سقراط: الفيلسوف الذي يعرف أنه لا يعرف
04 يونيو (حزيران) 2014 14:55 | 0 تعليق | عمان - معاذ بني عامر
لربما كان "سُقراط" ذاك المُجادل العظيم في التاريخ الإنساني كُلّه؛ قد استبصر- في لحظةِ تجلٍّ كبير- خلوداً أبدياً، ساعة قال: "أنا لا أنتمي إلى أثينا، أنا انتمي إلى العالَم"!.
إن الوفاء الإنساني لهذا الفيلسوف الجليل، جزء من نبوءته القديمة، التي هدم فيها أسوار وطنياته وإثنياته وأيديولوجياته، وقفز قفزة هائلة ناحية سهب إنساني لا آخر له. ولا زالت حكمته الشهيرة "الشيء الوحيد الذي أعرفه أنني لا أعرف شيئاً" تُردّد بوجلٍ كبير، كما لو كانت حكمة نازلةً من السماء. فمِمّا يحد من غلواء المرء أن يعرف أنه معارفه مقابلة المعرفة الكلية الشاملة لا تساوي شيئاً. إن تداعيات فيلسوف الإنسانية لا زالت تتردد في المخيال البشري، فهو جزء أساس من التراث الإنساني العالمي، ومشارك فاعل في دفع المرء ناحية تنامٍ معرفي لا نهائي، لكي يبقى في دائرة الجهل المُقدَّس!.
إنّ الفيلسوف الذي عاش حياة عادية، إلى درجة أنه حَمل معول عقله الجبَّار وحطم أصنام الأكاديميات المُخملية، ونقل الفلسفة التي كانت حكراً على أساتذة مُتأنقين إلى الشارع، وصار يُجادل الكل في الهواء الطلق، بحماسة كبيرة، سيبقى حيَّاً في نفوس العامة والخاصة، كما لو أنه يعيش بينهم حياً يجادل.
وقد كان لسقراط أن يُؤثّر مبدئياً على تلامذة مخلصين، أبرزهم "أفلاطون" الذي سيجعل من أستاذه بطلاً خارقاً في محاوراته الفلسفية. وإذا كان من نقطة تُحسب لصاحب الأكاديمية في ابتكار شخصية سقراط الأفلاطوني، فهي لناحية القدرة الإنسانية على استبدال العالَم القائم بعالَم بديل، يجترحه الإنسان إبداعاً أدبياً. فسقراط الأفلاطوني كما جُلِّي في المحاورات لم يتجاوز سقراط التاريخي فحسب، إنما صارَ بديلاً عنه، فسقراط الفاعل في المخيال الإنساني هو سقراط الأفلاطوني، بما يعني قدرة إنسانية هائلة على اجتراح العالَم بالكلمة، وذلك بنقله من العَدَم إلى الوجود بالنفخ فيه بـِ (كُنْ) الإنسانية!.
إنَّ الخرق المعماري في شخصية البطل السقراطي، ستتجلّى أكثر ما تتجلّى لحظة الموت!. فأفلاطون يقدّم صورة ملحمية عن أستاذة الجليل، وكأنه قادم على سحابة بيضاء صبيحة يوم ضبابي من أعالي السماء، ليُمارس طقس الموت، كما يمارس الإنسان العادي شُرب الماء. حتى إن المرء يُمكن أن يلمح وَجَلاً على ملامح "ول ديورانت" صاحب كتاب (قصة الفلسفة) وهو ينقل حدث موت سقراط، فهو حدث جليل وعظيم تخرّ له الجبال الراسيات.
لقد أقدم سقراط على تجرّع كأس السم بشجاعة مُفرطة، رافضاً أية دعوى للهرب؛ فالأبطال الإلهيون لا يهربون من عَرَضٍ إنساني ساذج وبسيط كعَرَضِ الموت!. إنهم يموتون بأدواتٍ فانية لأغراض العِظة والموعظة وبث الشجاعة لدى الخائفين، في محاولة لإبقاء الشحنة الحماسية بين الآلهة والبشر موصولة بصاعق كهربائي "عالي الفولتية".
إذن، مات سقراط ميتة الأبطال، ومع لفظه لأنفاسه الأخيرة صارَ حيَّاً أبد الدهر. لقد عبر الأذهان والأزمان، كما لو كان روحاً هائمة في أرجاء المعمورة، تبحث عن خلاصها بالحلول حلولاً صوفياً في أذهان وقلوب لا حصر لها. ولا زالت تلك العقول والقلوب تستحضر إرث المُعلِّم القدير وتمنحه إكسيراً تواجدياً في العمران البشري، فالجسد وظلّه حاضران بقوة لدى الخاصة والعامة؛ سواء بسواء.
إن الانتماء السقراطي القَبْلي إلى العالَم، قد جعل حضوره البَعْدي، حضوراً على المستوى الإنساني في عموميته الكلية، إذ تحققت النبوءة القديمة وصارت واقعاً معاشاً في العالم أجمع.
أضف تعليقاً
* اختياري
