أعطاب الانتقال الديمقراطي في زمن الربيع العربي
26 مايو (أيار) 2014 08:32 | 0 تعليق |
لمّا كانت إرادة الشعب هي جوهر النظام الديمقراطي، فهي مناط السلطة، والمرجع لتحديد الخيارات العامة، فإنه لا يكفي لقيام نظام ديمقراطي وجود دستور ينظم السلطات في الدولة، ومؤسسات لتمثيل المواطنين، وقوانين تسمح بتعدد الأحزاب، ما لم يترسخ السلوك الديمقراطي لدى الأفراد. ويتوقف ذلك على مدى انتشار القيم الديمقراطية، وثقافة الحوار والتسامح، والإنصات للرأي الآخر، واحترام الحق في الاختلاف وقبول النقد ونبذ التعصب.
فواحدة من مبتغى الحراك الشعبي ومسسببه، في الوقت ذاته، والتي ترصدها دراسة حديثة صادرة ضمن منشورات "مؤسسة مؤمنون بلا حدود للدراسات والأبحاث" بقسم الدين والسياسة للباحث المغربي عمر السويني بعنوان "الثقافة السياسية وإشكالية الانتقال الديمقراطي: رؤية نقدية لتداعيات الربيع العربي"، تبني الخيار الديمقراطي؛ حيث انتفضت شعوب الربيع العربي حاملة شعارات مدارها جميعها على الديمقراطية.
غير أن الديمقراطية المأمولة في الحقيقة، بحسب الباحث، ليست تلك التي تأتي في أعقاب انقلابات سياسية تسفر عنها ثورات داخلية أو ضغوط خارجية؛ وإنما صيرورة الانتقال الديمقراطي المراد تكمن في العمل المستمر والضروري من أجل تغيير وعي الأفراد وتعزيز فرص تعاونهم وتضامنهم وتنظيميهم؛ فالتراكم الثقافي والسياسي والاستراتيجي هو الذي يمهد عادة لنقلة كيفية.
ويرى الباحث، في بداية الدراسة، أنه إذا كانت الهندسة الدستورية والمؤسساتية والقانونية تضمن الشروط الرئيسة والأساسية للبناء الديمقراطي، فإن استمرارية هذا الأخير وضمان عدم إخفاقه يرتبط بشروط أخرى، ذات طابع اقتصادي وثقافي؛ فالديمقراطية لا تستقيم إلا بانتشار قيم ثقافية ديمقراطية لدى النخبة والجماهير؛ إذ لا يمكن إنجاح تحول ديمقراطي في بيئة متخلفة ثقافياً ومدنياً.
ويشير السويني إلى أن هناك شبه إجماع على أنه لا تعريف محدداً ومتفقاً عليه للديمقراطية، يمكن اعتماده واستعماله؛ غير أن مفهوم الديمقراطية يستقر اليوم على أنها "شكل في الحكم"؛ أي صيغة وآلية. ونظام الديمقراطية لا ينشئ الحريات ولكنه يكفلها ويكفل ممارستها.
وحول تعريف الثقافة السياسية الديمقراطية، فهي كما يوردها الباحث، وفق تعريف جيمس جيبسون، بأنها مجموعة المعايير التي تشجع على صياغة التفضيلات الفردية والجماعية في إطار سياق لدعم مجموعة الترتيبات المؤسسية، من أجل صنع القرار السياسي الذي يستجيب لهذه التفضيلات.
ويحدد جيبسون، وفق ما يذكر الباحث، أهمية المعايير في الثقة بالسلطة والمؤسسات مع الإيمان بالحق في انتقادها والتسامح السياسي والحرية والاعتقاد بحق المواطن إزاء الدولة.
ويرى السويني أن نظريات الديمقراطية تؤكد، عند دايموند، ضرورة وجود مجموعة من القيم والاتجاهات من المواطنين، وأهمها الوسطية والتسامح والمدنية والفعالية والمعرفة والمشاركة.
ويتابع أما على مستوى الفكر الإسلامي، فإن أهم القيم السياسية تتمثل في الشورى والعدل والحرية والمساواة. وفي هذا السياق يرى رشيد رضا أن القيم السياسية الإسلامية تتأسس وترتكز على القيمة العليا وهي التوحيد والعدل؛ وفي ذلك يختلف الفكر الإسلامي عن الليبرالي الذي يجعل الحرية قيمة عليا، وعن الاشتراكي الذي يجعل المساواة قيمة عليا.
ومن هنا فإن أهمية التنشئة السياسية تكمن، وفق الباحث، في أنها وسيلة لدعم وتأييد النظام السياسي، وتتم من خلال خلق قيم ومعايير لدى المواطنين تجاه نظام سياسي معين؛ حيث إن ذلك التأييد ضروري لضمان استمرار النظام.
كما أنها تلعب دوراً في خلق ثقافة سياسية، قد تزيد من قيم المشاركة والتعاون أو تعزز من الاعتزاز بالوطن، وقد يخلق هذا نتائج إيجابية في المجتمع.
ولصون الديمقراطية، برأي الباحث، هناك ثلاث طرائق رئيسة تسهم الثقافة السياسية من خلالها في اعتماد الديمقراطية أو إعادة ترسيخها، وتكمن في تغيير المعتقدات والمعارف عن أفراد النخبة السياسية، وإحداث تغييرات أوسع في الثقافة السياسية الجماهيرية.
ويؤكد السويني أن قضية التحول الديمقراطي باتت إحدى أهم القضايا المطروحة على ساحة البحث الدولية والمحلية، ففي كل مرحلة من مراحل التطور السياسي في التاريخ المعاصر تبرز منطقة بعينها لتحتل أولوية معينة، وتصبح هي "النموذج"، وهكذا انتشرت الديمقراطية في العالم الحديث على شكل موجات.
ويستعرض الباحث تاريخ تلك الموجات، منوها إلى أن قدرات الدول في التعامل مع هذه القضايا والإشكاليات تفاوتت استنادا إلى عوامل عديدة منها؛ درجة التطور الاقتصادي والاجتماعي.
ومن هنا لم يكن العالم العربي، بحسب الباحث، استثناء أو استعصاء على قانون التطور التاريخي العالمي؛ فقد وصلت إليه موجة التغيير حتى وإن تأخرت، ولكنها كانت تنم عن تراكمات بطيئة وطويلة الأمد، ولكن هذه المرة مع بيئة دولية مشجعة، دون أن يعني الأمر صناعة خارجية، بل كانت تعبيراً عن ظلم معتق مع اختلال في توزيع الثروة وزيادة نسبة الفقر.
ويوضح السويني أن الغرض من هذه الثورات والانتفاضات، التخلص من الأنظمة المستبدة المتحجرة، وإقامة أنظمة ديمقراطية تحترم التعددية وحق الاختلاف والتداول السلمي للسلطة وحقوق الإنسان وحرية التعبير والتفكير، وحرية الفرد وتشكيل منظمات المجتمع المدني.
ويبين السويني أن هناك معوقات كثيرة في البلدان العربية على مستوى الثقافة السياسية الديمقراطية، لم تكن موجودة في غيرها من البلدان مثل؛ المنظومة الفكرية والموروث الاجتماعي، والصراعات بين مكونات شعوبها الدينية والطائفية والإثنية وتفشي الفساد السياسي والإداري، وهذه العوامل وغيرها كثيرة، تشكل عراقيل في طريق الانتقال من حكم الاستبداد إلى النظام الديمقراطي.
ويشير الباحث إلى أن ما يجري في العالم العربي الآن ليس هو البناء الديمقراطي، ولكن بداية عملية شاقة وطويلة للانتقال إلى الديمقراطية؛ والمهم أن رحلة الألف ميل قد بدأت بثورات الشباب المطالبين بالتغيير.
ورغم أن تقديرات الباحثين حول حصيلة الربيع العربي تتوزع صعوداً وهبوطاً، وتتنوع المواقف بين نظرية المؤامرة، وبين الإيمان الثوري الحالم بالقدرة غير المحدودة للشعوب على تملك مصائرها، غير أن المسألة الديمقراطية تمثل، وفق الباحث، عصب التفكير في أي مشروع يهم الحداثة السياسية الممكنة.
ويرى السويني أن المهمة الأكبر هي بناء نظم حكم سياسية جديدة في منطقة الشرق الأوسط الأدنى، تتحمل المسؤولية وتعمل على نحو ديمقراطي، أو تكون على الأقل، أكثر تمثيلا للشعب مما هو عليه الحال الآن.
ويخلص الباحث إلى أن الديمقراطية وسيلة وليست غاية بحد ذاتها، منوهاً إلى أن المجتمع العربي الذي أسقط الاستبداد، ومضى في ثورته من أجل الحرية والكرامة، لا بد له من الثورة السياسية نحو الديمقراطية الحقة تجاوزاً لمرحلة الاستعباد.
لقراءة رابط الدراسة كاملة على الموقع الإلكتروني لـ "مؤسسة مؤمنون بلا حدود للدراسات والأبحاث"، انقر هنا:
http://www.mominoun.com/arabic/ar-sa/articles/%D8%AF%D8%B1%D8%A7%D8%B3%D8%A7%D8%AA%20%D9%88%20%D8%A3%D8%A8%D8%AD%D8%A7%D8%AB/%D8%A7%D9%84%D8%AB%D9%82%D8%A7%D9%81%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%8A%D8%A7%D8%B3%D9%8A%D8%A9-%D9%88%D8%A5%D8%B4%D9%83%D8%A7%D9%84%D9%8A%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%A7%D9%86%D8%AA%D9%82%D8%A7%D9%84-%D8%A7%D9%84%D8%AF%D9%8A%D9%85%D9%82%D8%B1%D8%A7%D8%B7%D9%8A--%D8%B1%D8%A4%D9%8A%D8%A9-%D9%86%D9%82%D8%AF%D9%8A%D8%A9-%D9%84%D8%AA%D8%AF%D8%A7%D8%B9%D9%8A%D8%A7%D8%AA-%D8%A7%D9%84%D8%B1%D8%A8%D9%8A%D8%B9-%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%B1%D8%A8%D9%8A/11659
أضف تعليقاً
* اختياري
