علي محافظة لـ "ذوات": الأنظمة التعليمية العربية متخلفة
04 ديسمبر 2014 | 0 تعليق

المفكر والمؤرخ الأردني الدكتور علي محافظة -(ذوات)
منى شكري

أكد المفكر والمؤرخ الأردني الدكتور علي محافظة أن البنية السياسية والاجتماعية والاقتصادية للدولة القطرية الحديثة العربية التي قامت على يد الدول الغربية التي استعمرتها "لم تتغير"، واستمرت تبعيتها لها سياسياً واقتصادياً وعسكرياً وثقافياً، مشيراً إلى أن المفكرين الأحرار، وهم قلة في المجتمع، لم يستطيعوا أن يغيروا من مسيرة دولتهم الناشئة. وظلوا على هامش الأحداث، وقامت أنظمة حكم مستبدة تدعمها طبقة اجتماعية احتكرت السلطة وثروة البلاد، ووضعت القوانين والأنظمة التي تضمن لها هذا الاحتكار.

وشدد محافظة في حوار مع "ذوات" أجري معه في العاصمة الأردنية عمان، على أن هذه الدول تبنت أنظمة تعليمية خرّجت أجيالاً تستمرئ الذل والعبودية، وتمارس النفاق والتدليس للوصول إلى مبتغاها، حتى إذا حدث الانفجار الشعبي في بعض هذه الدول سنة 2011 ، لم تستطع الأجيال الشابة التي قامت به قيادة المسيرة؛ لأنها غير مؤهلة فكرياً وعملياً لذلك وغير منظمة حزبياً.

وفيما يتعلق بعجزنا عن النهوض، فيحيله محافظة، إلى الأنظمة التعليمية العربية الرديئة والمتخلفة التي لا تعنى بإنتاج الإنسان الحر الناقد والمبدع الشجاع الذي يعتمد العقل في فهمه لحياته وبيئته ومجتمعه. ولهذا العجز علاقة قوية بأنظمة الحكم التي تكمم الأفواه وتعتقل الأحرار، ولا تسمح برأي مخالف لرأيها الرسمي. كما له صلة بحالة الشعب المعيشية وانتشار الفقر والبطالة على نطاق واسع في صفوفه.

وبيّن المفكر أن الصراع الديني والطائفي والمذهبي الذي نشهده اليوم على الساحة العربية دليل واضح على فشل الدولة القطرية العربية التي عجزت عن تحقيق المساواة والعدالة الاجتماعية، وبناء دولة القانون، وفشل النظام التربوي والتعليمي، في تحقيق الوحدة الوطنية التي هي الأساس الذي تقوم عليه الدولة الحديثة.

وأوضح محافظة أن المجتمعات الحية هي التي تبتكر الآليات لاحتواء الصراع الطائفي أو تقنينه، منوهاً إلى أن المشكلة في الوطن العربي، أننا لا نعترف بوجود تمييز طائفي أو مذهبي في دولنا، بل نمارس هذا التمييز يومياً في كل تصرفاتنا الرسمية والشخصية.

ونبه المؤرخ الأردني إلى أن السبيل لتحرير الفكر الديني من قيود التقليد وتحرير العقل العربي من الخرافات والأوهام يكمن في التربية والتعليم وذلك من خلال إعادة النظر في المناهج المدرسية وفي العملية التربوية بجميع عناصرها. يضاف إليها وسائل الإعلام المستنيرة، وإصلاح كليات الشريعة في الجامعات العربية في ضوء هذا التوجه، بدءاً من الجامع الأزهر وكليات الشريعة في المملكة العربية السعودية وأقطار الخليج العربية الأخرى.

وأكد محافظة أن الطوائف الدينية في الوطن العربي والإثنيات المقيمة فيه غير العربية هي جزء أساسي ومهم من نسيجه الاجتماعي، وجد بعضها قبل الفتوحات العربية الإسلامية، وهي باقية بيننا وستبقى بيننا، مشيراً إلى أن "ظاهرة داعش" استثنائية ومؤقتة لن تدوم، وهي في عدوانها على هذه الطوائف والإثنيات تجاوزته إلى المسلمين من سنة وشيعة.

والدكتور علي محافظة هو مفكر ومؤرخ أردني تولى رئاسة العديد من المواقع الأكاديمية والدبلوماسية، وهو مؤسس جامعة مؤتة العريقة. ولد في محافظة إربد بالأردن عام 1938 لأسرة ريفية تهتم بالتعليم وتحرص عليه، حاصل على دكتوراه دولة في الآداب والعلوم الإنسانية من جامعة السوربون في باريس (1980). ودكتوراه الحلقة الثالثة في الدراسات الإسلامية/ تاريخ من الجامعة نفسها.

له العديد من المؤلفات والدراسات المنشورة، بالإضافة إلى عضوية منظمات ومجالس ولجان عديدة في الدولة الأردنية، منها، على سبيل المثال لا الحصر، "الاتجاهات الفكريـة عنـد العـرب فـي عـصر النهـضة"، "أبحاث وآراء في تاريخ الأردن الحديث"، "أبحاث في تاريخ العرب المعاصر"، "دراسات في التربية والتعليم العالي"، "حروب الخليج في مذكرات الساسة والعسكريين الغربيين".

حصل الدكتور علي محافظة خلال مسيرة عمله على العديد من الأوسمة منها: وسام الاستقلال الأردني من الدرجة الرابعة، وسام الصليب الحديدي من الدرجة الثالثة من حكومة ألمانيا الاتحادية، وسام جوقة الشرف من درجة فارس من الحكومة الفرنسية، وسام النخيل الأكاديمي من الحكومة الفرنسية، وسام التربية والتعليم الأردني وسام الدولة التقديرية في العلوم الإنسانية، وسام الاستقلال الأردني من الدرجة الأولى.

وفي ما يلي نص الحوار كاملاً:

* المتأمل للواقع العربي والانتكاسات والتراجع الذي يشهده على مختلف الأصعدة، يجعلنا نتساءل لماذا لا نسير في الطريق الصحيح؟ ولماذا نعجز عن النهوض؟ وإلى متى سنبقى مسكونين بصراعات الماضي، ونجدد ملاحم "داحس والغبراء" تحت مسميات كثيرة؟

- لماذا لا نسير في الطريق الصحيح؟ ولماذا نعجز عن النهوض؟ وإلى متى سنبقى مسكونين بصراعات الماضي؟ هذه أسئلة كبيرة ومهمة جداً، طرحها المفكرون العرب قبل مئة عام ونيف، واستمروا في طرحها على أنفسهم حتى اليوم. وحاولوا الإجابة عنها إجابات متباينة اعتمدت على ثقافة كل منهم وميوله الفكرية الدينية والسياسية.

اعتقد رجال الدين من علماء المسلمين أن الطريق الصحيح هو العودة إلى الإسلام النقي الذي يمثله القرآن الكريم والسنة المحمدية. ولكنهم اختلفوا في تفسيرهم وفهمهم للآيات القرآنية وفي تحليلهم للسنة النبوية

اعتقد رجال الدين من علماء المسلمين أن الطريق الصحيح هو العودة إلى الإسلام النقي الذي يمثله القرآن الكريم والسنة المحمدية. ولكنهم اختلفوا في تفسيرهم وفهمهم للآيات القرآنية وفي تحليلهم للسنة النبوية؛ فمنهم المتنورون الذين حاولوا التوفيق بين القرآن الكريم والعلم الحديث وبين العقل والإيمان، أمثال جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده. ومنهم السلفيون الذين تمسكوا بحرفية النص القرآني والحديث الشريف، وسعوا إلى العودة بالمجتمع العربي إلى ما قبل أربعة عشر قرناً. وكان إمامهم الشيخ محمد بن عبد الوهاب الذي ظهر في نجد في القرن الثامن عشر الميلادي، وسارت على نهجه تنظيمات وحركات متطرفة تعتمد العنف في تطبيق أفكارها، وتتلقى الدعم المالي والفكري والعسكري من دول ومؤسسات عربية خليجية. وأبرز هذه الحركات: القاعدة والدولة الإسلامية في العراق والشام (داعش) وجبهة النصرة وغيرها من التنظيمات المنتشرة في الوطن العربي.

واعتقد فريق من المفكرين المحدثين العرب أن الطريق الصحيح هو الاقتداء بالغرب وتبني الفكر السياسي الغربي الحديث، وبناء الدولة العربية على النمط الغربي بمؤسساته السياسية والعسكرية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية مع الحفاظ على الهوية العربية الإسلامية. وذهب مفكرون عرب آخرون إلى تبني الفكر الماركسي وتقليد التجربة السوفياتية أو الصينية.

قامت الدولة القطرية الحديثة العربية على يد الدول الغربية التي استعمرتها. وأنشأت لها مؤسسات سياسية مشوهة لتأمين سيطرتها عليها وتبعيتها لها. فلما استقلت هذه الدول العربية القطرية لم تتغير بنيتها السياسية والاجتماعية والاقتصادية، واستمرت تبعيتها للدولة التي استعمرتها سياسياً واقتصادياً وعسكرياً وثقافياً. ولم يستطع المفكرون الأحرار، وهم قلة في المجتمع، أن يغيروا من مسيرة دولتهم الناشئة. وظلوا على هامش الأحداث، وقامت أنظمة حكم مستبدة تدعمها طبقة اجتماعية احتكرت السلطة وثروة البلاد، ووضعت القوانين والأنظمة التي تضمن لها هذا الاحتكار. ولذا تعذر على هذه الدول أن تحقق التنمية الاقتصادية والاجتماعية والنمو الاقتصادي والرخاء وإدخال التكنولوجيا الحديثة. وتبنت أنظمة تعليمية خرّجت أجيالاً تستمرئ الذل والعبودية، وتمارس النفاق والتدليس للوصول إلى مبتغاها، حتى إذا حدث الانفجار الشعبي في بعض هذه الدول سنة 2011 لم تستطع الأجيال الشابة التي قامت به قيادة المسيرة، لأنها غير مؤهلة فكرياً وعملياً لذلك وغير منظمة حزبياً.

أما العجز عن النهوض، فله صلة وثيقة بأنظمتنا التعليمية الرديئة والمتخلفة التي لا تعنى بإنتاج الإنسان الحر الناقد والمبدع الشجاع الذي يعتمد العقل في فهمه لحياته وبيئته ومجتمعه. ولهذا العجز علاقة قوية بأنظمة الحكم المستبدة التي تكمم الأفواه وتعتقل الأحرار ولا تسمح برأي مخالف لرأيها الرسمي. كما له صلة بحالة الشعب المعيشية وانتشار الفقر والبطالة على نطاق واسع في صفوفه.

الجهل والاستبداد والتسلط من أسباب التطرف ولكن انضمام بعض المتعلمين إلى حركات التطرف الإسلامية يعود لأسباب ودوافع مختلفة بعضها اجتماعي أو اقتصادي أو نفسي أو فقر ثقافي

والصراع الديني والطائفي والمذهبي الذي نشهده اليوم على الساحة العربية دليل واضح على فشل الدولة القطرية العربية التي عجزت عن تحقيق المساواة والعدالة الاجتماعية، وبناء دولة القانون، وفشل النظام التربوي والتعليمي، في تحقيق الوحدة الوطنية التي هي الأساس الذي تقوم عليه الدولة الحديثة. كما يعزى هذا الصراع إلى انتشار الفكر السلفي المتطرف بين شبابنا، بعد فشل الدولة القطرية وأنظمة الحكم القومية والاشتراكية في تحقيق أهدافها المعلنة.

 

* شهد العصر العربي الحديث بروز العديد من المفكرين والمتنورين، برأيكم لماذا تفشل الأفكار التي طرحوها في أن تشق طريقها نحو التطبيق؟

- فشل المفكرون المتنورون في تحقيق أفكارهم وتطلعاتهم بسبب الأوضاع السياسية والأمنية والاقتصادية والاجتماعية التي عاشتها الدولة القطرية الحديثة، والتي ألقت بهم في السجون والمعتقلات وحاربتهم على الصعيد الفكري عن طريق المنافقين والمتزلفين من المثقفين، أو دفعت بهم إلى الهروب من البلاد والعيش في المنفى.

* يعيد معظم الباحثين أسباب التطرف إلى الجهل أو التسلط، ولكننا نجد العديد من حملة الشهادات العليا ينضمون إلى تنظيم الدولة الإسلامية "داعش" ومنهم قادمون من بلدان غربية أبعد ما تكون عن التسلط، فكيف تعلل هذه الظاهرة؟

- لاشك أن الجهل والاستبداد والتسلط من أسباب التطرف ولكن انضمام بعض المتعلمين إلى حركات التطرف الإسلامية يعود لأسباب ودوافع مختلفة بعضها اجتماعي أو اقتصادي أو نفسي أو فقر ثقافي. فليس كل من يحمل شهادة علمية عليا يعد مثقفاً. ولا عجب أن ينتشر الفقر الثقافي بين أصحاب الاختصاص في العلوم البحتة والعلوم التطبيقية والفنيين في فروع التكنولوجيا المختلفة الذين لا يتوافر لديهم الوقت الكافي للمطالعة وتثقيف أنفسهم.

أما القادمون من البلدان الغربية، فمعظمهم من العرب والمسلمين المهاجرين إليها ومن اعتنق الإسلام من الشباب الغربيين. إن هؤلاء جميعاً يتعرضون في المجتمعات الغربية للتهميش، ويشعرون بأنهم منبوذون بسبب معتقداتهم الدينية. ويمارس عليهم التمييز الديني. ولذا، فإن مشاركتهم في حروب القاعدة وداعش والنصرة هي تعبير عن حقدهم على حكوماتهم ومجتمعاتهم التي تحرمهم من حقوقهم الأساسية وتنبذهم.

* استعرضت في كتابك "حركات الإصلاح والتجديد في الوطن العربي والتحديات التي تواجهه في مطلع القرن الحادي والعشرين" أن غالبية حركات الإصلاح والتجديد كانت تأتي من أجل عودة المسلمين إلى دينهم النقي، ما المقصود "بالدين النقي" في ظل الاختلافات التفسيرية بين هذه الحركات؟ وما سبب هذا الانشداد نحو الماضي، وما مدى واقعية هذه الدعوات في ظل الظروف المعاصرة التي نعيشها خصوصاً أنها تقع غالباً في مصيدة التقليد والجمود؟

- المقصود بالدين النقي؛ أي الرجوع إلى المصدرين الرئيسين للإسلام: القرآن الكريم والسنة النبوية. وقد اختلف دعاة هذا الاتجاه كما بيّنا سابقاً في تفسيرهم وفهمهم لما ورد في هذين المصدرين من نصوص.

أما السبب في الانشداد نحو الماضي، فهو الحالة المزرية التي تعيشها الأمة حالياً ومنذ القرن التاسع عشر تحت الحكم الاستعماري والهيمنة الغربيين. والمقارنة الدائمة بين هذه الحالة البائسة وأمجاد العرب المسلمين في العهود العربية الإسلامية الأولى.

* تطرقت في الكتاب عينه إلى أن المجتمعات الحية هي التي تبتكر آليات معينة لاحتواء الصراع الطائفي أو تقنينه، ويطلق على هذه الآليات وسائل الضبط الاجتماعي. هلا ألقيت مزيداً من الضوء على هذا الموضوع؟

- نعم، المجتمعات الحية هي التي تبتكر الآليات لاحتواء الصراع الطائفي أو تقنينه. عاشت أوروبا في القرنين السادس عشر والسابع عشر حروباً دينية وطائفية بين البروتستانت والكاثوليك، وذهب ضحيتها مئات الآلاف من الطرفين. وتم التوصل في منتصف القرن السابع عشر إلى صلح بينهما تضمن قبول كل طرف بالطرف الآخر، والاعتراف له بحقه الكامل في المعتقد. وسنت قوانين في كل دولة لحماية حرية الاعتقاد، ومعاقبة كل من يميز ويفرق بين الناس وفق معتقداتهم الدينية في أي موقع كان.

السبيل إلى تحرير الفكر الديني من قيود التقليد وتحرير العقل العربي من الخرافات والأوهام هو التربية والتعليم من خلال إعادة النظر في المناهج المدرسية وفي العملية التربوية بجميع عناصرها

المشكلة في الوطن العربي أننا لا نعترف بوجود تمييز طائفي أو مذهبي في دولنا، بل نمارس هذا التمييز يومياً في كل تصرفاتنا الرسمية والشخصية. المفروض أن نعترف بهذا الواقع والممارسات، وأن نسعى إلى وضع الحلول المناسبة لتلافيه، وذلك من خلال ممارسة حقيقية للمساواة بين جميع المواطنين على اختلاف طوائفهم ومذاهبهم أمام القانون. وهذا يعني قبول من يتقدم للتجنيد في جيوشنا وأجهزتنا الأمنية حسب معيار الكفاءة وليس حسب الطائفة والمذهب الديني. وكذلك الحال في ترقياتهم وتوليهم المناصب القيادية في هذه الجيوش والأجهزة. ومعاقبة كل مسؤول، بموجب القانون، عند ارتكابه التمييز الطائفي أو المذهبي. وينطبق هذا المبدأ على جميع موظفي الدولة وموظفي الشركات الحكومية والخاصة والعاملين فيها. ويطبق هذا في القضاء وفي مختلف المجالس النيابية والإدارية والمحلية وفي الأحزاب والنقابات والجمعيات الخيرية وغير الخيرية والنوادي الثقافية والرياضية.

* ما السبيل إلى تحرير الفكر الديني من قيود التقليد، وتحرير العقل العربي من الخرافات والأوهام التي من الواضح أنها ما تزال تحكمه بطريقة أو بأخرى؟

- السبيل إلى تحرير الفكر الديني من قيود التقليد وتحرير العقل العربي من الخرافات والأوهام هو التربية والتعليم من خلال إعادة النظر في المناهج المدرسية وفي العملية التربوية بجميع عناصرها. يضاف إليها وسائل الإعلام المستنيرة، وإصلاح كليات الشريعة في الجامعات العربية في ضوء هذا التوجه، بدءاً من الجامع الأزهر وكليات الشريعة في المملكة العربية السعودية وأقطار الخليج العربية الأخرى.

* كيف تنظر إلى مستقبل الأقليات في الوطن العربي في ظل ما تشهده المنطقة من حروب طائفية؟ كما شهده العراق مثلاً من تهجير للأزيديين والمسيحيين؟

- هذه الطوائف الدينية في الوطن العربي والإثنيات المقيمة فيه غير العربية هي جزء أساسي ومهم من نسيجه الاجتماعي، وجد بعضها قبل الفتوحات العربية الإسلامية، وهي باقية بيننا وستبقى بيننا. وظاهرة "داعش" استثنائية ومؤقتة لن تدوم. وهي في عدوانها على هذه الطوائف والإثنيات تجاوزته إلى المسلمين من سنة وشيعة.

* في محاضرة له عقدت بعمان أكد المفكر اللبناني والاقتصادي الدكتور جورج قرم أن أهم إخفاقات التنمية إهمال الريف العربي وكأنه ليس عربياً ما أدى الى وجود فجوة زراعية متزايدة.

وتحدثتم أيضاً في أن من العوائق المهمة في طريق التنمية الاقتصادية والاجتماعية الشاملة، إهمال الريف وحرمانه من الخدمات الأساسية، وكانا من عوامل الطرد منه إلى المدن، برأيكم من المسؤول الأول عن هذا التهميش للريف العربي وما المستقبل الذي ينتظرنا إذا لم تلتفت الحكومات له كمحور مهم في التنمية؟

 المسؤول عن تهميش الريف العربي حكوماته التي فشلت في تحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية العادلة لسكانه، وتوفير الخدمات الأساسية فيه وسبل العيش الكريم

 المسؤول عن تهميش الريف العربي حكوماته التي فشلت في تحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية العادلة لسكانه، وتوفير الخدمات الأساسية فيه وسبل العيش الكريم، فاضطر سكانه إلى الهجرة إلى المدن أملاً في حياة أفضل.

مواصلة التهميش للريف العربي سيخلق فئتين متناحرتين؛ الريفيين وأهل المدن، وهذا بدوره سيؤدي إلى تنامي الشعور بالظلم لدى الريفي غير المشمول بالخدمات والتطوير وبنهاية المطاف سيقود ذلك إلى التمرد والاضطرابات.

* تحدثت عن السلطة السياسية في دولنا القطرية، وأنها بقصد أو بدون قصد، ساهمت في إضعاف الوحدة الوطنية والتماسك الاجتماعي، ما السبيل لحل هذه المعضلة؟

- لا بد من تغيير جذري لبنية السلطة السياسية في الوطن العربي من أجل تعزيز الوحدة الوطنية وتقوية التماسك الاجتماعي، وذلك بإقامة الدولة الوطنية الحديثة التي يسودها القانون ويخضع له جميع المواطنين، وتزول فيها الاحتكارات، وتفسح فيها الحريات لجميع المواطنين دون تفريق أو تمييز. وفيها يتمكن الشعب بجميع فئاته من المشاركة في الحكم عن طريق نوابه المنتخبين انتخاباً حراً نزيهاً، وتتاح فيه حريات المعتقد والتعبير والاجتماع وتأليف الأحزاب والنقابات والجمعيات والنوادي ومراكز البحوث العلمية، وإصدار الصحف الحرة، ويسوده نظام تربوي عادل لا تمييز فيه بين الأثرياء والفقراء والريف والمدينة والبادية.

عملية الإصلاح الشامل هي السبيل الوحيد المتاح أمامنا لإعادة النظر في ثقافتنا العربية وربطها بالحضارة العالمية والمعرفة المتجددة في عالم اليوم والغد

وفيه قوانين تعاقب كل من يميز أو يفرق بين المواطنين حسب دينهم أو طائفتهم أو مذهبهم أو أصولهم العرقية أو لونهم أو مناطق سكناهم أو عشائرهم، في قراراته أو اختياراته أو سلوكه.

* تطرقت في أحد مقالاتك إلى أن الدولة المأزومة تصل في نهاية المطاف إلى طريق مسدود وخيار وحيد: الإصلاح أو الثورة. هل الظروف الموضوعية العربية تضمن النتائج المرجوة من هذين الخيارين؟

- إن الظروف الحالية التي تمر بها الدول العربية ملائمة جدّاً لإجراء الإصلاح السياسي والاقتصادي والاجتماعي والثقافي المطلوب، حتى تتجنب الثورات والاضطرابات الأمنية. وإذا قامت هذه الدول بإدخال الإصلاحات الأساسية، فإنها تفوت على قوى الثورة والفوضى الفرص التي تنتظرها. ومن شأن هذه الإصلاحات أن تقوي أنظمة الحكم القائمة وتثبت أركانها. والسبيل إلى ذلك أن يختار رئيس الدولة شخصية مقبولة شعبياً تتمتع بوعي سياسي ونظرة ثاقبة نحو المستقبل لتأليف حكومة وحدة وطنية تتولى عملية الإصلاح على مدى زمني معقول. وتبدأ بتعديل الدستور والقوانين التي تتعارض مع الإصلاح المرجو، وانتخاب مجلس تأسيسي لتعديل الدستور أو وضع دستور جديد. ثم يسمح للأحزاب السياسية بدخول الحياة السياسية بحرية مسؤولة، وتجرى انتخابات نيابية، ويبدأ تداول السلطة.

* فرقت بين نوعين من الأمية، حضارية تشمل المجتمع كله، وأمية الأبجدية وتقتصر على أفراد المجتمع، ما هي العلاقة بين هاتين الأميتين؟

- الأمية الأبجدية هي عجز الإنسانية عن القراءة والكتابة، والأمية الحضارية هي امتلاك الإنسان القدرة على القراءة والكتابة، وافتقاره إلى الثقافة العامة والإلمام بالمعلومات الأساسية عن الحياة والكون والحضارة ومتابعة تقدم المعرفة الإنسانية.

والأمية تتعلق بثقافة المجتمع، ووسائل التثقيف إما الكتب العلمية أو الأدبية، المعرفة عموماً، أو من خلال وسائل الإعلام. وفي القرن الواحد والعشرين اكتشفوا أن المعرفة تتضاعف كل عامين إلى ثلاثة أعوام، فإذا لم يقرأ ويطالع العربي باستمرار، فإنه سيصبح أمياً. هناك لا يقرؤون إلا الصحف وتحديدا موضوعات تهمهم، وهذا لا يمكن أن يقدم ثقافة، فهم لا يقرؤون الأبحاث أو الدراسات المختلفة.

هناك طلاب ماجستير ودكتوراه من طلبتي في الكليات الإنسانية، عندما أسألهم من هو عرار، لا يعرفون بل يجيب أحدهم هل هو مغن!. فهو يجهل أهم شاعر في وطنه الأردن!، ومن هنا وجب التركيز على مسألة الثقافة التي تتنوع بين، وطنية وعربية وإسلامية، فضلاً عن وجود ثقافات أخرى تكنولوجية وصحية، وعلى المدارس والجامعات والأسر النهوض بأبنائهم وتثقيفهم.

*قلت في معرض توصيفك للمشهد الثقافي العربي، بأنه لا عجب أن نسمع ونقرأ عن الشعر العربي الذي يموت، والمسرح الذي يحتضر، والقراءة التي تتراجع والأفلام السينمائية التي تتناقص والتعليم العام الذي ينحدر، والتعليم العالي الذي يتدنى مستواه، والبحث العلمي الذي يتقلص. وفي الوقت نفسه، تشتد الخصومة بين التيارات الفكرية العربية: القومية والإسلامية والسلفية والعلمانية والوطنية والأممية. ويسعى كل منها إلى إلغاء الآخر وتصفيته. كيف نعيد الدور الريادي للمثقف والمؤسسات الإبداعية، أم إننا نعيش أزمة مثقف أصلاً؟

- إن عملية الإصلاح الشامل هي السبيل الوحيد المتاح أمامنا لإعادة النظر في ثقافتنا العربية وربطها بالحضارة العالمية والمعرفة المتجددة في عالم اليوم والغد، وإتاحة الفرص للمبدعين من أبنائنا في مختلف مجالات الحياة والعلم والفن والمعرفة.

 

التعليقات السابقة

لا يوجد تعليقات سابقة. كن أول من يقوم بالتعليق

أضف تعليقاًً

الاسم
البريد الإلكتروني
* اختياري
عنوان التعليق
التعليق