في الجينيالوجيا
05 يونيو (حزيران) 2014 09:56 | 0 تعليق | عبد السلام بنعبد العالي*
الباحث المغربي عبد السلام بنعبد العالي

لن نقول "علم النسابة" أو "علم النشأة" أو"علم التكوين"، لأن في استطاعتنا أن نؤكد أن الجنيالوجيا، إن كانت تعني شيئاً، فهو أساساً، قيامها ضد المفهوم التكويني التطوري للتاريخ. ورغم أناللفظة تحيل بالفعل في اشتقاقها إلى النشأة والتكوّن، إلا أن التاريخ الجينيالوجي، كماتبَلور عند صاحبه، يكاد يكون رد فعل ضد كل تاريخ تكويني يعتبر أن من شأنمتابعة التطور أن تُمكننا من الوقوف على المحددات. قامتالجينيالوجيا لتثبت أن متابعة التطور لا تفي بالغرض، وأنها تدع الأساسييفلت من قبضتها. وحدها العودة إلى الوراء تمكننا، لا من رصد الهوياتفحسب، بل تسمح لنا بتبيّن الاختلافات، والوقوف على التراتبات.

الجنيالوجيا ليست "علم نسابة" ولا تقصّياً لأصل. لكنها أيضاً ليست تاريخاً تكوينياً تطورياً. إنها أساساً قيام ضد مفهوم الأصل في معناه الميتافيزيقي، ذلك الأصل الذي تضعه الميتافيزيقا دوماً "قبل السقطة وقبل الجسد، قبل العالم وقبل الزمن".

ذلك أن الميتافيزيقا يحلو لها أن تعتقد أن الأشياء في بداياتها كانت كاملة. أما الجنيالوجيا، فإنها ترى أن "وراء الأشياء شيئاً آخر، لكنه ليس الحقيقة الخالدة للأشياء، بل كونها بدون "سر" جوهري.

في هذا الصدد، ينبغي بدءاً أن  نميّز بين مفهومين عن الأصل: أصل ميتافيزيقيّ، هو الذيكرّسته الميتافيزيقا في "بحثها عن الدلالات المثالية والغائيات غيرالمحدّدة"، وآخر يريد أن يكون مضادّاً، وهو بالضبط ما يسعى التاريخالجنيالوجيّ إلى إقامته.

الأصل الأوّل هو أصل "أوّل". إنّه اللحظة الممتازة التي تحدّدت فيهاالخصائص وتعيّنت فيها الهوية، اللحظة التي اتّخذت فيها الأشياء صورتهاالثابتة التي تسبق كلّ ما سيعرض وسيتعاقب، اللحظة التي تكون فيها الأمور قد "تمّت وحصلت"، كي تُحدد أساس كلّ ما سيتمّ ويحصل. إنّه موطن حقيقة الأشياء: أي ما يجعلها ما هي عليه، وما يجعلمعرفتها وإدراك حقيقتها أمراً ممكناً، ما "يؤسّسـ"ها، وما "يؤسّس" معرفتها.

ضدّ هذا الأصل تقوم الجينيالوجيا لتولي عنايتها إلى التاريخ عوض التصديقبالميتافيزيقا، ولتسعى أن تبيّن أنّ الماهيات تتشكّل شيئاً فشيئاً، انطلاقاً من أشياء غريبة عنها،ولتكشف أنّ ما نعثر عليه في البدء ليس "حقيقة" الأشياء، ليس الأصل الذييؤسّس، وليس الهوية التي تحفظ وتصون، وإنما التبعثر والتشتّت.

فبينما يحاول التاريخ الميتافيزيقي أن يذيب الحدث الفريد في حركة مستمرة تصدر عن نقطة -أصل لتتجه نحو غاية بعينها، فإن الجنيالوجيا ترصد الحدث في ما يجعل منه فريداً. ذلك أن ما يقوم به التاريخ التطوري هو وقوف عند حالة بعينها، عند تأويل معين ليضفي عليه صفة الغاية والهدف، فيغدو هو معنى التاريخ واتجاهه. ولن يعود التاريخ إلا انتشاراً لذلك الأصل- الغاية. أما الجنيالوجيا، فإن لم تكن إثباتاً لأصل مطلق صدرت عنه الأشياء، ولا وقوفاً عند غاية بعينها، فذلك لأنها محاولة لإعادة تأويل غير منقطعة؛ فهي ليست بحثاً عن معنى أول، وإنما إثبات للأولويات والأسبقيات التي أعطيت لمعنى على آخر. الجينيالوجيا إذ تقف عند الأصول، فلتفضحها وتثبت أنها فروع، ولتنظر إليها من حيث هي منطبقة مع الحركة التي تظهر الأشياء في الواقع عندما تعطيها معنى وقيمة.

نعلم أن صاحب الجينيالوجيا يميز في هذا المفهوم بين مستويات ثلاثة:  تحليل مشخص للأعراض، تصبح الجينيالوجيا بفضله سيميولوجيا تؤوّل العلاماتوالدلائل تبعاً للقوى الثاوية من ورائها. وهذا ما يطلق عليه سمبتوماتولوجيا  .ثم إن الجينيالوجيا نوع من النمذجة typologie يؤوّل القوى انطلاقاً من اعتبارها مجرد كيفيات فاعلة أو منفعلة.  وأخيراً تعود الجينيالوجيا بتلك الأعراض والنماذج إلى أصول تفاضلية؛ أي إلى أصول تؤسس تاريخ التراتبات القيمية وتحدد كيفيات ظهورها.

وهكذا لا تكتفي الجينيالوجيا بالوقوف عند النشأة، وهي لا تقتصر علىالوصف، وإنما تتساءل كيف تظهر التفاضلات والتفاوتات وكيف تزول وتختفي؟ كيفتتناوب القوى على المعاني وكيف تتملكها؟لا تكتفي الجينيالوجيا برصد نشأة الهويات، وإنما تنشغل بمتابعة كيفيةتولّد القيم، تلك الكيفية التي تتوقف على العنصر التفاضلي الذي يقسم العالمبموضوعاته ورموزه إلى تعارضات متفاوتة.ما إن يسمع الجينيالوجي الحديث عن المعاني والقيم حتى يأخذ في البحث عناستراتيجيات الهيمنة والتسلط. إنه لا يرى في ذلك إلا لعبة إرادات. إلا أنهذه اللعبة ليست تطوراً تقدمياً لعقل كوني، وإنما هي لعبة خاضعة لصدف الصراع.لن يعود فهم التاريخ، والحالة هذه، رصد منطقه الكلي، وتحديد الغاية التييسير نحوها. لن يعود متابعةً لتكوّن المعنى، وإنما وضع اليد على مجموعة منالقواعد التي لا تتمتع بأية دلالة مطلقة بهدف "فضح العملية التي يتم وفقهاخلق المثل العليا". ذلك أن همّ الجينيالوجي ليس تاريخ الحقيقة، وسؤاله، كمابين دولوز، ليس من وما هو الصادق، وإنما من وما يوجد وراء حقيقة الأشياءومن يعطيها قيمتها؟

فإن كان التأويل هو إبراز معنى "أصلي"، فإن الميتافيزيقا وحدها هي الكفيلة بأن تفسر مصير الإنسانية. ولكن إن كان التأويل أقرب إلى الأولوية منه إلى المعنى الأول، فهو سيعني أن نضع أيدينا على مجموعة من القواعد التي لا تتمتع بأية دلالة جوهرية كي نوجهها وجهة معينة، وندخلها ضمن آلية أخرى، وقواعد مغايرة. وحينئذ سيكون مصير البشرية سلسلة متحولة متقلبة من التأويلات، وتكون الجنيالوجيا تاريخ ذلك المصير. وإن كان هذا المصير متقلباً متحولاً، فلأنه يطبع بالصراع والسيطرة. لذا، فإن الجنيالوجي لا يخوض مشروع بحث سلمي عن المعنى، وإنما معارك وحروباً تأويلية، وهو ما إن يسمع الحديث عن المعنى، حتى يأخذ في البحث عن استراتيجيات الهيمنة؛ فهو يرى التاريخ من حيث كونه "حلبة صراع". إنه لا يرى فيه إلا قوة وتسلطاً. فليس التاريخ عنده تقدما لعقل كوني، وإنما لعبة انتقال لا يكل من سيطرة إلى أخرى.

 

*باحث مغربي

 

أضف تعليقاً

الاسم
البريد الإلكتروني
* اختياري
عنوان التعليق
التعليق

التعليقات السابقة

لا يوجد تعليقات سابقة. كن أول من يقوم بالتعليق