محمد شكري المشاغب الذي انتهك المحظورات
04 يونيو (حزيران) 2014 11:02 | 1 تعليق | الرباط - سعيدة شريف
محمد شكري - (أرشيفية)

مرت الآن أكثر من عشر سنوات على رحيل الكاتب المغربي المثير للجدل محمد شكري، بينما بقي اسمه حاضراً باستمرار في كل المحافل الثقافية والأدبية داخل المغرب وخارجه.

وظل محمد شكري، رغم الغياب جسدياً، حاضرًا بكتاباته، وجسارته اللغوية التي كسرت كل التابوهات، وأعادت للهامشي معناه وألقه في الكتابة الأدبية، وبالخصوص في سيرته الذاتية "الخبز الحافي" التي كتبت باللغة العربية عام 1972، ونشرت أولاً مترجمة إلى اللغة الإنجليزية من طرف بول بولز عام 1973، تحت عنوان "من أجل الخبز وحده"، وترجمها إلى اللغة الفرنسية الكاتب المغربي الطاهر بن جلون عام 1981، فخلقت للكاتب شهرة على المستوى قبل العربي، لأنها لم تنشر باللغة العربية إلا عام 1982، وتعرضت للمنع في العديد من البلدان العربية، وعلى رأسها المغرب.

ترجمت السيرة الذاتية الشُطارية "الخبز الحافي" إلى أكثر من ثلاثين لغة أجنبية، وتحولت إلى فيلم سينمائي، وأخيرًا إلى عمل مسرحي مع الكاتب المسرحي المغربي، الزبير بن بوشتى، صديق محمد شكري الذي أبى إلا أن يسم مسرحيته بعنوان "رجل الخبز الحافي".

فتحت سيرة "الخبز الحافي" الطريق أمام شكري نحو الشهرة، فترجمت أعماله اللاحقة كلها إلى اللغات الأجنبية، ومنها الجزآن الثاني والثالث من سيرته: "زمن الأخطاء"، و"وجوه"، كما ترجمت أعماله عن الكتاب العالميين: جون جونيه، تينيسي وليامز، وبول بولز، الذي لم يعد شكري في حاجة إليه، بعدما كان يتردد على بيته بطنجة هو ومن لقبوا برواة طنجة: محمد المرابط، والعربي العياشي، وأحمد اليعقوبي، وعبد السلام بولعيش الذين كانوا يروون لبولز قصصهم، ويترجمها هو باللغة الإنجليزية، ما حقق له شهرة واسعة، وأرباحاً لم يطل منها إلا النزر القليل.

ظل اسم محمد شكري حاضراً باستمرار بسبب الخلافات التي عرفتها تركته الأدبية والفنية مع ورثته، والتي لم يكن يسيراً نقلها إلى مؤسسة تحمل اسمه، كما حلم بها في حياته، وأوصى بها أصدقاؤه الخُلص قبل وفاته، ولكنه الحلم الذي استعصى تحقيقه، وظل يؤرق الكاتب حتى في مرقده الأخير، إلى أن أعلن عنها بشكل رسمي في شهر نوفمبر(تشرين الثاني) من السنة الماضية، بمناسبة الذكرى العاشرة لرحيله، وهي المؤسسة التي يرأسها الشاعر والإعلامي المغربي عبد اللطيف بنيحيى، حيث وفر لها المجلس البلدي لمدينة طنجة مقرّاً بشارع المسيرة الخضراء، ورصد لها ميزانية سنوية متواضعة، تقدر بـ 100 ألف درهم مغربي، لدعم مختلف أنشطة المؤسسة.

وإذا كانت هناك من صفة يمكن إطلاقها على مسار الكاتب محمد شكري؛ فهي صفة المفارقات التي بصمت إيقاع حياته وإبداعه، حيث واصل حياته، كما يقول عنه الناقد المغربي حسن بحراوي "إلى الرمق الأخير، وهو يعيش على إيقاع المفارقات، ويخترق القواعد المألوفة في السلوك، والتفكير، والتعبير، منتهكاًالتابوهات الاجتماعية، والمحظورات الأدبية، وعابراً بغير استئذان الردهات المحرمة للمسكوت عنه أخلاقياً وإبداعياً".

بدأ مسار المفارقات هذا لدى الكاتب محمد شكري منذ البداية، منذ لحظات طفولته المنبوذة في قرية آيت شيكر بريف المغرب التي اضطر إلى مغادرتها رفقة أسرته في أربعينيات القرن الماضي، هرباً من المجاعة، والنزوح إلى مدينة طنجة، المدينة القاسية التي عانى فيها طويلاً من الإقصاء والتهميش، والاحتقار بسبب لهجته الريفية، وأصوله غير الشريفة، حيث عمل بها نادل مقهى، وهو دون العاشرة، وحمالاً، وبائعاً للجرائد، وماسح أحذية، وبائعاً للسجائر المهربة.

وتتواصل المفارقات في حياة شكري مع حرمانه من التعليم إلى سن متأخرة (20 سنة)، حيث قضى طفولته ومراهقته في الشوارع، والمقاهي، ودور الدعارة، يخيط الأزقة ويرقع الدروب، ويمارس كل الموبقات الممكنة. غير أن المفارقة الكبرى لديه هو توجهه نحو الكتابة، والأدب بالتحديد، من أجل استعادة الاعتبار، وكسب احترام الآخرين، مثلما هو الشأن مع نموذجه الشاعر الراحل محمد الصباغ الذي أعجب به كثيراً، وحلم أن يصير مثله، يلتف حوله الأدباء والشعراء والقراء.

وتعد قمة المفارقات لدى شكري في تحوله من الأدب المهذب إلى الأدب المتمرد الذي يعيد للهامش اعتباره، ويعري الذات واللغة، حيث ابتعد عن الموضوعات الوطنية والقومية التي شغلت الذين جايلوه من الكتاب، ونزل إلى قاع المجتمع، فاهتم بالمشردين، والمنبوذين، والصعاليك، والعاهرات، وأصبح ناطقاً باسمهم، وكاشفاً عن معاناتهم في مختلف أعماله الروائية والقصصية، مستبدلاً الفضاء المخملي الجميل الذي ألفته الرواية العربية، بالفضاء السفلي الهامشين الذي أثار لدى العديد من النقاد والقراء في بداية صدور أعماله الكثير من الفضول، وكانوا يلصقون أغلب أعماله بشخصه، رغم أن بعضاً من تلك الأعمال حقيقي وسيري، والبعض الآخر تخييلي.

شكل محمد شكري إلى جانب الراحل محمد زفزاف، والقاص إدريس الخوري، قطباً ثلاثياً لكتابة الهامش في المغرب، تمكن فيه زفزاف من تحقيق شهرة عربية، وشكري شهرة عالمية، فيما ظل إدريس الخوري كاتباً "محليا"، يستشيط غضباً كلما أثير هذا الموضوع، وكلما هم البعض بالكتابة عن شكري أو عن زفزاف،رغم أن شكري لم يكن يبحث عن الشهرة والعالمية، كما يقول صديقه الشاعر عبد اللطيف بن يحيى، وكان يعتز بكونه كاتباً "طنجوياً"، نسبة إلى المدينة التي استقبلته، واتخذها مقاماً له، حتى في الوقت الذي غادرتها أسرته في البداية متجهة نحو تطوان.

تحفل نصوص محمد شكري بصور الأشياء اليومية، وتفاصيلها الواقعية، وتمنحها حيزًا شعريًا واسعاً، على عكس النصوص التي تقوم بإعادة صياغة أفكار أو قيم معينة بأنماط شعرية معينة. شخصيات شكري وفضاءات نصوصه ترتبط ارتباطًاً وثيقًا بالمعيش اليومي، ويعتبر شكري العالم الهامشي، أو السفلي قضية للكتابة؛ فكتاباته تكشف للقارئ عوالم مسكوت عنها، كعالم البغايا والسكارى، والمجون والأزقة الهامشية الفقيرة، وتتطرق لموضوعات "محرمة" في الكتابة الأدبية العربية، خاصة في روايته السير ذاتية "الخبز الحافي"، أو "الكتاب الملعون" كما يسميها هو نفسه. 

أسهم محمد شكري، الكاتب المشاغب المعتد بمكانته الأدبية، في تشكيل جزء مهم من الأسطورة الأدبية لمدينة طنجة التي أخلص لها في كتاباته الروائية والقصصية، وفي مقالاته الأدبية بإذاعة البحر الأبيض المتوسط، وأعاد الاعتبار لوجوهها المنسية، وظلمتها، وعالمها الهامشي الذي انتمى إليه في يوم من الأيام، لدرجة أصبح معها هو وحده أسطورة طنجة، ما زال الكثير من سكان المدينة يتذكرونه، ويقرون بأفضاله على الأسوياء والمرضى، والمشردين، وعلى رأسهم خادمته "فتحية" التي اتهم باطلاً من طرف البعض باستغلالها جنسياً، في حين أنه كان يرأف لحالها، وكان قد أوصى لها بمعاش مدى الحياة.

 

أضف تعليقاً

الاسم
البريد الإلكتروني
* اختياري
عنوان التعليق
التعليق

التعليقات السابقة

شكري

كاتب مغربي
06 يونيو (حزيران) 2014 10:40‎

مادة جيدة، تقربنا من الكاتب العالمي محمد شكري.