فاطمة المرنيسي: امرأة على أجنحة الحلم
23 مايو (أيار) 2014 09:07 | 0 تعليق |
إذا كانت الفلسفة "تأتي متأخرة في المساء" كما يقول هيجل،فإن فاطمة المرنيسي بالمقابل استيقظت باكراً مع السوسيولوجيا لتمنحها فجراً جديداً، ولتنقش مكانتها في عالمها، داعية إلى فطم كل العادات المتحجرة المرتبطة بالمرأة والتي جاء بها التراث والتاريخ وحملها حتى ما فتئت تصبح حقائق.
من داخل قارة علم الاجتماع، سوف تتمكن المرنيسي من الوقوف في صف المرأة خياراً أخلاقياً وعلمياً كان له ثمن خاص طيلة عقود. فمن كان يتوقع أن تلك المرأة الفاسية التي ولدت عام1940 وتتلمذت على يد علماء "القرويين" المتخصصين في أصول الفقه واللغة العربية وعلوم أخرى، ستصبح رمزاً لحرية النساء في عالمٍ طوّق بأسوار حجبت الرؤية عن النساء بدعوى الحريم، وحرمتهن من إبصار أنوار الحقيقة حتى أصبحن عاشقات للظل وللظلام دون علم.
لم تخشَ المرنيسي أبداً النبش في التابوهات والكشف عن خباياها، متجاوزةً كل العتبات المفروضة. ما سيجعل من هذه المرأة المثابرة امرأة ميدان بامتياز؛ حيث نزلت إلى الواقع وجذرت ممارستها في علم الاجتماع، وحاولت بذلك إشاعة فكرها؛ معلنةً عن ملامح مشروع فكري ونضالي جديد يعـبرعن صوت المرأة العربية المقموع لسنوات؛ ومساهمةً بأعمالها الجريئة في الكشف عن العوالم التي كرست الصورة الدونية للمرأة، وما نتج عنها من ألم وفواجع.
دراستها لعلم الاجتماع بالسوربون بفرنسا ساعدتها على البحث عن المعنى وصيغه المتعددة في زمن لم يكن يعرف سوى اللامعنى، مادام عنصر المرأة ظل راكداً في الظلام وخلف الأسوار. وخلافاً لما نطق به بعضهم، لم تكن تلميذة القرويين يوماً ضد الإسلام، بل ناضلت دائماً من داخل نسقيته، كما اعتبرته منظومة قيمية منحت المرأة مكانة مُنزهة عن ثقافة الحريم والاستعباد؛ والتي لم تكن سوى تجلً لمظاهر تدين وثقافة أرساها الإنسان.
واستمرت المرنيسي بإهداء المرأة وقرائها أعمالاً بحثية، فكٌتب "ما وراء الحجاب"، و"شهرزاد ليست مغربية أو الغرب" بالإنجليزية" Scheherazade GoesWest، و"الإسلام والديمقراطية"، و"شهرزاد ترحل إلى الغرب"، و"أحلام النساء الحريم"حكايات طفولة الحريم"؛ لم تكن سوى مخاضات منحت الوجود المعرفي والساحة الثقافية مواليد جديدة حملت إدراكات بناءة، ورسائل عميقة حاولت أن تجيب فيها المرنيسي عن سؤال "ما معنى أن تكوني امرأة حرة" وكيف يمكن تصحيح المفاهيم الخاطئة السائدة حوله.
واستطاعت المرنيسي، انطلاقاً من كتاباتها وحتى من لباسها، الذي كان عابراً للقارات، أن تمزج بين الماضي والحاضر ضامنةً بذلك للمرأة مكانةً خاصةً خارج الصورة النمطية التي رسمت لها. كما تمكنت بعد صراع طويل أن ترسي ثقافة العدالة بعيداً عن جدليات الضحية والجلاد وعن المقاربات التي تجعل من الرجل "العدو الرئيس" عند بعض التيارات النسوية المتشددة، في الشرق والغرب على حد سواء. ولعل استياءها، في كثير من المناسبات، من مناضلات الحركة النسائية اللواتي يُعادين الإسلام والثقافة المجتمعية المحلية، ويجعلن منها أجندات للاشتغال أكبر دليل على ذلك.
صحيح أنها عاشت في جدلية صعبة بين وقوفها في صف المرأة من جهة، والتهميش والتبخيس إلى حد التهديد الذي عرفه وجودها، من جهة أخرى، إلا أنها وصلت إلى العالمية بأعمالها الأكاديمية الرزينة؛ لتتحرر من آلام "ضريبة النجاح" ولتعلن عن اسم المرنيسي في صيغة جائزة "إستورياس" للآداب في إسبانيا، مناصفةً مع الكاتبة الأميركية الشهيرة سوزان سونتاغ، في غضون العام 2003، وهو اعتراف سيجعل من المرنيسي سفيرة للحوار بين الشعوب والثقافات، بعد أن تم اختيارها عضوة في فريق الحكماء للحوار من طرف رئيس المفوضية الأوروبية روما نو برودي، وذلك من أجل التأمل في مستقبل العلاقات الأوروبية المتوسطية.
وبعد سفر طويل على أجنحة الحلم، وبعدما مدت جسراً للفراشات بعيداً عن الأسوار، وبعدما حطت رحالها في عالم أعلام النساء العربيات، لم تعد المرنيسي فقط مجرد مدافعة عن حقوق المرأة وباحثة في التراث، بل أصبحت اليوم سفيرة الحب الذي أصبح ديدنها وإيمانها، ولتُتبت من جديد بأن فجر حرية المرأة سيبزغ يوماً ما؛ لأنها تجسد الأمل والعطاء والحياة.
أضف تعليقاً
* اختياري
