الخطاب الإسلامي واختزال الغرب للإسلام والمسلمين
23 مايو (أيار) 2014 08:57 | 0 تعليق |
إسلاميون في مظاهرات - (أرشيفية)
عمان - منى شكري

يبدو أن إعادة النظر في "صياغة وبناء الخطاب الإسلامي" شكلاً ومضموناً ووسائل أولوية من أولويات المرحلة الراهنة، فهذا الخطاب حالياً تراثي ينتمي إلى مرحلة قيام الدولتين الأموية والعباسية ودول الطوائف ويحمل خصائص تلك المرحلة؛ السياسية والاجتماعية والاقتصادية وفقهها.

ومن الدلائل على ذلك، وفق دراسة حديثة صادرة ضمن منشورات "مؤسسة مؤمنون بلا حدود للدراسات والأبحاث" بقسم الدين والسياسة للكاتب والمفكر العراقي طه جابر العلواني بعنوان "الخطاب الإسلامي واختزال الغرب للإسلام والمسلمين"،أن الأجيال المسلمة المهاجرة كانت حتى أحداث سبتمبر (أيلول) 2001 تقيم في الغرب بأجسادها، أما أفكارها وهمومها وقضاياها فقد كانت مستصحبة من البيئات التي غادرتها فلم تحقق تفاعلاً يذكر مع البيئات التي هاجرت إليها وشكلت أوطانها الجديدة، ما أوجد فجوة واسعة بين تلك الأجيال وأبنائها حتى دفعت بالبعض العودة إلى بلادهم الأصلية.

وفي بداية هذه الدراسة، يرى العلواني، أنه ومنذ الحادي عشر من سبتمبر لم يسمح الغرب للعالم كله مستغلاً آلته الإعلامية العملاقة أن يرى الإسلام والمسلمين عامة إلا من خلال شخصيتي أسامة بن لادن وصدام حسين، باعتبارهما النموذج المختزل لهما، ما عزز مخاوف الشعب الأمريكي والشعوب الأوروبية من الإسلام وقوّى من أنشطة الساعين لنشر فكرة "الإسلامفوبيا".

ويشير الباحث إلى أن هذه الحادثة وما تلاها أضرت بالمسلمين وبالإسلام ضرراً بالغاً، كما أنها أضرت بقضايا المسلمين الكبرى، منوهاً إلى الدمار الذي لحق بأفغانستان أولاً ومن ثم العراق.

ويتساءل الكاتب مستنكراً فيما إذا كان تدمير البرجين يساوي تدمير هذين البلدين؟ وتحجيم الوجود الإسلامي في الغرب؟، حيث يرى أن هذه العمليات يمكن أن تلفت أنظار الإعلام، ولكن من المستحيل أن تسقط دولاً أو تغير نظماً أو خرائط في أمريكا وأوروبا.

ويعود العلواني في الدراسة، إلى حرب العاشر من رمضان في العام 1973 حيث اكتشف العرب لأول مرة أن لديهم سلاحاً لا يقل خطورة عن أفتك الأسلحة ألا وهو سلاح البترول الذي استغله الملك السعودي الراحل فيصل في دعم مصر وسورية في حربهما ضد إسرائيل في ذلك العام. وهنا تنادى مفكرو الغرب وفلاسفته وحراس حضارته لتحليل ما جرى وإجهاضه وضمان عدم تكراره، فتم تحييد مصر باتفاقية كامب ديفيد، واغتيال الملك فيصل فلا مساومة معه.

أما سورية فينبغي، وفق العلواني، أن تثار لها المشاكل ليكون جيشها دوماً مشغولاً في حالة دفاع عن النفس، ومنذ ذلك الوقت ومراكز البحوث والدراسات الغربية تعمل ليل نهار لمصادرة أية صحوة أو شبه صحوة في العالم الإسلامي قبل أن تحبو على الأرض. فبدأت تظهر عناوين كثيرة مثل: "الثورة الإسلامية" و"القنبلة الإسلامية" و"الإرهاب الإسلامي" و"الخطاب الإسلامي" و"الصحوة الإسلامية".

لقد عقد لدراسة "الصحوة الإسلامية" في أمريكا وحدها خلال المدة 1973-1983 أكثر من 380 ندوة عدا الدراسات الفردية، بحسب العلواني الذي يشير إلى أن موجة أخرى من البحوث والدراسات بدأت تظهر في الغرب حين انهار النظام الإيراني، وعاد آية الله الخميني من منفاه ليملأ ذلك الفراغ، لتركز تلك الدراسات هذه المرة، على المناطق الإسلامية والمذاهب والفرق والاختلافات فيما بينها، وكيف يمكن توظيفها في إجهاض أية صحوة عامة يمكن أن يتمخض عنها هذا العالم الخطير العجيب؛ العالم الإسلامي!.

ومن الدراسات الطريفة التي كانت تطرح في بعض الندوات التي تناقش "الصحوة الإسلامية"، وفق الباحث، أنه لا مانع من قيام حركات ترفع شعار الإسلام في غير المحيط السني ذي الأغلبية؛ لأنه بحكم الاختلاف الجذري بينهما سيتكفل بتحجيمها، لذلك عندما قامت الثورة الإيرانية الشيعية لم يكن ذلك مفاجئاً لتلك الدوائر إن لم يكن مدبراً ولو على سبيل الاستدراج.

ويرى العلواني أن هذه العقلية تبرر تخلي البريطانيين عن الهاشميين في صراعهم مع آل سعود بعد الحرب العالمية الأولى؛ لأن عبدالعزيز وإن كان سنياً إلا أنه يعد إمام الوهابيين؛ وهذه الصفة كفيلة بعزله عن بقية العالم السني وعدم امتداده خارج حدود نجد والحجاز.

وفي سياق التخطيط العلمي لهذه الغايات تشكل أيضاً الكتب القصصية والروايات الشعبية الموجهة روافدَ مهمة لثقافة الإنسان الغربي حول الإسلام والمسلمين وحضارتهم؛ تلك القصص التي يقرب عددها من عشرة آلاف وبعضها يتحول إلى أفلام. وهذا التحليل، لا ينطلق منه العلواني من سيطرة فكرة المؤامرة علينا ونحن نحاول أن نفهم ونفسر، فذلك أمر آخر موجود نظرياً وواقعياً؛ لأن استبعاده نهائياً يوقعنا في خطأ كبير، وإعطاءه أكبر من حجمه يوقعنا في خطر أشد.

وبالعودة إلى حرب 1973، يؤكد العلواني، أن الجهود الغربية ركزت عقبها على قضية "الفراغ السكاني في الخليج" الوسيلة التي أُشهرت لكي يُنهى سلاح البترول والمال، حيث عقد مؤتمر حول ملء هذا الفراغ حضرته مجموعة قليلة من كبار المفكرين مع بعض المثقفين الخليجيين ونشرت مجلة "تايم" الأمريكية دراسة مهمة حول "إشكالية الفراغ السكاني" في منطقة الخليج، وخطورة استمرار هذا الفراغ مع كون هذه المنطقة مصدر الطاقة الأساسي عالمياً استبعدت فيها كل السيناريوهات أن تكون إسرائيل بمفردها قادرة على ملء هذا الفراغ، إضافة لما يمكن أن يثيره وجودها في هذه المنطقة الحساسة من ردود فعل.

ولذلك طرحت "تايم" في حينه فكرة نقل أمريكيين بحجم مناسب للعيش في العراق والخليج لتحقيق أهداف عديدة هي: تحقيق الأمن لمصادر الطاقة ولإسرائيل ومحو الصفة الإسلامية للمنطقة وإدخال الحداثة والديمقراطية إليها، والتخلص من عبء المساعدات لإسرائيل وتحميله للعرب.

وبدل أن تكون أمريكا قبلة العالم ونموذجاً مصغراً له أخذ الأمريكان، وفق الباحث، يفكرون أن يذهبوا هم إلى هذا العالم ويتفرقوا فيه ويحكموه تخليصاً لأرواح أبنائه من العيش خارج أنوار الديمقراطية الرأسمالية ومباهج العولمة والحرية الفردية، وهذا هو السيناريو الجاري تطبيقه حالياً، وكانت البداية مع احتلال العراق.

وتلفت الدراسة إلى أن الخطاب الإسلامي المعاصر عجز عن بناء جسور التعاون والتداخل مع المسلمين الجدد في الغرب، وهو وجه آخر لفشل الخطاب الديني في خارج ديار أمة الإجابة؛ فالمسلمون في الغرب يفاجأون بكثرة المشكلات الفقهية التي تلقى عليهم والاختلافات حولها، فبعض الأئمة والدعاة ورواد المساجد قد يأتون بصندوق كبير يحتوي على قوائم في الحلال والحرام لمن أسلم اليوم أو أمس ويقال له "خذه كاملاً، فهذا هو الإسلام"؛ لذلك كثيراً ما ينتهي هؤلاء إلى الانغماس في طريقة صوفية انعزالية أو فئة حزبية أو نوع من أنواع الانطواء، فتحرم الجماعة المسلمة في تلك البلاد من خيراتهم، وتفشل في جعلهم دعاة قادرين أكفاء لينذروا قومهم.

وطه جابر العلواني كاتب ومفكر عراقي يشتغل منصب رئيس جامعة قرطبة حالياً ورئيس جامعة العلوم الإسلاميَّة والاجتماعيَّة سابقاً ورئيس المعهد العالمي للفكر الإسلامي سابقاً.

شارك في تأسيس المعهد العالمي للفكر الإسلامي في الولايات المتحدة، كما كان عضو المجلس التأسيسي لرابطة العالم الإسلامي في مكة المكرمة، وعضو مجمع الفقه الإسلامي الدولي في جدة.

من مؤلفاته: "الاجتهاد والتقليد في الإسلام"، "أدب الاختلاف في الإسلام"، "أصول الفقه الإسلامي: منهج بحث ومعرفة"، "إسلامية المعرفة بين الأمس واليوم".

 

لقراءة رابط الدراسة كاملة على الموقع الإلكتروني لـ"مؤسسة مؤمنون بلا حدود للدراسات والأبحاث"، انقر هنا:

http://www.mominoun.com/arabic/ar-sa/articles/%D8%AF%D8%B1%D8%A7%D8%B3%D8%A7%D8%AA%20%D9%88%20%D8%A3%D8%A8%D8%AD%D8%A7%D8%AB/%D8%A7%D9%84%D8%AE%D8%B7%D8%A7%D8%A8-%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%B3%D9%84%D8%A7%D9%85%D9%8A%D9%91-%D9%88%D8%A7%D8%AE%D8%AA%D8%B2%D8%A7%D9%84-%D8%A7%D9%84%D8%BA%D8%B1%D8%A8-%D9%84%D9%84%D8%A5%D8%B3%D9%84%D8%A7%D9%85-%D9%88%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B3%D9%84%D9%85%D9%8A%D9%86/11140

أضف تعليقاً

الاسم
البريد الإلكتروني
* اختياري
عنوان التعليق
التعليق

التعليقات السابقة

لا يوجد تعليقات سابقة. كن أول من يقوم بالتعليق