قراءة في لاهوت النزعة الإنسانية لدى عبد الجبار الرفاعي
04 يونيو (حزيران) 2014 11:58 | 0 تعليق | عمان - منى شكري
ساحة إحدى مساجد دمشق - (أرشيفية)

عند الخوض في فلسفة الدين والكلام الجديد، يحضر بقوة المفكر العراقي الدكتور عبد الجبار الرفاعي الذي يعد من أهم الداعمين له، في صقعنا العربي الإسلامي، ومن الداعين البارزين لتوطين هذا النمط من الممارسة المعرفية والعلمية ضمن جهود الاستفاقة الحضارية، شرط تكملة عدتها الإبستمولوجية والفلسفية الضرورية.

الإنسان مستعادًا؛ علامة مركزية واتجاه جذري في أعمال المفكر الرفاعي، وهو ما توقفت عنده بالبحث. دراسة حديثة صادرة ضمن منشورات "مؤسسة مؤمنون بلا حدود للدراسات والأبحاث" بقسم العلوم الإنسانية والفلسفة للباحث الجزائري الدكتور الحاج أوحمنه دواق بعنوان "الإنسان المستعاد في علم الكلام الجديد: قراءة في لاهوت النزعة الإنسانية للمفكر العراقي عبد الجبار الرفاعي".

   يستعرض الباحث دواق في بداية الدراسة، الجهد المعرفي الإنساني الإسلامي للرفاعي الذي عمل منذ سنوات عمله الأولى على بلورة ملامح مدرسة فكرية، تمتح من معين موارد عدة أهمها: المنظور الجديد للقرآن والتأويليات المشادة حوله، إضافة إلى مدرسة اليسار الإسلامي، ممثلة بمشروع من العقيدة إلى الثورة التي أسس لها الفيلسوف المصري حسن حنفي، والمدارس الإسلامية الجديدة.

 ويوضح الباحث أن الرفاعي وظف كل التراث الذي لملمه في مضمار بناء مشروع فكري ولاهوت جديد، يندرج في المحاولات الدؤوبة لاستعادة القول المعرفي، والخطاب الفكري الرصين في الإسلام من وحي المكاسب الجديدة التي أتاحتها التلاقحات المذهبية والعقائدية، والنجاحات المهمة التي حققتها المنهجيات الجديدة، فتمخضت عن ميادين علمية مستحدثة ومطورة.

وينوه دواق، إلى أن المجددين واصلوا الخطأ البنيوي عينه، عندما استبعدوا من فقههم وتأصيلاتهم التنظيرية؛ الاعتبار الإنساني بوصفه لب التوليفة الوجودية والمعرفية والقيمية، وأحلوا مكانه مضامين أخرى، أقل ما توصف به أنها غير إنسانية.

وتستوقف دواق في الدراسة جملة من الأسئلة منها: ما أهم الإخفاقات التي سجلها الرفاعي؟ وما موردها؟ وكيف تكرست في صميم بنية الثقافة العامة؛ حتى ظهرت كأنها العادي الذي يجب؟ أين يكمن أهم قصور للممارسة الكلامية التقليدية، ولماذا استنفدت غرضها؟ وهل يكمن المخرج في ابتعاث رممها؟ أم لا بد من تحول جذري نوعي يفضي إلى تأسيسات جديدة غير مسبوقة؟

   ويورد الباحث في الدراسة ما قاله الرفاعي فيما يتعلق بالمواجهة غير المتكافئة بين المتكلمين والفلاسفة، حيث يرى المفكر العراقي أنه منذ الأيام الأولى لولادة التفكير الكلامي، انبرى لمناهضته مجموعة من رجال الحديث، الذين قاوموا أية محاولة لتبرير النصوص المتشابهة وتأويلها، وأسرفوا في إلصاق شتى التهم بمن يحاول ممارسة هذا اللون من التفكير، بقطع النظر عن النتائج التي ينتهي إليها. فشرع القوم في تجييش الجماهير العامية ضد المتكلمين.

ويشدد الباحث، في الدراسة، على أهمية الالتفات التحليلي الذي مارسه الرفاعي، عندما ربط بين ضعف الممارسة العقلية بشكل عام، والكلامية بشكل خاص، في الثقافة الإسلامية، بسبب مناهضة الفقهاء، ودفعهم للعوام ومؤسسات الدولة إلى استبعاد هذا اللون من المنهجيات التكفيرية، ومزاحمتها بركام من التراث النصوصي المشبع بوعي اختزالي، عمّقه الحقد على كل مخالف، وظاهره تكفير كل ملة مباينة، ثم كل مذهب له تخريجاته الخاصة لمسائل الأصول في البداية، ثم انتهت إلى إقصائه لبعض التباينات في الجزئيات، فجرّت على الأمة التناحر، وصادرت كل إمكانية للثراء العقائدي ضمن برامج التعليم وسياسات التثقيف.

وهكذا، تغلغلت، وفق الرفاعي بحسب الباحث، أفكار التيار المناهض للكلام في وعي عامة المسلمين، فبدأ الكثير منهم ينظر بارتياب للفكر الكلامي، بل تنامت هذه الحالة وصارت العلوم العقلية برمتها ينظر إليها الناس بتوجس وريبة، حتى اضطر ذلك بعض المهتمين بها إلى التمسك بالتقية، والتكتم على معارفه، خشية إثارة حنق العامة.

ويؤكد دواق أنه من اللازم الإلماح إلى أن وأد النشاط العقلي في الفضاء الإسلامي لم يتم دفعة واحدة، بل تناوبت على فرضه قوى متعددة، فظهرت مصادرتها بحسب الداعي التاريخي؛ فمرة تبرز في سلطة الفقهاء المتوجسين من النشاط النظري الحر، وأخرى بتدخل القوى السلطانية التي تسعى إلى تعميم رؤية معينة بداعي المحافظة على انسجام المجتمع والأمة، وخوفًا من الفقهاء على ملكهم.

     ويظهر أن الدافع الذي حثّ الرفاعي إلى إنكار الصيغة التقليدية من الكلام، وفق دواق، هو إفراطه في تشقيقاته الجدلية الشكلية، وانكفاؤه عن الدور التوجيهي المباشر المحدد لتفاصيل التواصل العملي للحياة وشؤونها؛ فمشكلته تكمن في تغليب النظري على العملي، رغم جدواه، لكنه يخالف المنزع القرآني الميّال بشدة ظاهرة إلى محورة الحياة البشرية حول الشأن العملي، بما أنه يضيف ويفيد الناس جميعًا.

   ويشدد دواق على أن المفكر الرفاعي يعيد بناء لاهوت النزعة الإنسانية، إذ يسعى إلى اكتشاف وظيفة الدين الأصلية في إنتاج معنى لحياة الإنسان، وهي وظيفة "عجزت" معظم الجماعات الإسلامية اليوم عن إدراكها، و"أغرقت أنفسها والمجتمعات في نزاعات ومعارك يتجلى فيها كل شيء، سوى الأخلاق وقيم التراحم والمحبة في الدين".

ومن هنا تتجلى، بحسب الباحث في ختام دراسته، أهمية إعادة البحث عن المنازع المؤكدة على الإنسان الرباني الرحماني التراحمي، أكثر من ضرورة أنطولوجية وتاريخية، لمضمون علم الكلام الجديد الذي يعدّ المفكر الرفاعي، واحدًا من أهم المؤسسين له، خاصة عندما يؤكد على"الخلاص والتحرر من نسيان الإنسان...والاعتراف ببشريته ومكانته في الأرض، وتصحيح نمط علاقته بربه، وتحويلها من صراع مسكون بالرعب والخوف والقلق، إلى علاقة تتكلم لغة المحبة، وتبتهج بالوصال مع معشوق جميل".

والدكتور الحاج أوحمنه دواق باحث جزائري يشرف على تنسيق الدراسات التي تعتمدها مؤسسة مؤمنون بلا حدود في الجزائر، وعلى عقد الندوات العملية، وعلى شؤون الاتفاقيات البحثية مع مراكز الدراسات ووحدات البحث في الجامعات الجزائرية.

لقراءة رابط الدراسة كاملة على الموقع الإلكتروني لـ"مؤسسة مؤمنون بلا حدود للدراسات والأبحاث"، انقر هنا:

http://www.mominoun.com/arabic/ar-sa/articles/%D8%AF%D8%B1%D8%A7%D8%B3%D8%A7%D8%AA-%D9%88-%D8%A3%D8%A8%D8%AD%D8%A7%D8%AB/%D8%A7%D9%84%D8%A5%D9%86%D8%B3%D8%A7%D9%86-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B3%D8%AA%D8%B9%D8%A7%D8%AF-%D9%81%D9%8A-%D8%B9%D9%84%D9%85-%D8%A7%D9%84%D9%83%D9%84%D8%A7%D9%85-%D8%A7%D9%84%D8%AC%D8%AF%D9%8A%D8%AF--%D9%82%D8%B1%D8%A7%D8%A1%D8%A9-%D9%81%D9%8A-%D9%84%D8%A7%D9%87%D9%88%D8%AA-%D8%A7%D9%84%D9%86%D8%B2%D8%B9%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%A5%D9%86%D8%B3%D8%A7%D9%86%D9%8A%D8%A9-%D9%84%D9%84%D9%85%D9%81%D9%83%D8%B1-%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%B1%D8%A7%D9%82%D9%8A-%D8%B9%D8%A8%D8%AF%D8%A7%D9%84%D8%AC%D8%A8%D8%A7%D8%B1-%D8%A7%D9%84%D8%B1%D9%81%D8%A7%D8%B9%D9%8A/9924

أضف تعليقاً

الاسم
البريد الإلكتروني
* اختياري
عنوان التعليق
التعليق

التعليقات السابقة

لا يوجد تعليقات سابقة. كن أول من يقوم بالتعليق