ذهنية التكفير
08 ديسمبر 2014 | 0 تعليق

موسى برهومة*
د. موسى برهومة*

على الرغم من بؤس الخطاب، وضحالة الرؤية، وسقم المقاربة التي انطوى عليها خطاب "داعش" التكفيري التهديدي في قطاع غزة مطلع الشهر الحالي، إلا أن ذلك يعكس تحولات متوقعة في خطاب التكفير ترمي إلى تهديد الأفراد، وتضييق الفسحة الشخصية أمام الحركية الاجتماعية.

الخطاب جرى وصفه بأنه "مزعوم" وأن لا وجود لـ"داعش" وأخواتها في غزة والضفة بشكل عام، ومع ذلك فإنه يأتي بفعل فاعل، فهو لم يكتب من أجل الترفيه، أو تزجية الوقت، ولم يأت في إطار "المزاح الثقيل"، وإنما هو رسالة بالغة الدلالة تعكس ضيق جهات محددة من هامش الحرية التي يتحرك فيه الشعراء المثقفون والمثقفات والنشطاء في المجتمع المدني في غزة. ومن هم خصوم لتلك الحريات يتحملون وزر هذا البيان الذي يتشابه في مضمونه مع خطاب الوعيد والتهديد الذي يشنه متأسلمون يريدون تطبيق الشريعة بأيديهم، وبما ملكت عقولهم النيّئة في تأويل أحكام دينية ملتبسة لم يجمع عليها فقهاء التنوير الدينيون.

فأن يوصف مثقف بأنه زنديق وملحد ومرتد وملعون وكافر وسكّير، وأن توصف مثقفة بأنها داعرة وفاسقة، فهذا تشهير وسفك دم على رؤوس الأشهاد، فضلاً عن كونه خروجاً على أعراف المجتمع الإسلامي ونواميسه وأخلاقه، ما يحيلنا إلى نوع جديد من "الفقه" يتأسس على ذهنية التكفير كخطوة أولى تسبق إخراج الأفراد من ملّة الإسلام، تمهيداً لهدر أرواحهم وحزّ أعناقهم.

وإن قال قائل أو معترض إن في الأمر تهويلاً، فإنني لا أحيله فقط إلى أفعال "داعش" الشائنة في العراق وسورية، بل إلى مجتمعات تهدّم بنيانها بعد أن سادت فيها عقلية التخوين، وتحكّمت بمصيرها محاكم التفتيش، وانمحى الهامش الخاص للأفراد إناثاً وذكوراً كي يمارسوا حريتهم الشخصية المطلقة في منأى عن سيف التجريم، ما دامت تلك الحرية ملتزمة القواعد القيمية المدنية لا الدينية، لأن الأخيرة تحكتم إلى أيديولوجيا، وغالباً ما تكون منفصلة عن إيقاع التحولات الحضارية.

وإن كان بيان داعش "المزعوم" في غزة، الذي ابتدأ بآية "والشعراء يتبعهم الغاوون، ألم تر أنهم في كل واد يهيمون، وأنهم يقولون ما لا يفعلون"، لم يأخذ حيّزه من الاهتمام، فإن ذلك لا يحول دون التنبّه إلى مخاطر تفشي ذهنية التكفير، على ما يتطلبه ذلك من ضرورة لمّ شتات القوى المدنية والنخب المثقفة والنشطاء التنويريين من أجل قطع الطريق أمام خطاب الإرهاب والتكفير والغلواء، فضلاً عن أهمية إعلاء قيم العقلانية والتفكير النقدي والحريات المدنية، وصيانة الحريات الشخصية وتقديسها.

ومن البداهة ألا تتعارض هذه الحريات مع قيم الدين ومقاصده وانفتاحه على التعدديات الواسعة في المجتمع، ما دام المنتسبون إلى تلك التعدديات يلتزمون القانون، ولا يتصادمون مع القيم المدنية، ويحرصون كما غيرهم الأغيار أيديولوجياً على إبقاء شجرة الحياة خضراء وارفة، وإعمار الغابة الكونية بالحب والخير والتسامح.

 

* كاتب وأكاديمي أردني

التعليقات السابقة

لا يوجد تعليقات سابقة. كن أول من يقوم بالتعليق

أضف تعليقاًً

الاسم
البريد الإلكتروني
* اختياري
عنوان التعليق
التعليق