارة معلمته الأولى، منها تعلم الاشتباك، دون مقدمات، في عالم شاسع مليء بالطير والجنّ والحيوان والقمح والشجر والجبل والرمل والغيلان والملائكة والشياطين والنّاس والحجر والنّار والغنم والأراضي السبع والسماوات.
عاش الكاتب في أسرته القروية، وشبّ فلاحاً لصيقاً بأرضه وناسه، وكانت علاقته بجده وطيدة، إذ كان يحبه ويروي له الحكايات والقصص.
التصق غرايبة بوالدته، وتحدث عنها في كتاباته، واصفاً أمه والربيع بـ "التوأمين"، يرى أن والدته كما نساء جيلها "شديدة الحفاوة بأمومتها"، لافتاً إلى أن ذكراها في قلبه ما تزال خضراء، وأن طبخة الفول بالكزبرة التي كانت تعدها مخزنة في الذاكرة!
يفتخر الكاتب الذي أبدع في مجالات أدبية متنوعة، بوالدته، فهي معلمة له ولأشقائه وشقيقاته، رغم أنها لم تكن تجيد القراءة والكتابة. وينوه غرايبة أن أمه التي لم تكن واعظة فقيهة، ولا ناشطة في الحركة النسائية، كانت عالية الاعتزاز بكونها امرأة،
شديدة الانتماء لبنات جنسها، ومنافحة قوية عن جاراتها وقريباتها، وحتى عن كنّاتها في مواجهة أولادها، وكانت تنحاز للنساء من حولها إذا ما اختلفن مع الذكور؛ آباء أو إخواناً أو أزواجاً، بل يؤكد أنها "كانت تحرضهن على أخذ حقهن من الميراث، مع أن هذه من الكبائر في قريتنا"!
دراسة وعمل وسجن
درس غرايبة في حوارة المرحلتين الابتدائية والإعدادية، وانتقل إلى "ثانوية" إربد في العام 1970 وتخرج منها، ليسافر إلى العراق قاصداً جامعة بغداد لدراسة بكالوريوس مختبرات طبية/ قسم الأسنان، وتخرج منها في العام 1974.
في بغداد وخلال دراسته نشر بعض قصصه وكتاباته النقدية في الصحف والمجلات العراقية، وعند عودته إلى الأردن عمل مدرساً في معهد المهن الطبية التابع لوزارة الصحة في العاصمة الأردنية عمّان (1974 – 1978)، ثم مديراً لمختبر أسنان خاص به في إربد منذ عام 1985 وحتى اليوم.
طموح ذلك الشاب الأسمر قاده لينتظم في جامعة اليرموك الأردنية أثناء عمله مدرساً إلا أن دخوله السجن في العام 1978 بسبب انتمائه الحزبي تسبب في انقطاعه عن الدراسة والعمل، ليحصل بعد انقضاء المدة على بكالوريوس اقتصاد وإدارة في العام 1990.
تزوج غرايبة من جميلة الزعبي، ورزق منها بثلاثة أولاد مصطفى، جاسر، مناف. وفي العام 1989 اعتقل إثر أحداث "نيسان" في جنوب الأردن وأودع سجن "السواقة"، وفي العام نفسه كتب في السجن نصاً مطولاً بعنوان "قصر القامة".
التجربة التي عايشها غرايبة لا تخلو من قسوة كانت صاخبة أثمرت عن روائع أدبية، حيث قادته المحطات المفصلية في شبابه التي قضى فترة كبيرة منها في السجن، إلى عالم الكتابة الإبداعية والثقافية في أوائل التسعينيات، مخففاً من حدة كتاباته السياسية، مفتشاً عن متعة ممارسة "حريتي الداخلية بعد أن تحققت لي الخارجية"، وفق قوله.
مسيرة حافلة
ابتدأت أعمال الكاتب الأدبية بمجموعته القصصية "هموم صغيرة" (1980)، لتتوالى كتاباته على اختلافها لاحقاً، إذ كتب في القصة والرواية والنقد والمسرح وأدب الطفل، وعن أهم الحقول الأدبية التي يجد نفسه فيها يقول: "ليس عندي أجمل ولا أصعب من الكتابة للأطفال"؛ فعالم الطفولة عنده "شاسع ولا متناهٍ، والدخول إليه ولفت انتباهه محفوف بمتعة المخاطرة".
وممن أثروا في مسيرة غرايبة الأدبية؛ الكاتب والروائي المصري يوسف إدريس، والكاتب الجزائري الطاهر وطار، والكاتب الأرجنتيني بورخيس.
غرايبة الذي يتقن الإنجليزية إلى جانب العربية يكتب ليمارس حريته ويدافع عما يعتبره صحيحاً، ويلفت إلى أنه ليس
مؤرخاً، بل هو روائي يحاول أن يساهم في "إنقاذ الذاكرة المخطوفة لأرضنا وناسنا وأسلوب عيشنا".
كما أنه ليس "حيادياً ولا وسطياً" عندما يكتب، بل عندما يستعير شيئاً من التاريخ فإنه يستند إلى توثيقي صلب، وما كتبه في أعماله: المقامة الرملية، والشهبندر، وبترا، ومسرحية الصرح، ومعبد الكتبا، حدث سابقاً، لكنه كتبه بأسلوبه وبطريقته وبانحيازه، وفق قوله.
ويعترف غرايبة أنه لا يعرف مدى أهمية كتاباته عند الناس، ولا مدى تأثير رواياته في تغيير الواقع، ولا يؤمن بالحدود التي تقيد النص الأدبي استناداً إلى "حراس النظريات، وجمارك النقد"، بحسب الروائي الذي ينوه إلى أنه أدمن "التجاهل من جمهور واسع من القراء وبعض النقاد"، كما اعتاد "سوء الفهم وتسطيح المعنى وهبش المبنى من بعض من يكتبون ومن يقرؤون ومن كثير ممن ينقدون".
وإلى جانب روايات "بيت الأسرار" و"المقامة الرملية" و"الشهبندر" و"بترا: ملحمة العرب الأنباط" و"أوراق معبد الكتبا" و"القط الذي علمني الطيران".صدر له في مجال القص "قلب المدينة"، التي ترجمت إلى الألمانية،
و "حبة قمح" و"عدوى الكلام"، كما ترجمت بعض قصص هذه المجموعة إلى اللغة الإنجليزية.
ألّف غرايبة أيضاً في المسرح؛ ومن أعماله في هذا الفن؛ "كان وما زال" و"الباب المسحور" و"مصرع مقبول ابن مقبول" و"الوقوف على قدم واحدة" و"الغابة المسحورة" و"الصرح".
كما كتب للأطفال "غراب أبيض" و"غزلان الندى"، و"السمكة الضاحكة"، وهي عبارة عن تعريب لقصة الإيطالي أوجينو كاباتا. ولغرايبة دراستان هما "الخيال العلمي في ثقافة الطفل العربي" و"أوهام سائدة في أدب الأطفال العربي". كما صدر له كتاب بعنوان "الحياة عبر ثقوب الخزان" (عن السجن والفرح والناس)، و"المخفي" (قراءات نقدية).
عمل غرايبة في الصحافة، حيث ترأس تحرير نشرة "المحطة" الثقافية، وعيُن عضو هيئة تحرير لمجلة "وسام" للأطفال التي تصدرها وزارة الثقافة في الفترة من 1995- 1998، كما رأس تحرير مجلة "براعم" عمان التي تصدرها أمانة عمان الكبرى منذ عام 1998-2000. انتخِب عضواً في الهيئة الإدارية لرابطة الكتاب الأردنيين لأربع دورات متتالية، ونائباً لرئيس الرابطة ذاتها للفترة الممتدة ما بين 1992-1994، ومقرراً للجنة أدب الطفل في اتحاد الكتاب العرب منذ عام 1990 وحتى عام 1996م.
حصل الكاتب على العديد من الجوائز منها؛ جائزة محمود سيف الدين الإيراني للقصة القصيرة عن طريق رابطة الكتاب الأردنيين عام 1990 عن أعماله القصصية، كما حصد جائزة مهرجان الرّواد العرب للقصة القصيرة، وهي جائزة تمنحها جامعة الدول العربيّة من خلال المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم.
حياة هادئة بعد الستين
بعد أربعين عاماً قضاها غرايبة مدخناً شرهاً تربطه علاقة وطيدة بسيجارته، قرر وهو المزارع النشيط أن يقلع عن التدخين، قبل عام ونصف تقريباً، ويشعر الآن براحة شديدة، يستيقظ يومياً في السادسة صباحاً يمارس رياضة المشي ساعة، ثم يذهب إلى عمله في الثامنة صباحاً.
فمن التحولات على شخصيته يقر غرايبة، أنه بعد أن بلغ الستين من عمره قرر أن يعيش حياة هادئة بلا صخب ولا دخان وألا يفعل إلا ما يستمتع به، ولا يذهب إلا حيث يريد ولا يقول إلا ما يريد ولا يجامل أحداً.
تقول زوجته جميلة الزعبي عنه، في شهادة قدمتها سابقاً، إن العيش مع هاشم ليس سهلاً ولا صعباً، كالحياة نفسها، إذ يجب أن أعود كثيراً للانطلاقة ذاتها، من البداية، والمجهود لا يتوقف، والحفاظ على العائلة هدف يستحق ذلك العناء.
تأتي الصعوبة، وفق الزعبي، "كون هاشم لا يحب المألوف والاعتيادي، دائماً يكسر روتين الحياة اليومية، وهذا يربكني، تشغله قضايا كثيرة، منها الإبداعي والإنساني والفكري، ومنها الاجتماعي والمعيشي والعملي، ومنها الوطني والسياسي، وهو كثير الأسفار"، متابعة "كل ذلك يسبب له (لنا) حالة قلق شبه دائم، فهو يصدر عن مزاجية عالية، ومزاج متقلب، وهذا يمنحني الكثير من الفرح، ويسبب الكثير من المشاكل في آن واحد".
هاشم، بحسب زوجته، هو "كثير من التوتر، وكثير من الأمان، يتناوبان برشاقة، كثير من القلق عالي الحدة، وكثير من الحنان عالي الجودة".
وتضيف: يقرأ كثيراً، ويكتب كثيراً، وينام قليلاً، غالباً ما يكتب في "المختبر"، (مكان عمله)، وعندما يشرع في كتابة عمل إبداعي يصبح قلقاً وحاد المزاج، وقيامه بالكتابة خارج البيت يساهم أحياناً في تخفيف حالات التوتر والعصبية داخل البيت.
وتتابع الزعبي: يشعر بالفرح لقراءته شيئاً جميلاً وجديداً، تماماً كما يفرح عندما يكتب شيئاً جديداً وجميلاً، وينعكس هذا على مزاجه جيداً، وينقل لي هذه الحالة، فيؤجج لدي عدوى القراءة، فيقنعني ويمتعني روحياً وثقافياً ومعرفياً، ونعود عاشقين من جديد.عدوى القراءة تنتقل للأولاد أيضاً، إذ يحرص هاشم على تشجيعهم على القراءة، والاستمتاع بها.
وتلفت الزعبي أن غرايبة عادة ما يترك لها متابعة النشاطات والدروس المنهجية مع الأولاد، وله أن يشاركهم ألعابهم ومطالعاتهم وبرامجهم المفضلة على الشاشة والإنترنت.
وتمضي قائلة: "إن العيش معه كالحياة نفسها: جميلة أحياناً، ومؤلمة أحياناً أخرى، ولكنها ليست رتيبة أبداً".
يفتخر غرايبة بتربيته وزوجته لأبنائه؛ مصطفى مهندس ميكاترونكس، جاسر مهندس مدني، مناف مهندس برمجيات، مبيناً أن أجمل ما فيهم اعتمادهم على أنفسهم، إذ عملوا فور تخرجهم ولم يكلفونه بأية وساطات.
لا يتوقف غرايبة عن مواصلة كتاباته الإبداعية، وعن مشروعه القادم يقول إنه "الجنة" وهو يوتوبيا الكرة الأرضية "بيتنا المشترك" كما أحب أن تكون".
التعليقات السابقة
لا يوجد تعليقات سابقة. كن أول من يقوم بالتعليق
أضف تعليقاًً
* اختياري

