جاك دريدا: الفيلسوف ورائد تفكيك التمركزات
30 يناير 2015 | 0 تعليق
جاك دريدا -(أرشيفية)
يُعد جاك دريدا من أبرز فلاسفة فرنسا المعاصرين وأكثرهم شهرة على الصعيد العالمي، ارتبط اسمه ب"التفكيكية" (déconstruction) التي اعتبرها "س. رافيندران"، حسب نص مُعرّب، "أهم حركة ما بعد بنيوية في النقد الأدبي فضلاً عن كونها الحركة الأكثر إثارة للجدل أيضاً"، لدرجة أنه "لم يخل أي مركز فكري في أوروبا وأمريكا من الجدل في قيمة هذه النظرية الجديدة في النقد".
وقد عكف دريدا على تفصيل أطروحته حول التفكيك في عدد من كتبه، بدءا من كتاب "أصل علم الهندسة" عام 1962، الذي هو عبارة عن نص مترجم لهوسرل، وما تلاها من كتب مهمة خصوصا "الكتابة والاختلاف"، "الصوت والظاهرة"، "أحادية الآخر اللغوية"، "الانتشار"،"استراتيجية تفكيك الميتافيزيقا"، وغيرها.
وتعتبر فلسلفة دريدا حصيلة تفاعلات فكرية صاغها صاحبها للتعبير عن حاجة الإنسان في مرحلة ما بعد الحداثة، غير أن موقفه يبقى غامضا ومثيراُ للالتباس، لدى الكثير من الباحثين، من الفكر ما بعد حداثي، سيما ما عرف عنه من "العدمية" بحسب رضوان جودت زيادة الذي سجل بهذا الخصوص أن "البعض يضع فلسفته التفكيكية في صلب الفلسفة ما بعد الحداثية، في حين ينظر الآخرون إلى ما بعد الحداثة بوصفها موقعاً متقدّماً من التفكيك"، ومرجع الخلاف بين الموقفين والمعيار فيه يتجسد على مستوى تمثل الحداثة نفسها، "بحسب عدميتها وعبثيتها"، إلا أن قراءة دريدا بوصفه مفكراً ما بعد حداثياً، يضيف الكاتب السوري، "يخالف ويضاد نظرة دريدا نفسه لمنهجه ولفلسفته، والذي طالما أصر على ابتعاد فكره عن تيار ما بعد الحداثة، لكن ذلك كله لا ينفي "أبوته" لهذا التيار و"تزعمه" الروحي له إذا صح التعبير؛ ففلسفة الاختلاف التي يدعو إليها مع دولوز تقترب من منطلقات الفكر ما بعد الحداثي وتتضح معه".
وقد رصد عبد الوهاب المسيري، في موسوعته المهمة "اليهود واليهودية"، مصادر التأثير في فكر دريدا محددا إياها في فلسفة نيتشه ووجودية سارتر وهيدجر وبنيوية ليفي شتراوس وهيجلية جان هيبـوليت وفرويدية جاك لاكان، كما خضع لتأثير المفكر الديني اليهودي الفرنسي إيمانويل ليفيناس ولويس ألتوسير وميشيل فوكوه، الذي يعد أحد "أهم استمرار لفلسفة القوة النيتشوية وأحد كبار فلاسفة التفكيك وما بعد الحداثة".
ولد دريدا في الجزائر يوم 15 يوليوز (تموز) 1930، وفيها قضى قرابة عقدين من عمره، حيث هجرها سنة 1949 بمناسبة انخراطه في الخدمة العسكرية. غير أنه استغرق معظم حياته باحثا وكاتبا ومحاضرا إلى أن توفي سنة 2004 عن عمر ناهز أربع وسبعبن سنة، استقبلته خلالها كبريات الجامعات والمعاهد العلمية الدولية في فرنسا وإنجلترا وأمريكا... حتى تحول فكره إلى حقل للدراسة والبحث في أكثر من تخصص، وبلغت شهرته الآفاق ليس فقط بصفته فيلسوفا أو مؤرخا أو مفكرا، بل أيضاً بحسب، سيار الجميل، لكونه "ناقدا غدت له مهاراته الذكية جدا قبل أفكاره النقدية النظرية التي نجح في تسويقها تطبيقيا بنفسه من خلال مقارباته ومدلولاته المتنوعة، والتي جعلها منسجمة مع طبيعة هذا العصر الذي نعايشه بكل ألوانه وتعقيداته السريالية التي استفاد منها كثيرا في جميع مخلوقاته النقدية، وهي منتجات المشروع الذي تبنى نشره في الأوساط العالمية التي أعجبت بعض نخبها الأدبية والفكرية ليس بأفكار دريدا أو خطابه فحسب، بل بتطبيقاته التي تحتشد فيها ركامات من الدلالات القوية التي وصفت بكونها عذراء بكر لم يلمسها أحد من قبل !!"
وفكر دريدا بحسب، كاظم جهاد، عرف انطلاقته خصوصاً "بعيد استقلال أغلب بلدان العالم الثالث"، حيث دشن ولادة للفكر الما بعد استعماري "الذي سيكشف، بقوة الأشياء، عن كونه تفكيكاً للآثار الدائمة للاستعمار".
وعلى الرغم من أهمية دريدا في عالم الفكر المعاصر والشهرة ذائعة الصيت التي نالها التفكيك، فإن أعماله لازالت غريبة عن المكتبات العربية، وقد رد ذلك معمر عطوي إلى صعوبة نصوصه، بقوله إن "نصوصه الصعبة جعلت مكتبتنا العربية تفتقد إلى العديد من جواهر هذا الرجل الذي ابتكر التفكيك في قراءة النصوص، وبات يعرف بفيلسوف التفكيك، فظل حكرا على أروقة الفلسفة والمشتغلين بها على مستويات أكاديمية وفكرية عليا".
معنى التفكيك
التفكيكية التي تستند إلى نصوص فلسفية كلاسيكية، تتحدث بحسب البعض- عن استقلالية المحتوى النصي الذي قد "لا يفهمه كاتب النص نفسه"، كما تعتبر "الاحتمالات التأويلية للنصوص، والتي قد يفهمها كل شخص بمفرده تدخل ضمن سياق المقاصد الأخرى للنص اللغوي"، وهذا يعنى "تفكيك المعنى الواحد إلى المتعدد المتفكك".
ويقول عز الدين الخطابي: "إن التفكيك، حسب دريدا، ليس منهجاً ولا يمكن تحويله إلى منهج"، وهذا ما تسبب في تفجير سجال في الأوساط الأكاديمية والثقافية الغربية عبر "التساؤل: هل يمكن للتفكيك أن يتحول إلى منهج للقراءة والتأويل؟ وهل هو قابل للاحتواء والتدجين من طرف المؤسسات الأكاديمية؟" كما أضاف الخطابي في معرض شرحه للتفكيك عند دريدا، أنه "لا يكفي القبول إن التفكيك لا يمكن أن يختزل إلى أدواتية منهجية أو إلى مجموعة من القواعد والإجراءات القابلة للنقل؛ مثلما لا يكفي القول إن كل "حدث" تفكيكي يظل فريدا أو متوقعا، بأقرب ما يمكن من شيء أو لغة أو توقيع، بل يجب أن نحدد أيضا أن التفكيك ليس حتى فعلا أو عملية".
وخلافا لمجموعة من الآراء والمواقف المؤكدة على أهمية التفكيك في المعارف الحديثة، نجد آراء أخرى يحكمها النزوع النقدي في تناوله من ذلك ما ذهب إليه عبد الوهاب المسيري الذي اعتبر منظومته الفلسفية "قمة (أو هوة) السيولة الشاملة والمادية الجديـدة واللاعقلانية المادية"، واستهجن المشروع الفلسفي لدريدا واعتبره "محاولة هدم الأنطولوجيا الغربية اللاهوتية (بالإنجليزية: أونطوثيولوجي ontotheology) بأسرها والوصول إلى عالم من صيرورة كاملة عديم الأساس لا يوجد فيه لوجوس ولا مدلول متجاوز، ولذا فهو عالم بلا أصل رباني، بل بلا أصل على الإطلاق"، كما انتقد أسلوبه الذي قال عنه بأنه "يتسم بكونه طنيناً وجعجعة بلا طحن، وإن أخرج طنيناً فهو تقليد مألوف لا يختلف عما قاله السوفسطائيون من قديم الأزل ولا يخرج عن كونه تعبيراً طفولياً غير أنيق عن العدمية".
وقد كان دريدا نفسه واعياً بالانتقادات التي وجهت للتفكيك، كما صاغه عبر كتاباته المختلفة، وقد أجملها في فقرة موجزة، نقلها عنه الدكتور أنور مغيث، قال فيها إن "التفكيك نسبوي، تشكيكي، عدمي، غير عقلاني، عدو التنوير، حبيس اللغة القديمة والبلاغة، يجهل التمييز بين المنطق والبلاغة وبين الفلسفة والأدب، إلخ"، وهذه كلها مجرد اتهامات، بقول أنور مغيث، "تعود في نظر دريدا إلى سوء الفهم".
فجاك دريدا ما فتئ يؤكد على فعالية التفكيك واستراتيجيته التي أشاد بنتائجها، تلك الاستراتيجية التي وسمت فكره على امتداد أربعة عقود تقريبا، هي بحسب عز الخطابي، تروم "قراءة الفكر الغربي قراءة شاملة وإعادة النظر في المفاهيم التي تأسس عليها كخطاب ميتافيزيقي [مثل الحقيقة والعقل والهوية والحضور والأصل إلخ...]"؛ فالأمر إذن، يتعلق بنقد للتمركز العرقي الغربي المدعم من طرف تمركزات أخرى، مثل تمركز العقل والصوت؛ كما أن دريدا اعتبر تفكيك هذه التمركزات، حسب ما يقول الخطابي، تفكيكاً للمبدأ الأنطو- ثيولوجي للميتافيزيقا وللسؤال "لماذا"؟ ولكل الأسئلة المتعلقة باللحظة الأنطو- موسوعية"؛ وبالتالي فإن نتاج هذه الاستراتيجية تعد كافية حسب رأي الخطابي.
التعليقات السابقة
لا يوجد تعليقات سابقة. كن أول من يقوم بالتعليق
أضف تعليقاًً
* اختياري

