إدوارد سعيد: رائد دراسات ما بعد الاستعمار
15 ديسمبر 2014 | 1 تعليق
إدوارد سعيد -(أرشيفية)
إدوارد وديع سعيد، أديب ومفكر فلسطيني كبير، ارتبط اسمه بمؤلفه المهم "الاستشراق" الصادر عام 1978، الذي قصد بإنجازه "أن يصبح جزءاً من تيار فكري قائم بالفعل، ويهدف إلى تحرير المثقفين من أصفاد بعض المذاهب، مثل الاستشراق"؛ أي أنه أراد أن يفيد القراء، كما قال، بمحتويات كتابه في "إجراء دراسات جديدة خاصة بهم تلقي الضوء على الخبرة التاريخية للعرب وغيرهم بمنهج سمح يزيد من طاقاتهم".
من مواليد مدينة القدس، عام 1935، عاش قسطا من حياته في مصر ولبنان قبل أن يستقر في الولايات المتحدة الأمريكية، ويحمل جنسيتها وينخرط في سلك التدريس في نظامها التعليمي كمدرس للغة الإنجليزية والأدب المقارن في جامعة كولومبيا في نيويورك إلى أن وافته المنية سنة 2003.
يلخص سعيد فكرته في كتاب الاستشراق في "استخدام النقد الإنساني لتمهيد السبيل إلى مجالات جدية من الصراع وتقديم تسلسل أطول من التفكير والتحليل، نستبدل به تلك النوبات القصيرة من الغضب الجدلي المانع للفكر الذي يحبسنا داخله". ويقول إنه سمى ما يحاول القيام به ب "الأنسنة"، رغم تعرض هذا المصطلح للاحتقار من طرف "ناقدي ما بعد الحداثة"، ويوضح مقصوده منها بأنها تعني أولا "كل المحاولات لحل القيود الفكرية المطروقة"، حتى "نستطيع استخدام عقولنا تاريخياً ومنطقياً بغرض الفهم التأملي".
أدى كتاب الاستشراق، بحسب منى أباظة، إلى انبثاق "حركة واسعة النطاق في مجموعة من المجالات، منها دراسات الجندر وما بعد الكولونيالية والدراسات الثقافية والأدبية، وبصفة أكثر عمومية في مجالات السينما والتصوير الفوتوغرافي والرسم". ففرضية سعيد أثارت، بحسبها، "الانتباه والإعجاب والنقد أيضا"، وقد "تم الاختلاف حولها بشدة وتبنيها أو التبرؤ منها"، كما تم "الاقتباس منها مطولا وفهمها أو إساءة فهمها، وتبسيطها وتأويلها على عدة أوجه، حتى أصبحت مهمة تغطية أثر الاستشراق على دراسة النساء والثقافات الإسلامية أبعد ما تكون عن البساطة".
الاستشراق والشرق
يعرف سعيد الاستشراق بأنه "التفاهم مع الشرق بأسلوب قائم على المكانة الخاصة التي يشغلها هذا الشرق في الخبرة الأوربية الغربية"، كما أنه "أسلوب تفكير يقوم على التمييز الوجودي والمعرفي" بين "الشرق" و"الغرب"، واعتبر أيسر التعريفات المقبولة للاستشراق تقديمه على أنه "مبحث أكاديمي"، وأن المستشرق هو "كل من يعمل بالتدريس أو الكتابة أو إجراء البحوث في موضوعات خاصة بالشرق". كما أشار في كتابه الذائع الصيت إلى ضمور مصطلح الاستشراق، إذ "لم يعد يتمتع بالحظوة القديمة" مقابل الاستخدام المفضل بتزايد لدى المتخصصين ل"مصطلح الدراسات الشرقية ودراسات المناطق".
أما الشرق، موضوع الاستشراق، فهو ليس مجرد جار لأوروبا، بل أيضا "موقع أعظم وأغنى وأقدم المستعمرات الأوربية"، كما أنه "مصدر حضارتها ولغاتها، ومنافسها الثقافي، وهو يمثل صورة من أعمق صور الآخر وأكثرها تواتراً لدى الأوربيين"، كما يرى في الشرق عاملا مساعداً للغرب على تحديد صورته، "باعتباره الصورة المضادة، والفكرة والشخصية والخبرة المضادة".
ويؤكد سعيد على قوة الارتباط الفرنسي- البريطاني بالشرق وتميزه إلى غاية بزوغ نجم الولايات المتحدة الأمريكية بعد الحرب العالمية الثانية؛ فالحديث عن الاستشراق بالنسبة إليه يعني الحديث بشكل أساسي "عن المشروع الثقافي البريطاني والفرنسي"، وهو مشروع متفاوت الأبعاد "يشمل الهند بأكملها وبلاد الشام، ونصوص الكتاب المقدس وما ورد ذكره فيها من أرض، وتجارة التوابل، والجيوش الاستعمارية والتقاليد المديدة التي أرساها المديرون الاستعماريون، والمناهج والمواد الدراسية، وأعداداً لا تحصى من "خبراء" الشرق و"العاملين" به،...."؛ لذلك نجده ينظر إلى نشأة الاستشراق، باعتباره نتيجة للتقارب بين فرنسا وبريطانيا من جهة والشرق من جهة أخرى، حيث كان هذا الأخير ينحصر معناه الفعلي في "الهند والأراضي المذكورة في الكتاب المقدس"، غير أن تراجع نفوذ فرنسا وبريطانيا في الشرق مقابل بزوغ قوة الولايات المتحدة الأمريكية أدى إلى انتقال مركز الاهتمام بالشرق إلى أمريكا ومن تم مراكمة الدراسات الاستشراقية التي تبنت الرؤية السائدة في فرنسا وبريطانيا.
الاستشراق: المنهج والتاريخ
يعتبر كتاب "الاستشراق" لإدوارد سعيد "كتاباً في المنهج"، كما يقول مترجمه محمد عناني، لأنه "بحث نقدي يقوم على أسس فكرية صلبة، من دعائمها تبيان خداع بعض ما يكتسي المظهر العلمي، وهو في حقيقته عنصري، مثل إطلاق صفة "الشرقي" على كل ما يرى فيه أبناء الغرب اختلافاً عن الحضارة الغربية". فإدوارد سعيد ينفي صفة "العلمية" عن النظرة الغربية للشرق، ويحللها سيكولوجيا بواسطة الخوف الدفين، مما يطلق عليه الغرب اسم "الشرقي"، ويعتبره خوف مركب، لأنه "يضم بقايا إحساس أبناء أوروبا بالجهل" من جهة و"بقايا خوف أوروبا من تهديد "الشرق" الذي كان يتمثل يوماً ما في الدولة العثمانية" من جهة أخرى.
ويضيف محمد عناني أن سعيد، في بنائه لمنهجه الخاص، لا يركز على النظرية البنيوية، بل يستفيذ منها، فهو "يبني منهجه على التعارض والتكامل معاً بين ما أصبح يسمى بالوعي و"الوعي الغاصب" بمعنى أن وعي الفرد بذاته لا يتحقق إلا من خلال التعارض بين الذات والآخر، لكن لا يتخذ صورته الكاملة إلا عن طريق "التكامل" مع هذا الآخر الذي يفرض نفسه عليه"، كما يرتبط منهج سعيد، حسب عناني دائماً، ب"الظاهراتية" أو الفينومينولوجيا الذي أسسه إدموند هوسيرل ومارتن هايدجر، التي تصر على "أن القصد أو العمد أساس كل وعي إنساني، وأن الوعي لا يتحقق إلا بوجود هذا القصد أو العمد، وإدوارد سعيد يتوسل بهذه الفكرة في الاستشراق عندما يعرض لمواجهة الوعي الغربي مع الآخر؛ أي الشرق".
كما يميز أسعد الحسين منهج إدوارد سعيد عن منهج حسين مروة في كتابه "النزعات المادية في الفلسفة العربية – الإسلامية" حول الاستشراق"، إذ قاده المنهج الماركسي إلى اعتبار الاستشراق "كبديل أيديولوجي للاستعمار"، معلنا معارضته لتيارات الاستشراق الثلاثة سواء الذي "يمجد العرق الآري-الغربي على غيره" أو الذي يقر ب"مركزية الفلسفة في الغرب" أو الاتجاه الثالث الذي يهتم بالجوانب "المظلمة والغيبية مثل التصوف والدروشة"، وتبنى في المقابل منهجا يقوم على "الأممية بدلا من العنصرية، ومركزية العالم بدلا من المركزية الأوربية والتمسك بالعقلاني ضد الروحاني".
أما إدوارد سعيد، بحسب أسعد الحسين، فقد حركه العداء الغربي ضد العرب للكتابة حول الاستشراق، وهو ما كشف عنه بالقول أن ما كان "ينشر في الإعلام الأمريكي عن الشرق الأوسط بعد عام 1973 هو الذي دفعني إلى فكرة كتاب الاستشراق كما جاءت الحرب الأهلية اللبنانية عام 1974 لتزيد تصميمي على ذلك"، فجاءت أفكاره حول الاستشراق لترتدي ثوب المناضل القومي ضد السياسة الاستعمارية الغربية الجديدة، وما تضمره من مخططات الهيمنة والتقسيم وكذا حقلا لرسم محددات الهوية، خصوصا وأنه عايش تجربة اللجوء سنة 1948 عقب النكبة، فجعل من مهامه فضح الأهداف الخفية للدراسات الغربية حول العرب والإسلام. فالمستشرق بحسبه، يحاول "احتواء" هذا الآخر، الذي هو الشرق، باعتباره فرعاً منه، تماماً كما اعتبر بعض المستشرقين أن الإسلام صورة "منحرفة من صورة المسيحية، وبهذا ضموه إلى الوعي الغربي".
الصراع في الشرق الاوسط
آمن إدوارد سعيد، كما يقول أسعد الحسين، بـ"الدولة الديمقراطية الفلسطينية الواحدة التي يعيش فيها المسلم والمسيحي واليهودي على قدم المساواة كحل لقضية فلسطين"، فوضع حدا للصراع العربي- الإسرائيلي يمر برأيه عبر الاعتراف لإسرائيل بحق الوجود مقتفياً أثر نيلسون مانديلا في رسم سياسته إزاء نظام الميز العنصري في جنوب إفريقيا وإقامة دولة في مجتمع متعدد. فاقتنع بحتمية "النضال السلمي وطاولة المفاوضات وتعبئة الرأي العام العالمي لمناصرة الحق العربي والتعاون مع ناشطي السلام الإسرائيليين، ونبذ العمليات التفجيرية الانتحارية"، فكان موقفه منسجماً مع منطلقات تفكيره في رفضه التنكر لمحرقة اليهود في الهولوكوست كما ذهب إلى ذلك روجي غارودي.
غير أن هذا لم يمنعه من إبداء قلقه من تطور النظرة الغربية إلى العالم العربي، وهو بالرغم من ذلك يقر بأفضلية الوضع في أوروبا بكثير عما هو عليه في الولايات المتحدة، حيث يسود في هذا البلد "تصلب المواقف وتشديد قبضة التعميم المهين وكليشهات النصر الفارغة وهيمنة السلطة الفجة التي تحالفت لازدراء المنشقين"، مما أدى "إلى تأسيس واقعاً مناسباً لنهب وتدمير مكتبات العراق ومتاحفه". فهذه النظرة الاحتقارية هي التي تبرر لدى كبار المسؤولين في واشنطن وغيرها الحديث "عن تغيير خارطة الشرق الاوسط" كما لو أن المجتمعات العريقة وبقية شعوب العالم "يمكن هزهم مثل حبات من الفول السوداني في مطربان". فهذا يحدث كثيراً –يقول سعيد- مع الشرق، الذي يمثل بالنسبة للغرب "ذلك المركب شبه الأسطوري الذي رسم وأعيد رسمه مرات لا تحصى منذ غزو نابليون لمصر في أواخر القرن الثامن عشر"، إذ في خضم هذه الترسبات التاريخية تم إقصاء وتجاهل تواريخ شعوب وتنوعها، فتحولت لغاتها وخبراتها وثقافاتها "إلى كوم رمال وشظايا تافهة كالكنوز الأرضية".
التعليقات السابقة
مفكر عابر للثقافات
سامي عبد العال25 ديسمبر 2014
جاء بصدر المقال أنَّ إدوارد سعيد" أديب ومفكر فلسطيني كبير". هل حقاً- أقول ثقافياً وفكرياً- ينتسب سعيد إلى المجال العربي؟! لا تخفى على قارئ نبرةُ المباهاة التي توجد بهذا الكلام. وأَعْتّبرها نوعاً من رفع الروح المعنوية للفلسطينيين والعرب. وهذا يذكرني بالمثل الشعبي" القرعة تتباهى بشعْر بنت أختها". أي المفاخرة بسعيد كرجلٍ شارك في تيارات الفكر العالمي لا أقول الغربي. وطُرّح الكلام السابقُ حتى لا نكون "ظاهرة صفريةً" بين الشعوب. وبهذه المناسبة (الحق يُقال) مع تأثُر سعيد بفلسفة ميشل فوكو وأنطونيو جرامشي واتجاهات التحليل النفسي إلا أنَّه تمكن من تطبيق أفكاره بذكاء على صورة الشرق في الرواية الغربيةِ.
لكن القضية ليست هنا إنما القضية: ماذا لو بقي إدوارد سعيد بالعالم العربي حتى يستقيم الفخر مع المنشأ؟ هل كنا سنقرأ هذا التحليل المنهجي النافذ للاستشراق؟ هل كانَ سينال بعضاً من الاهتمام مقدارَ ما أسهم؟ كم دراسة صدرت في الجامعات العربية عن الاستشراق ولم تترك أثراً؟!
أولاً: لو ظل سعيد بالعالم العربي، لكنا قد خسرنا مفكراً مع سبق الاصرار والترصد. طبعاً الجهل والفشل الفكري هما اللذان سيترصدان به وسيحيطانه بطباقٍ من غياب الوعي لا أقول حتى المعرفة. لأنَّ الجهلَ داخل جامعاتنا كما يقول محمد أركون أصبح مؤسسياً. لقد بُنيت قواعد وأرشيفات وعلاقات على الجهل. فكيف له النظر من تلك الشرنقة تلو الشرنقة. واُشير هنا إلى احساسي حين أقرأ سعيد أنَّه يمتلك عقلاً نوعياً في النقد والكشف والتحليل. عقل يقف على أنقاض المحددات التي مازالت تهيمن على الحياة العربية. كما يمتلك مهارة خاصة في عبور الحواجز الثقافية وفهم الآخر من منابعه. لقد تشبع بروح المغامرة وابداع الطرح وجرأة الأسئلة. بينما مازلنا في عالمنا العربي الميمون نخاف من النقد ونتهرب من الانكشاف وندفن رؤوسنا وراء الغمام كما فعل جحا حين أخفى نقودَّه تحت السحاب.
ولهذا كشف سعيد طبيعةَ الرؤية الغربية للآخر. أبرز كيف كان الاستشراق الغربي محتقِراً للشرق وناهباً لرأسمالِّه الرمزي. إنَّه مفكر عابر للثقافات بأدوات الغرب ذاتها ليس إلاَّ. عاش هناك واستعمل ثقافة الغرب في طرح مشكلاته التي صدرها للشرق.
ثانياً: هناك عدد ليس بالقليل من الدراسات العربية حول الاستشراق. لكن المؤكد أنها لم تقترب من منهج إدوارد سعيد. لم تطرح القضية بنفس الرؤية ولا بشيءٍ مماثل. ليس بسبب الاختلاف حول الاستشراق كظاهرة جيو استعمارية. إنما لأنَّ الخيال الثقافي في العالم العربي شوّه فكرةَ المنهج. فغدا انحيازاً مسبقاً واصبح تدبيجاً لقناعات شخصيةٍ. على سبيل المثال هناك أيديولوجيون(قوميون واسلاميون) يعتبرون المستشرقين عملاء للمخابرات الغربية، بل هم أصل البلاء والشقاء في العالم الإسلامي. وأخذوا يصبوا اللعنات عليهم في غير مناسبةٍ. هم يفعلون ذلك دون تحليل ولا رؤية إنما بسيل جارف من "القدْح والردْح". أين المنهج المعرفي كما فعل سعيد؟! أين التحليل التاريخي؟! إضافةً إلى ذلك هناك من تتلمذ على أيدي المستشرقين مهللاً ومكبراً لفتوحاتهم الفكرية دونما تمحيص، واعتبرهم مساهمين في تنوير العالم العربي بتاريخه. ثم اكتفى التلاميذ باقتفاء أثر المستشرقين ولم يحاولوا ابداع أدوات وقراءاتٍ فكرية لهم. وبخلاف هؤلاء وأولئك وقف البعضُ لدى نقل تراث المستشرقين فقط بشكلٍ سلبي(بين التلمذة والذُهول). كأن نصوص الاستشراق ومناهجه مواد معدنية لا صلة لها بالفكر.
ثالثاً: هناك تجاهل معرفي لأعمال إدوار سعيد في البيئة العربية. فقط أقسام اللغات تطرحه كمادة بحثية من حينٍ لأخر. أما في الفضاء الفكري العام فنادراً ما تُناقش أطروحاته، ونادراً ما يقرأه الجمهور العادي. حتى المتخصصين يعتبرونّه معقداً وغيرَ مفهومٍ. وهذا ما قاله محمد عناني في مقدمة ترجمته لكتاب الاستشراق. ولا يخفى علينا ترجمة كمال أبو ديب لذات الكتاب من جهة عباراتها الغامضة والصعبة.
ألّم يُظهِر فكر إدوارد سعيد تلك المواقف السلبية؟ إذن تقتضي المباهاة بمن ليس من انتاجنا إشارةً – ولو سريعاً- إلى عدم مواكبتنا لمناهج الفكر العالمي وكيف نواكبها. إنَّ اسهام ادوارد سعيد أوضح كم نحن عاجزين عن الدفاع عن قضايانا. ومن سخرية التاريخ خروج مفكر من العرب ليدافع عن الشرق ضد من يعيش بينهم. فوجوده في الغرب كمفكر يطرح علينا مصيرنا: لماذا لم نوفر مُناخاً ثقافياً للإبداع؟!!
أضف تعليقاًً
* اختياري





