"ناس الغيوان": الأغنية سلاحاً ضد القهر والتهميش
27 مايو (أيار) 2014 15:07 | 0 تعليق |
مجموعة ناس الغيوان - (أرشيفية)
الرباط - سعيدة شريف

لم يكتب لأي مجموعة غنائية أن تحظى بالشهرة نفسها، التي حظيت بها مجموعة "ناس الغيوان"، وخماسيها النادر، في المغرب وخارجه، وهي المجموعة التي شكلت ظاهرة غنائية استثنائية في العالم العربي.

 هذه الظاهرة جعلت المخرج الأمريكي مارتين سكورسيزي يعجب بها ويطلق عليها لقب "رولينغ ستون إفريقيا"، حينما اكتشفها بالصدفة في الفيلم الوثائقي "الحال" للمخرج المغربي أحمد المعنوني، الذي أعاد ترميمه عبر مؤسسة سينما العالم، وعرضه في مهرجان "كان" السينمائي، ودفع منظمي مهرجان مراكش الدولي للفيلم إلى تخصيص تكريم لهم في شخص الفنان عمر السيد، في هذه التظاهرة السينمائية الدولية.

"كنا خمسة"، هكذا تغنى الفنان الراحل عبد الرحمن قيروش، الملقب بـ "باكو" عام 1996، تكريماً واحتفاء برفاق دربه القدامى في مجموعة "ناس الغيوان"، الذين شكل معهم طوال أربعين سنة النواة الصلبة للفرقة، التي دخلت تاريخ الموسيقى العالمية، وغذت وجدان المغاربة بعودتها إلى التراث المغربي الأصيل كلمة ولحناً.

رولينغ ستون إفريقيا

ترعرع أربعة أعضاء من مجموعة "ناس الغيوان" في "الحي المحمدي" الشهير بمدينة الدارالبيضاء، وهم: بوجمعة أحكور الشهير بـ "بوجميع"، وعمر السيد، والعربي باطما، وعلال يعلى، وهو الحي الذي نشأ بعد تأسيس أول المصانع بالمنطقة، واستقرت فيه الأسر الهاربة من ويلات الجفاف، وأصبح معقلاً للحركة الوطنية، ولحركة ثقافية فنية وثقافية، اضطلعت بدور حاسم في تحديد هوية مجموعة "ناس الغيوان" ومسارها الفني.

اشتهر أعضاء مجموعة "ناس الغيوان" في البداية كـ "ممثلين يغنون" في مسرحيات المسرحي المغربي الطيب الصديقي



فيما ترعرع عبد الرحمن قيروش، العنصر الخامس في المجموعة والملقب بـ "باكو"، بمدينة الصويرة، والذي التحق بالمجموعة لتعويض مولاي عبد العزيز الطاهري، عازف "الكنبري" (آلة وترية مغربية تقليدية) المتخصص في الملحون، ليدخل "الهجهوج" ( آلة وترية مغربية تقليدية)  ويضفي سحراً خاصاً على الإيقاعات الغيوانية، التي كانت تهتز لها كل المسارح، والفضاءات المفتوحة، ويتغنى بها العمال قيل الطلبة، وتصدح بأغانيها الأمهات في البيوت قيل الآباء والأبناء.

بدأت قصة "ناس الغيوان" في ستينيات القرن الماضي، وتحديداً في "الحي المحمدي" بالدارالبيضاء، حيث تشبع أعضاء المجموعة بالروح الوطنية السائدة ساعتها، والتآزر والتلاحم، الذي كان سلاحاً  لها ضد الفقر والتهميش، كما تقاسم عناصرها هواية الموسيقى والمسرح، التي ساهمت دار الشباب الحي المحمدي في نشرها على نطاق واسع.

أسس بوجميع، وعمر السيد، وعلال يعلى، وآخرون في عام 1963 فرقة مسرحية أولى حملت اسم "رواد الخشبة"، وقاموا بأداء مجموعة من المسرحيات التي ألف بعضها بوجميع، ذو الصوت الجهوري الجميل، وبعد سنوات لفتت الفرقة انتباه الفنان المسرحي الطيب الصديقي، الذي ضمهم إلى فرقته "مسرح الناس"، وفتح أمامهم أبواب المسرح الاحترافي، فتمرسوا على أصول المسرح على يده، وقدموا عروضهم في المغرب، وقاموا بجولات مسرحية في الجزائر وفرنسا.

وفي تلك الفترة اكتشف بوجميع وباطما بعضهما البعض، ووقفاً على ميولاتهما ومواهبهما، حيث نظما سوياً قصيدة "الصينية"، التي اقتبسها العربي باطما من أغنية للمتسول "با سالم"، لتصبح بعد ذلك أغنية شهيرة لـ"ناس الغيوان"، تغنى بها الفنانون والمجموعات الأخرى بعدهم.

اشتهر أعضاء مجموعة "ناس الغيوان" في البداية كـ "ممثلين يغنون"، وبمساعدة مدير المسرح البلدي علي القادري، تمكنوا من تأسيس المجموعة الغنائية، التي حملت في البداية اسم "الدراويش الجدد"، وهو الاسم الذي تغير بطلب من الطيب الجامعي، الشخص الثالث، الذي ساهم في ولادة المجموعة بعد الطيب الصديقي، وعلي القادري. على اعتبار أن هذا الاسم هو الذي يجسد أكثر من غيره ماهية الفرقة وروحها، حيث يحيل اسم الغيوان على "الناس الكثيري الترحال، الناس المحبين للآخرين، ناس الشارع"، وكذا "ذروة الحب والهيام، واحتدام الشوق والوجدان".

الجمع بين الأصالة والمعاصرة

وأن تكون "غيواني" هو أن تكون صاحب حال، مجذوباً، يمكنه أن ينوب عن الآخرين في التعبير ببساطة عن معاناة الناس والمجتمع عبر الكلمات والحركات، وهذا بالفعل ما قامت به مجموعة "ناس الغيوان"، التي استحوذت على اهتمام الجماهير الواسعة، منذ أولى حفلاتها، وتمكنت من أسر قلوب المغاربة باعتمادها على آلات موسيقية تقليدية، تعود إلى العصور الغابرة، وقصائد قديمة من تراث الملحون، وغيرها من الفنون المغربية العريقة. كما تمكنت المجموعة من لفت انتباه الشباب بشكل "الهيبيزم"، الذي اتخذته، حيث جمعت بين الأصالة والمعاصرة، فوصلت إلى قلوب الناس عبر أغان ذات مضامين احتجاجية، تتحدث عن عيوب المجتمع المغربي ومشاكله، وهمومه، أمثال:"يا صاح" التي استعملها المخرج الأمريكي مارتين سكورسيزي في فيلمه "آخر إغراءات المسيح"، الذي يعرف بحياة النبي عيسى عليه السلام، عام 1988، و"مهمومة"، و"غير خوذوني لله"، و"فين غادي بيا خويا"، و"سبحان الله صيفنا ولا شتوى"، و"ضايعين ضايعين"، "ونترجاك أنا"، و"الهمامي"..، و"حوض النعناع"، ولعشاب"، وأخيراً "النحلة شامة"، التي اقترح العاهل المغربي الراحل الحسن الثاني على "ناس الغيوان" منذ عام 1985، ولكنها لم تر النور إلا عام 2007، وهي قصيدة للحاج التهامي لمدغري، تنقل فيها النحلة "شامة" حقيقة أخبار الرعية للسلطان، على عكس ما ينقله الوزراء له، من أن الأوضاع بخير والناس راضون عنه، حيث قال الملك الراحل لـ "ناس الغيوان"، حسب رواية عمر السيد: "أنتم الذين تغنون عن محن الشعب، لماذا لا تغنون قصيدة النحلة؟".

أسس الغيوان لتراث غنائي تاريخي مغربي قُح، وانغمسوا في هموم ومعاناة شعب مقهور في ظرفية سياسية صعبة من تاريخ المغرب، وشكلوا ظاهرة استثنائية في الغناء الشعبي.



رغم شهرة مجموعة "ناس الغيوان"، وذيوع صيتها في العالم العربي، والعالم فيما بعد، فإن مسارها كان مأساوياً، حيث رحل مجموعة من أعضائها، وعلى رأسهم الفنان بوجميع، الذي توفي عام 1974، والمجموعة ما زالت في بدايتها، وهو ما زال في قمة عطائه، وهي الوفاة التي رافقها الكثير من الغموض، لأن هناك من رأى أنه تعرض للاغتيال، فيما رأى البعض الآخر أنه توفي بسبب جرعات زائدة من المخدرات. وبعده رحل العربي باطما عام 1997 بعد صراع مرير مع المرض، كما توفي في السنوات الأخيرة "باكو"، بعد معاناة عصيبة مع المرض، وبعد إحساس مرير بالندم، لمغادرته لمجموعة "ناس الغيوان"، عام 1993، بسبب خلافات داخلية، ودخول عناصر جديدة في المجموعة.

ورغم ما قيل ويقال عن "ناس الغيوان" فإنها تظل ظاهرة فنية بامتياز، ساهمت في التعريف بالتراث الفني المغربي، وأعادت الاعتبار للعامية المغربية "الدارجة" بموهبة خلاقة، حيث قال عنها الكاتب المغربي اليهودي الراحل إدمون عمران المالح إنها "دارجة فيها العطرية"، أي فيها التوابل.

وكما حدث مع مجموعتي البيتلز، والرولينغ ستون الشهيرتين، فإن الاعتراف بإسهامات وعطاءات "ناس الغيوان"، قد أبعد عن أعضائها صورة المتمردين، التي ألصقتها السلطات لفترة بهم، حيث قرر العاهل المغربي الملك محمد السادس في عام 2007 تكريمهم، وتمكينهم من معاش مدى الحياة، يحميهم من الفاقة، وتم توشيحهم في عام 2010 بمدينة فاس بأوسمة فرسان الفنون والآداب على يد وزير الثقافة الفرنسي السابق فريدريك ميتران، اعترافاً بما قدموه للأغنية المغربية، وتأسيسهم لتراث غنائي تاريخي مغربي قُح، وانغماسهم في هموم ومعاناة شعب مقهور في ظرفية سياسية صعبة من تاريخ المغرب المعاصر في سنوات السبعينيات والثمانينيات من القرن الماضي، ليشكلوا بذلك ظاهرة استثنائية في الغناء الشعبي.

أضف تعليقاً

الاسم
البريد الإلكتروني
* اختياري
عنوان التعليق
التعليق

التعليقات السابقة

لا يوجد تعليقات سابقة. كن أول من يقوم بالتعليق