سيمون دي بوفوار: الوجودية في صيغة المؤنث
14 مايو (أيار) 2014 14:57 | 0 تعليق |
سيمون دي بوفوار - (أرشيفية)
الرباط - نزهة صادق

كانت "وجودية"، آمنت بأن الوجود يسبق الماهية، وأن المرأة "الشخص" لا تولد امرأة، وإنما هي تصبح كذلك. فتحت عليها دراساتها العميقة للنوع الاجتماعي أبواب جهنم، فحرمت الكنيسة كتبها، ونعتها الشيوعيون بالانهزامية، ودعت إلى الوجودية النسوية، مؤثرةً ومتأثرة برفيق دربها جان بول سارتر.

إنها سيمون دي بوفوار(Simone de Beauvoir)إحدى أبرز الأعلام المؤسسين للفلسفة النسوية (féminisme)، التي لا يمكن الحديث عن الحركة النسوية بدون أن نقف عندها، إنها المرأة التي بذلت ما وسعها من أجل تقديم إجابات شافية عن سؤال: كيف بنى العقل البشري فكرة النوع؟ وكشفت عما أسمته بالهزائم الكبرى للمرأة في تاريخ البشرية.

فمن تكون إذن هذه الوجودية التي تدعى سيمون دي بوفوار؟ وما هي البدايات الفعلية لنشأة فكرها وفلسفتها؟ وما هي أهم الكتب التي تجلت فيها حساسياتها الفكرية وتعبيرها عن كيان المرأة؟

صحيح أنها شخصية أثارت الكثير من الجدل حول حياتها وكتبها وآرائها وعلاقاتها الإنسانية، وخاصة علاقتها بالفيلسوف الفرنسي سارتر، لكنها كانت امرأة أصيلة لا تشبه إلا نفسها، عاشت مثلما كانت تفكر، وكانت هي من صنع حياتها وأعطاها أشكالاً انبثقت من إيمانها وإدراكاتها، فأبدعت فلسفةً يمكننا تسميتها بالفلسفة                      "البوفوارية " حاولت من خلالها، وفي جملة ما تركت من أعمال أدبية، أن تقدم سيكولوجية المرأة إلى عالم الرجال، وحضور الرجال في عالم النساء.

حفرت دي بوفوار في مجموع الموروثات الثقافية التي شكلت مفهوم الأنثى في العقل الأوروبي الكلاسيكي، وتناولت النقد الخلاق لأطروحات الكتاب المقدس حول المرأة، مستندةً في الجوهر إلى فحوى النص التوراتي الذي يرجح كفة الاعتراف بالتفوق الذكوري كأساس قديم وراسخ قدم الوجود ورسوخه. ودرست النوع استناداً إلى مرتكزات علم التاريخ وكتابات انجلز العتيدة حول قضية المرأة، الذي شدد على أن الهزيمة الأولى التي لحقت بالمرأة جاءت عندما أسقط البشر حق الأمومة، أي عند انتهاء الجينيكوقراطية. غير أنها، أيضاً، بحثت في سبل أخرى غير تلك السبل الاقتصادية التي تعمق انجلز في دراستها، لتتبين العوامل التي سيطرت على تعرجات العقل الأوروبي وانعطافاته إلى ما بعد الحرب الثانية والعواصف الفكرية التي مر بها ذلك العقل بعد ذلك.

يعدّ كتابها الشهير "الجنس الثاني"، الصادر سنة 1949، الدستور المؤسس للحركة النسوية في العالم، وفيه ذهبت دي بوفوار إلى أن الرجل يمارس على المرأة سطوة عاطفية، وهو ما جعلها تعاني من اضطهاد عميق، لأنها في النهاية قبِلت بتحوّل الرجل من إنسان واقعي إلى رمز شبيه بالآلهة. واعتقدت أن المرأة لا تولد امرأة لانعدام قدر بيولوجي أو نفسي أو اقتصادي يقضي بتحديد شخصية المرء كأنثى في المجتمع، فالأنثى تتشكل انطلاقاً من مفهوم السلطة التي وضعت ملامحها وحدُودها السلطة الاقتصادية عبر العصور والحضارة في أبجديتها.

أثار طرحها هذا جدلاً كبيراً، وانقسمت النخبة المثقفة في فرنسا، آنذاك، إلى مؤيد ورافض ومشكك. وتعرضت للهجوم، وخاصة ما تطرقت له في فصل الأمومة الذي دعت فيه المرأة إلى التعايش مع الحب والأمومة بشكل حر، وهو ما دفع الكثيرين إلى التصريح بعدم أحقيتها في الكلام عن الأمومة، لأنها لم تكن يوماً أماً ولم تنجب.

تساءلت عن هوية المرأة، وأكدت أنها هوية مستلبة، وأنها من صنع الرجل، واستنتجت أن تحرر المرأة مرتبط بمدى استعدادها وقدرتها على تغيير الصورة النمطية التي صنعها الرجل لها، وعززت الاعتقاد بأن على المرأة أن تتعرف على خصائصها الجسدية والنفسية، بعيداً عن الموروث الثقافي الذي يشكل سلباً لحيواتها اللاواعية.

في سنة 1954، وبعد نهاية الحرب العالمية الثانية بعقد من الزمان ، نشرت دي بوفوارروايتها الشهيرة "المثقفون" ( Les Mandarins )، التي حازت على أبرز الجوائز الأدبية في فرنسا، كجائزة "الغونكور"، ثم توالت كتاباتها التي شغلت الأوساط الثقافية، الفرنسية والأوروبية: "مذكرات فتاة وديعة"، و"حين تأتي الأشياء الروحية أولاً"، و"المدعوة"، و"الصور الجميلة"...

سيمون دي بوفوار، امرأة ، وفيلسوفة، وأديبة ، نقش اسمها في الدراسات النسوية ، وقدمت فلسفة ارتبطت في حساسيتها الفكرية والروحية بتجربتها المعيشة، وبالرجل الذي ارتبطت به، سارتر، مدركة بذلك أن "المرأة هي كل ما ينشده الرجل وهي كل مالا يدركه".

وبعد عمر طويل حافل بالعطاءات الفكرية والأدبية، رحلت دي بوفوار عن سن 87 عاماً، بعد معاناة طويلة من الالتهاب الرئوي في باريس، لتدفن إلى جانب سارتر في المدينة نفسها، وكان تأثيرها ملهماً لكثير من العلماء والمفكرين، وخاصة إليزابيت بادنتر، التي برزت بدراستها عن الهوية والجنس، وهي التي قالت في حقها عبارتها الشهيرة :"يا نساء العالم، أنتن مدينات بكل شيء لسيمون".

أضف تعليقاً

الاسم
البريد الإلكتروني
* اختياري
عنوان التعليق
التعليق

التعليقات السابقة

لا يوجد تعليقات سابقة. كن أول من يقوم بالتعليق