المهدي المنجرة: صوت الجنوب بامتياز
02 ديسمبر 2014 | 0 تعليق

الراحل المهدي المنجرة -(أرشيفية)
ذوات – محمد بوشيخي

يعد المهدي المنجرة أحد أبرز المهتمين بعلم المستقبليات في العالم، كرّس جهوده العلمية في رسم معالم المستقبل عبر رصد المعطيات وتشخيصها واستشراف مآلها وتطورها، كما أصل للمستقبليات بالعبارة النبوية "الاستبصار" وميزها كعلم له قواعد ومناهج عن "التنبؤ"، واعتبر أبرز ما في علم المستقبليات هو "إذكاء روح الأمل على المدى المستقبلي، بالرغم من نتائج الحاضر التشاؤمية".

وانشغل من جهة أخرى بإقناع دول الجنوب بخيارات التفكير الاستراتيجي في تقرير مصيرها، لتجاوز أزماتها والانفلات من الهيمنة الغربية والأمريكية خصوصا، في زمن العولمة، التي يعتبرها أحد أوجه الاستعمار الجديد، حيث يرى أن دول الشمال تمارس إذلالاً ممنهجاً ومقصوداً على الدول الأخرى، وهذا الإذلال يتضاعف مفعوله على مستوى الشعوب المحكومة، لأنها تتلقى أيضاً إذلالا من جانب حكامها، فهو إذلال مزدوج؛ إذلال خارجي يمارسه الغرب باستكباره، وإذلال داخلي تمارسه الأنظمة الحاكمة باستبدادها. وإلى هذا يضيف المفكر المغربي، نوع ثالث من الإذلال يتمثل في الامتناع عن الفعل؛ أي عن المقاومة؛ ومن هنا نحت مصطلح "الذلقراطية" الذي يعني به "النظام السياسي والثقافي الذي يستغل التفاوت في علاقات القوة الداخلية والخارجية معا".

المنجرة... مسيرة عالم

ولد المنجرة بمدينة الرباط، سنة 1933، وبدأ مشواره الدراسي بمدارس البعثة الفرنسية، ثم انتقل إلى نيويورك سنة 1948 ليحصل من جامعة "كورنيل" على الإجازة في العلوم السياسية عام 1954، ومنها توجه إلى لندن التي حصل منها على الدكتوراه في أطروحة حول "الجامعة العربية". وعلى الرغم من صلابة تكوينه الأكاديمي على النهج الأنكلوسكسوني، فإن تكوينه العلمي ظل منفتحا على مختلف مصادر المعرفة، وهو ما يشهد به تنوع اللغات التي يتقنها ويكتب بها، وهي العربية، الفرنسية، الإنجليزية واليابانية.

بعد مشوار علمي حافل، عاد المنجرة إلى بلده المغرب، حيث كان أول أستاذ يعين بكلية الحقوق التابعة لجامعة محمد الخامس بالرباط عام 1957، كما عين مديرًا للإذاعة والتلفزة المغربية من طرف الملك محمد الخامس، وتعددت اهتماماته الأكاديمية بين القضايا السياسية والفكرية والاستراتيجية والاقتصادية وهو ما يعكسه تنوع كتاباته التي منها "نظام الأمم المتحدة"، "الحرب الحضارية الأولى"، "من المهد إلى اللحد"، "عولمة العولمة"، "الإهانة في عهد الميغا إمبريالية"، "القدس العربي، رمز وذاكرة"، "مسار فكر" و"انتفاضات في زمن الذلقراطية" ثم "قيمة القيم".

اعتقد المنجرة، انسجاماً مع طروحاته المستقبلية، أن "جوهر التخلف هو عدم التوقع، وغياب الرؤية على المدى الطويل" كما انتقد "انعدام مؤسسات التوثيق وتحقيق للمعلومات تخص العالم الإسلامي"

حصل على عدد من الجوائز من مؤسسات علمية عالمية، وتسلق المراتب العليا في "مسؤولية" الهيئات الدولية وعضوية البعثات التمثيلية الرسمية للمغرب، ورغم اهتماماته السياسية والأيديولوجية، فإنه اتخذ مسافة عن جميع الأحزاب والتنظيمات السياسية، كما دفع مقترحات ملكية لاستوزاره، منذ عهد حكم محمد الخامس، انسجاماً مع شرط استقلالية المثقف وتفرغه، وقد ظل وفيا لمبادئه الفكرية والسياسية إلى أن غادرنا إلى دار الخلد يوم 13 يونيو 2014.

اعتقد المنجرة، انسجاماً مع طروحاته المستقبلية، أن "جوهر التخلف هو عدم التوقع، وغياب الرؤية على المدى الطويل" كما انتقد "انعدام مؤسسات التوثيق وتحقيق للمعلومات تخص العالم الإسلامي"، وكان إيمانه كبيراً بمحورية الإنسان في التحرر والتنمية، لذلك وضعه في صلب تفكيره، كما اجتهد في تشخيص منطق العولمة ومخاطرها، والدفاع عن حق الشعوب في مقاومتها، وقد كان أول من ابتكر مفهوم "صراع الحضارات" وفسر دوافعها.

العولمة وحق النضال

تعمل العولمة، في تقدير المنجرة، بفعل نزوعها نحو الهيمنة، سياسيا واقتصاديا وثقافيا وعسكريا، على "تقليص حظوظ التواصل الثقافي المرتكز على احترام متبادل "لأساليب الحياة""، لكنه مع ذلك لا يضع نفسه ضد "الكونية"، إذا كانت ترتكز "على العدالة والإنصاف المطبق بدون تمييز عرقي، أو عقائدي، أو جنسي أو اجتماعي"، بل إن إيمانه كما يقول، "بالمصير المشترك للإنسانية" جعله يرفض "كونية سريعة مسيرة بروح النزعة المركزية، وبالأيديولوجيا السياسية والهيمنة".

فالثقافة كما يقول في كتابه "قيمة القيم"، لا يمكن أن تنقل "بشكل أعمى إلى مناطق أخرى من العالم، دون اعتبار واحترام لقيم هذه المناطق"؛ فاحترام القيم الثقافية للآخر هو شرط جوهري للتعايش السلمي بين الشعوب، فالثقافات "لا تستنسخ، ولا يمكنها أن تتواصل فيما بينها، ولا أن تغني بعضها البعض، إلا إذا اعتبرنا هذه القاعدة الأساسية".

وناضل المنجرة من أجل بديل حضاري ينافس الغرب ولا يعاديه ويجابه تسلطه ولا يجاريه، بديل حضاري يرتكز على الخصوصية الثقافية للشعوب، وينشد التقدم في حقلها وبواسطة ممكناتها في التغيير والإبداع، مستحضرا التجربة اليابانية كنموذج يحتذى، لأن اليابان بحسبه تقدم "نموذجا ناجحا، مع أنه يبدو بسيطا في المبادئ التي انطلق منها مع ثورة "الميجي" في عام 1868"، فاليابانيون تمكنوا من محو الأمية في ظرف 25 سنة فقط، كما أنهم، رغم معوقات لغتهم "بدأوا مشروعا ضخما لترجمة العلوم" من أجل تأهيل اللغة الوطنية والانطلاق منها.

ولا يغفل المنجرة الاستفادة من قوة الغرب المادية والتدبيرية أيضاً، رغم حدة انتقاده له في المواقف السياسية، ومن هنا إشادته بالآلية الديمقراطية في تسيير دواليب الحكم بصفتها أرقى ما وصل إليه العقل البشري في حقل التداول السياسي؛ فتأخر دول الجنوب بحسبه يعود فضلا عن غياب البحث العلمي" القائم على "الابتكار والخلق والإبداع" إلى عامل جوهري آخر يتمثل في "غياب الديمقراطية".

الحرب الحضارية والميغا إمبريالية

تتمحور رؤية المهدي المنجرة لعلاقة الشمال بالجنوب حول فكرة "الحرب الحضارية" التي بسطها في عدد من كتبه خصوصاً "الحرب الحضارية الأولى" و"الإهانة في عهد الميغا إمبريالية"، حيث نجده يلمس في مقاربة الغرب لقضايا دول الجنوب، خصوصاً منها دول العالم العربي الإسلامي، خوفا غير مبرر من الإسلام، وهو ما يترجم بحسبه "إحدى أكبر حالات الهوس التي يعيشها الغرب والعالم الأوروبي"، ويفسره ب"الجهل وغياب التواصل" فضلاً عن "العجرفة" الغربية بإزاء الآخر.

إن هذا الخوف هو ما أدخل العالم في مرحلة جديدة عنوانها الأبرز هو "الحرب الحضارية" التي انطلقت بالهجمة الغربية على العراق سنة 1991؛ فالحرب على العراق هي في تقديره "حرب قيم وحرب حضارية، وهي خوف من الإسلام". فالمنجرة اعتبر حرب الخليج الثانية مؤشراً على ولوج الصراع الدولي لمرحلة "الحرب الحضارية"، لتحكم القيم الثقافية، وليس الاقتصادية، في محركاتها الحقيقية. لذلك حكم بفشل الجهود الديبلوماسية لاحتوائها، فهي حرب "لا يمكن إيقافها لا بقرار مجلس الأمن ولا عبر حل دولي أو مؤتمر سلام"، وهي كما يقول: "نوع من المواجهة التي من المحتمل أن تدوم عشر أو خمس عشرة سنة آخذة مظاهر متعددة، ليست عسكرية بالضرورة، لا سيما غداة القرن الحادي والعشرين الذي يؤشر على تحديات كبرى هي بالأساس حضارية، وليست سياسية واقتصادية".

سجل المنجرة أولويته في نحت مفهوم "صراع الحضارات" قبل "صامويل هاتنغتون" صاحب أطروحة "صدام الحضارات"، كما بين تمايز وجهة نظره عن المفكر الأمريكي الذي يعتقد بحتمية الصدام

وهنا سجل المنجرة أولويته في نحت مفهوم "صراع الحضارات" قبل "صامويل هاتنغتون" صاحب أطروحة "صدام الحضارات"، كما بين تمايز وجهة نظره عن المفكر الأمريكي الذي يعتقد بحتمية الصدام، في حين يرى المنجرة بإمكانية تجنبه، فموقفه كما يقول: "وقائي"؛ أي يمكن تفادي الصدام عبر "خلق حوار حضاري بين شمال العالم وجنوبه"، كما يرى بخلاف هاتنغتون أن "حرب القيم" المشتعلة لا تعني بالضرورة حرب بين الديانات، لأن الكثير من الأشخاص "الذين يدافعون على نظم القيم الحضارية، ليسوا بالضرورة ممارسين لديانات تلك الحضارات".

إن غياب الحوار والاعتراف المتبادل بين الشمال والجنوب، في تقدير المنجرة، هو ما يفسر استمرار الحرب الحضارية في صيغة جديدة عقب فترة ما بعد 11 سبتمبر 2001، "فما نشاهده اليوم هو امتداد لعملية سيطرة دولية"، وهذا ما يبرر دعوته إلى مراجعة ميثاق هيئة الأمم المتحدة من أجل إقامة نظام عالمي جديد منصف وعادل للجميع، لأن النظام الحالي محكوم عليه بالفشل.

وما يميز الحرب الحضارية الحالية عن الحروب السابقة، من منظور عالم المستقبليات، هو أننا نجد أنفسنا في مواجهة ما يسميه "الميغا إمبريالية" التي تختلف عن المرحلة الاستعمارية خلال القرن التاسع عشر نظرًا لمحركاتها الاقتصادية؛ فهذا "كان ضمن ما سمي بالثورة الصناعية، أما الآن، فإن المرحلة الصناعية انتهت وأصبحنا نعيش في عالم ما بعد هذه المرحلة، وهو المجتمع المعرفي". كما ينجلي فرق آخر بين الإمبريالية الكلاسيكية و"الميغا إمبريالية" هو أن هذه الأخيرة لا تحتاج للجغرافيا، حيث لديها وسائل جديدة، مثل التكنولوجيا المتطورة للسيطرة على العالم بأسره"، كما أن "الميغا حسب مدلولها الجديد تقتضي الانفراد بالقرار؛ فهي لا تقبل إمبريالية أخرى منافسة على عكس ما كان في السابق، حيث كانت الإمبريالية الفرنسية مثلا تقبل بوجود إمبرياليات أخرى ألمانية وبريطانية وإسبانية أو غيرها".

 

التعليقات السابقة

لا يوجد تعليقات سابقة. كن أول من يقوم بالتعليق

أضف تعليقاًً

الاسم
البريد الإلكتروني
* اختياري
عنوان التعليق
التعليق