مثقفون أردنيون ينعون هاني فحص: خسرنا صوت الاعتدال في لحظة تاريخية فارقة
22 سبتمبر (أيلول) 2014 19:53 | 0 تعليق

الفقيد هاني فحص -(ذوات)
عمان - منى شكري

فجعت الأوساط السياسية والثقافية والدينية برحيل العلّامة والمفكر اللبناني السيد هاني فحص الذي غيبه الموت الخميس 18 أيلول (سبتمبر) الحالي، لتنطفئ شعلة من شعل الحوار ويغادر صوت العقل والحكمة وصاحب التجديد الديني، ومناهض التعصب والطائفية والمناضل والمثقف والشاعر وصاحب الابتسامة التي ما فارقت وجهه السمح.

مثقفون وكتاب أردنيون أكدوا في حديثهم لـ "ذوات" أن الفجيعة بفراق السيد هاني فحص كبيرة، سيما في لحظة فارقة؛ حيث الأمة العربية والإسلامية مقبلة على الدمار والخراب من وراء تزييف الدين ونفي فكرة الحب والتسامح فيه.

واستذكر أصدقاء العلّامة الراحل العلاقة التي تربطهم فيه، منوهين إلى المحبة الكبيرة التي كانت تسكن قلبه، وانفتاحه وحواره مع مختلف الطوائف والمذاهب وأصحاب الأديان المختلفة، كما أشادوا بدوره النضالي في توجيه البوصلة نحو فلسطين، إذ كان مسكوناً بتحريرها.

وعولوا على ضرورة أن ترث الأجيال التي تتلمذت على يدي السيد هاني فحص تفكيره المعتدل والمنفتح وقدرته على الحوار، لإكمال مسيرته في التصدي لتصاعد انبعاث النفس الهوياتي والصراع الطائفي والانقسام.

المحيسن: علّمني السيد هاني أن "الدين الحب"

الكاتب الأردني والأكاديمي الدكتور جهاد المحيسن قدم شهادة في المفكر الراحل، حيث روى لـ "ذوات" لقاءه بالسيد هاني حيث قال: ذات مساء ربيعي جمعني بفقيد التسامح "السيد هاني فحص" ببيروت، وقد وقف بجلالة قدره وجزالة عباراته وروحه التي خلقها الحق تبارك وتعالى مجبولة على فطرة التسامح والحرية.

وتابع المحيسن: دخلت كلماته روحي الظامئة التي تبحث عما يجدد الحياة فيها، بعد أن سئمت من القصاصين في الكتب والجوامع والحسينيات والكتاب والمثقفين، وحرضوا على الموت وسدنة للجحيم، نبهني سيد التسامح كما نبه كثيرين غيري "أن الدين الحب"، صدى عبارته دقت ناقوس الخطر في وقتها، وأن الأمة مقبلة على الدمار والخراب من وراء تزييف الدين ونفي فكرة الحب والتسامح فيه.

المحيسن: السيد هاني أعاد الروح للأمة المبتلاة بفقهائها ومثقفيها ومتدينيها؛ فخطابه فكك النص المستور في لغة ضيعناها في لهاثنا وراء لغة مسروقة من تاريخها وثقافتها

وبين المحيسن أن السيد هاني فحص كان محقّاً؛ فقد حصل ما كان يقوله "وأصبح القتل على المذهب والطائفة؛ وحتى على ولا شيء، والسبب الفهم الخاطئ لرسالة الإسلام وتعاليم الرسول الكريم، ولحظتها بعث السيد فحص في النفس الأمل، وأن الأمة ما تزال بخير، فثمة علماء يفكرون ويفككون قداسة النص التي استلبت لمصلحة فئات محددة تأخذ أشكالاً وأسماء مختلفة على مر العصور ولكن فكرتها واحدة؛ سلب إرادة العدالة عند الإنسان واغتيال فكرة التسامح".

ونوّه المحيسن إلى أن الراحل كان "يعيد الروح للأمة المبتلاة بفقهائها ومثقفيها ومتدينيها؛ فخطابه يعيد للدين وللغة العربية قيمتهما المعرفية، ويفكك النص المستور في لغة ضيعناها في لهاثنا وراء لغة مسروقة من تاريخها وثقافتها".

ويستذكر المحيسن كيف غير خطاب السيد هاني فيه كثيراً، حيث قال له: "مرجعيتي إسلامي ومذهبي المتفرع منه، والذي يكتمل بالمذاهب، والمساحة الشاسعة من الثقافة الإنسانية التي يحتاج المتقدم منها إلى نقد علمي، أما البدائي أو النامي، فيحتاج إلى فرص لفرز محمولاته، لإحياء الحي منها وإبقاء الباقي في المخزن... من دعوة أو تبشير بشيء، لأن ذلك عنف غير مباشر يؤول إلى عنف مباشر، أنا متدين وهنالك متدينون كثيرون مثلي لا يتسامحون بدينهم بل يسهلونه، وفي لسان العرب، سمح لي فلان أي أعطاني، والمسامحة هي المساهلة... وسمحت الناقة إذا انقادت، وفي أدبياتنا لا توصف الشريعة بالمتسامحة أو السماحة بل بالحنيفية؛ أي سهلة ليس فيها ضيق ولا شدة، والحنيف هو الذي يميل إلى الحق أو هو المخلص أو غير الملتوي، إذن فالإسلام سمح أي واسع يسع الجميع من داخله وخارجه".

وأردف المحيسن أن تلك المفردات التي تذهب إلى أبعد من الفكرة المدرسية الرسمية التي روج لها السيد هاني عبر قرون، والتي انتصرت مؤخراً عندما عطلت اللغة لمصالح مشاريع التغريب، ودخلنا في جحر الضب في غفلة سمحت للآخر غير السمح، وفي زمننا هذا الذي ضاعت في البوصلة هناك من يسحبنا إلى خارج سياق التاريخ لتسهيل السيطرة علينا، وقيادتنا إلى تفكيك الأمة وكسر مكوناتها الثقافية، وعلى رأسها الدين واللغة وإحلالها بلغة هامشية ودين مفخخ بقصور المعرفة.

البس: السيد هاني آمن أن فلسطين هي البوصلة

مؤسس دار "الشروق" للنشر والتوزيع الناشر والكاتب الأردني فتحي البس عاد بذاكرته في حديثه لـ "ذوات" لأوائل السبعينيات، حيث تعرف على السيد هاني فحص إثر عودته من النجف بعد تبحره في العلوم.

وأضاف البس: "عرفت السيد هاني شاباً موسوعيّ المعرفة مؤمناً بأن فلسطين هي البوصلة، فانضم إلى حركة "فتح" ونسج علاقات خاصة متميزة مع الزعيم الفلسطيني الشهيد ياسر عرفات وبقية قيادات المجتمع، لكنه كان يعرف أن العلاقة مع الكوادر والناس بأهمية العلاقة مع القيادة، فوجدته يختار الكتيبة الطلابية وخط الجماهير خط الشعب، المنبر الأقرب إلى نهجه وتفكيره، فتزاملنا في الهدف والحراك، السياسي والعسكري على أساس القناعة باحترام الآخر والنقاش المنفتح أيديولوجياً، بما فيها كل مناهج التفكير، وأولها الدين الإسلامي بما هو دين حق وتنوير وثورة على الظلم وانتصار للحق".

وأوضح أن السيد هاني كانت له "أيادٍ بيضاء في نسج العلاقة بين المقاومة وسكان الجنوب الشيعة، أغلبية السكان، دون إهمال للعلاقة مع بقية الطوائف، تجده في كل مكان يحتاجه، محاوراً كل فئات المجتمع وقواه مهما اختلفت أفكارهم ورؤاهم مقرباً بين الجميع ودافعاً لأذى التعصب الديني أو الحزبي".

البس: انشغل فحص بنسج علاقات متميزة مع كل الطوائف، فشارك بنهجه وعلمه وإيمانه في كل مراكز البحث والمؤتمرات، لعله ينجح بجهده مع بقية نظرائه من العلماء في هزيمة الفكر المتخلف

ظل السيد هاني، وفق البس، مخلصاً لأفكاره والتزامه الديني والأخلاقي خلال الحرب الأهلية وما بعدها، يفيض بالحيوية والعمل الدؤوب، سمحاً ومتسامحاً ومحاوراً ومضحياً بأية امتيازات تعطيها له مرتبته الدينية المقدرة، فهو بحق من الأسياد الذين وظفوا هذه المرتبة الدينية لدعم الحرية والعدالة، وعيناه دائماً على رص الصفوف لتحقيق هدف غال هو تحرير فلسطين، ولذلك كان جسراً للحوار بين الثورة الفلسطينية والقيادة الإيرانية الجديدة لكنه سرعان ما وجد نفسه في حالة خلاف مع الغلو، سواء جاء من إيران أو من أية جهة، بما فيها حزب الله، القوي جمهوراً وسلاحاً ونفوذاً، ولم يتردد في إعلان هذا الخلاف.

وبين البس أن السيد هاني انشغل في نسج علاقات متميزة مع كل الطوائف، فشارك بثقة عالية بنهجه وعلمه وإيمانه في كل مراكز البحث والمؤتمرات التي تناقش الخلافات الدينية والمذهبية لعله ينجح بجهده مع بقية نظرائه من العلماء في هزيمة الفكر المتخلف.

ولفت البس إلى أن علاقته بالراحل ظلت مستمرة إلى أن فجع بنبأ وفاته، فهو بالنسبة له "السيد المحاور المخلص المتنور البعيد عن التعصب، الحبيب الذي قضى عمره منافحاً عن الحق، يحتفظ لأصدقائه بصفاء المحبة الخالصة، فكم كانت سعادتي بلقائه والحوار معه والنهل من علمه ومعرفته وطيب جلساته الاجتماعية، فلا أحد كان يجاري خفة ظله وسلاسة حديثه...رحمه الله، فهو سيد بحق".

 

أبو هنية: لم ينخرط في أي مشروع متعصب وحاز على محبة الجميع

من جهته قال الباحث في الحركات الإسلامية والكاتب الأردني حسن أبو هنية، إن الراحل العزيز على قلوب كثيرين العلّامة السيد هاني فحص أحد الشخصيات المميزة في العالم العربي والإسلامي "فارقنا في ظل تصاعد انبعاث النفس الهوياتي والصراع الطائفي والانقسام والاستقطاب السني الشيعي، سواء في العراق وسوريا لبنان أو على امتداد مساحات من اليمن والسعودية".

وكان الراحل، وفق أبو هنية، أبرز الذين يشددون على "الخروج من أفق الهويات العصبية للمذاهب، حيث يمسك زمان الدعوة إلى أفق الحوار والانفتاح وبناء هوية متعددة".

وكان للراحل، بحسب أبو هنية، مواقف حوارية مع جميع أصحاب المذاهب، بل تجاوزها إلى التواصل مع أصحاب الديانات المختلفة، كما يعد السيد هاني أحد أهم الشخصيات البارزة في تقديم مقاربة رائدة في الإسلام والحداثة.

أبو هنية: فارقنا السيد هاني في ظل تصاعد انبعاث النفس الهوياتي والصراع الطائفي والانقسام والاستقطاب السني الشيعي

وأوضح أبو هنية أن العلامة الراحل يعد مناضلاً كبيراً في صفوف حركة التحرر الوطني الفلسطينية "فتح" وكان يقوم بأعمال جليلة تقرب وجهات النظر بين المذاهب والأديان.

ونوه إلى أن جيلاً تتلمذ على يد السيد هاني فحص وورث عنه ما تركه من مؤلفات وما أرساه من تفكير معتدل ومنفتح، فقد كان يحترم جميع الملل والطوائف، لكن للأسف الشديد فقد جاء موت السيد هاني فحص، بحسب أبو هنية، في وقت كان يشعر فيه بالأسى لتصاعد الطائفية، وخسرنا صوت الاعتدال في لحظة تاريخية فارقة يعيشها العالم العربي والإسلامي، حيث القتل والتعصب والطائفية.

وأكد أبو هنية أن السيد فحص في مسيرته حافظ على نفس الالتزام كمثقف ملتزم وعالم دين وشيخ محتفظ بصلابته العقلية والأخلاقية، ولم ينخرط في أي مشروع متعصب، لذلك التفت حوله أجيال كانت تنظر إلى دعوته بشيء من الاحترام والتقدير.

العلامة الراحل في سطور...

يذكر أن العلامة اللبناني الراحل السيد هاني فحص المولود في بلدة (جبشيت النبطية) 1946، من رجال الدين القلائل عند الشيعة الذين انخرطوا في العمل الحزبي العلني، وهو أديب وكاتب ومؤلف وناشط في المجتمع المدني، وداعية حوار بين الأديان، ومن أبرز المنظّرين في مجال مقاربة الإسلام لمواضيع الحداثة المطروحة.

تلقى السيد هاني الدراسة الابتدائية في القرية والمتوسطة في مدينة النبطية، وتابع دراسته الثانوية ونال شهادة الدروس الثانوية من "الموحدة السورية" كطالب حر، ليهاجر بعدها إلى النجف في (العراق) العام 1963 ودرس في حوزتها الدينية، ونال إجازة بكالوريوس في اللغة العربية والعلوم الإسلامية من كلية الفقه في النجف.

عاد من العراق عام 1972 ليستقر في بلدته جبشيت، وتزوج في التاسعة عشرة من السيدة نادية علو، وله خمسة أبناء ذكور وابنتان هم: حسن، زيد، مصطفى، بادية وريا.

انتسب العلامة المناضل إلى حركة "فتح" أيام وجودها في لبنان، وهو عضو في المؤتمر الدائم للحوار اللبناني، وكذلك عضو في المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى.

وللعلامة الراحل ما يقارب الثلاثة عشر كتاباً مطبوعاً منها: ماضي لا يمضي، ذكريات ومكونات عراقية، الإمامان الصدر وشمس الدين ذاكرة لغدنا، خطاب القلب، تفاصيل القلب، أوراق من دفتر الولد العاملي، مشروعات أسئلة، في الوحدة والتجزئة، ملاحظات في المنهج، المسرح، كتابات، الحوار في فضاء التوحيد والوحدة، الشيعة والدولة في لبنان، الهوية الثقافية.

 

التعليقات السابقة

لا يوجد تعليقات سابقة. كن أول من يقوم بالتعليق

أضف تعليقاًً

الاسم
البريد الإلكتروني
* اختياري
عنوان التعليق
التعليق