نازك العابد: النور الدمشقي الذي أحرق ثوب الظلام
23 اغسطس 2015 | 0 تعليق
نازك العابد
تعد نازك العابد من النساء اللواتي غيرن التاريخ ونقشن أسماءهن فيه، تحدت زمانها وخرجت عن أعرافه، ولم تقتصر على كونها مجرد ذات مسيجة بأسوار ادعت حماياتها باسم الحرملك، بل انفلتت من التاريخ دون أن تنسى أن تنحت اسمها في جبين الدهر، تعددت ألقابها من نجمة إلى وردة ثم جان دارك الشرق، إلا أنها كانت سيفا يمزق أثواب الظلام حتى يتأتى للنور أن يجد مكانه وراء السواد، إنها السيف الدمشقي المنسي، والنور الدمشقي الذي أحرق ثوب الظلام.
ليس من السهل الحديث عن امرأة قادت النهضة النسوية السورية، قاتلت بقلمها وسيفها، وثارت على الظلم وكان الهم المجتمعي والسياسي والثقافي من أولوياتها، حاربت الاستعمار حاملة السلاح في وجهه، ومحطمة كل أنساقه بقلمها. وعشقت بلدها وأسست جمعيات ومنظمات للنهوض بالمجتمع المدني.
لتعرف عن قرب عن نازك العابد، يبقى السؤال من هي هذه المرأة السورية ذات الطراز النادر؟ وكيف تمكنت من صياغة مواقف بطولية جسدت جزءا لا ينفصل عن التاريخ السوري؟
عندما تكون الثورة مبدئا وليس فقط انعكاسا للواقع
ولدت نازك العابد في دمشق عام 1887 من أسرة دمشقية عريقة تعود أصولها إلى آل العابد، وكان الدها من كبراء دمشق، وأمها من عائلة نبيلة.
نشأت نازك في بيئة راقية مما ساعدها على التميز، فهذه المرأة المتنورة التي أبصرت النور في محيط متنور لعائلة مثقفة، تمكنت من إتقان ودراسة اللغة الإنجليزية والألمانية إلى جانب اللغة العربية، وقد تعلمت نازك العابد، مبادئ اللغتين العربية والتركية في مدرسة "الرشدية" في دمشق، ثم انتقلت إلى مدرسة "الرشدية" في الموصل، وتابعت في المعاهد الخاصة لتعليم اللغات الأجنبية،
وتعلمت فنون التصوير والموسيقى، كما اهتمت بعلمي التمريض والإسعاف، وقد أتقنت اللغة العربية واعتبرتها وسيلة للتعبير بقوة خلاقة عن أرائها، التي نشرتها في منابر صحفية مختلفة، والتي اعتبرت سابقة في زمانها.
الحس الثوري عند نازك وغيرتها على هويتها بدأ منذ صغر سنها، فعندما كانت تدرس في الموصل اللغة التركية وبفضل وعييها المبكر، انتقدت موقف المعلمات التركيات اتجاه اللغة التركية والتمييز المتعالي لها عن اللغة العربية، ورداً على تصرفاتهن شكلت تجمعاً رافضاً لهذا التمييز، مما أدى إلى طردها من المدرسة ونفيها وعائلتها في مدة غير معلومة في مدينة إزمير التركية، حيث واصلت دراستها هناك في مدرسة الفردوس الأمريكية قبل أن تعود للوطن، حيث شرعت ورفيقاتها في مواجهة الاستعمار، فأسسن مجلة "العروس" التي ترأستها ماري عجمي، وهي منبر يعنى بقضايا المرأة.
هناك من يقول بأن الثورة تأتي من عمق واقع قاس يبحث أصحابه عن سبل للتغيير، غير أن هذا القول لا يأخذ نفس المسار مع أشخاص حملوا هما إنسانيا، ودافعوا عنه لا لشيء سوى لكونهم يؤمنون بالإنسان وبحقه في أن يكون إنسانا، ولن يكون كذلك إذا كان مستلبا، أو مستعمرا أو مقهورا، من بين هؤلاء نجد نازك المرأة التي نشأت في وسط غني يتميز بحياة رفاهية وغنى، وعلى الرغم من ذلك لم تكتم صوت الضمير بداخلها، بل ثارت وانحازت لشعبها ومعاناته، وكما يقولون المرأة ثورة.
الكلمة كقوة فعالة من أجل التغيير
كانت الكلمة سلاحا أقوى من المدافع، كسرت بها نازك كل القيود الدينية والاقتصادية والاجتماعية المفروضة، وكانت المرآة التي عكست فيها نظرتها عن المرأة، كما كانت نبراسها في غياهب الظلام السائد.
لم تمنع ظلمة الواقع السياسي أيضاً نازك من التعبير عن وعي امرأة تنظر إلى المستقبل وإلى المرأة كعنصر ولبنة مؤسسة للمعنى الوجودي المجتمعي وللتغيير. وقد كتبت في مجلات عربية رائدة كمجلة العروس وعبرت عن صوت المرأة وعن الثورة وعن حبها لوطن، وبذلك عبرت على أن المواطنة لا جنس لها وأن من فكر في هذا التمييز لم يعرف يوما امرأة اسمها نازك .
فهذه المرأة القوية شاركت في الثورة السورية ضد الاستعمار الفرنسي والتوسع العثماني، فخرجت وتظاهرت واحتجت بكل جرأة، ولم تكتف فقط بالاحتجاج، بل أسست جمعية الوردة الحمراء، وشاركت في إسعاف الجرحى يوم ميسلون وتطوعت لخدمة الجرحى، أنشأت مستشفى ميداني لذلك.
أسست نازك جمعية نور الفيحاء لمساعدة ضحايا الثورة عام 1916 رغبة منها في المساهمة في مجريات الثورة العربية تحت قيادة الشريف حسين ضد العثمانيين، وبالموازات أصدرت مجلة نسائية للدعوة الى نهوض بالمرأة وتثقيفها، فهذه المرأة المناضلة استطاعت منذ شبابها أن تنشر العلم و الأدب في كل مكان حطت فيه، ولم تكتف فقط بهذا الحد، بل أسست النادي النسائي الشامي الذي ضم نخبة سيدات دمشق.
نازك امرأة دافعت عن وطنها بالقلم وبالسلاح
بعد أن أسست منابر للتعبير عن صوت المرأة وساهمت فيها، لم تقتصر فقط على الكلمة بل خاضت في الثورة بكل حيثياتها، وارتدت بذلة عسكرية وشاركت في معركة ميسلون وأنقذت الكثير من مصابي المعركة من رفاقها، بعد أن منحها الملك فيصل ملك سوريا رتبة نقيب في جيش المملكة، وقد عايشت الموت وتعايشت معه وشهدت على استشهاد أحد العظماء السوريين يوسف العظمة خلال محاولة إنقاذه، وقد قرر الفرنسيين بعد انتهاء معركة ميسلون نفيها ، وبالفعل تم نفيها لمدة عامين.
وبعد عودتها من المنفى لم تعتزل النضال، بل واصلت في نفس الدرب وبذلك نفاها الفرنسيون مرة ثانية إلى الأردن، واشترطوا في عودتها للوطن أن تعتزل العمل السياسي بشكل نهائي.
اندلعت الثورة السورية عام 1925، وكانت نازك من أهم المشاركين فيها، وقدمت الكثير خاصة، وأنها كانت تحيط جيدا بالتفاصيل الجغرافية لمنطقة الغوطة، التي ساعدت ثوارها على ضبط تفاصيلها، وقد كانت تقوم بعملها العسكري، وهي متنكرة في زي رجل .
لم تبتعد نازك كثيرا عن المجال العسكري، فحتى في حياتها الخاصة تزوجت عام 1929وجيها، وهو الوجيه اللبناني محمد جميل بيهم الذي كان ممثل بيروت في المؤتمر السوري الأول الذي انعقد في دمشق عام 1920 حينما فيصل ملكا لها.
من قلب بيروت واصلت نازك النضال إخلاصا لمبادئها وللمرأة، فأسست جمعية المرأة العاملة، وميتما لتربية بنات شهداء لبنان، كما أسست جمعية لمساعدة اللاجئين الفلسطينيين بعد نكبة فلسطين عام 1948.
بعد مسار حافل من النضالات، غادرت نازك الحياة في بيروت عام 1959عن سن يناهز اثنين وسبعين عاماً، قضتهما في الدفاع عن المبادئ التي آمنت بها، وهما المرأة والوطن، هذه الثنائية التي إن غابت عن أي إنسان فقد روح وجوده، فلولا المرأة والوطن، لم يكن للشعوب أن توجد، وكما العادة فمغادرة نازك للحياة لم تكن فارغة، بل سنة قبل وفاتها أسست لجنة للأمهات تعمل على رفع مستوى الأم اللبنانية في كافة مجالات الحياة، إنها المرأة التي تؤمن بأن كل لحظات الحياة هي فرصة للعطاء وبلاحدود.
التعليقات السابقة
لا يوجد تعليقات سابقة. كن أول من يقوم بالتعليق
أضف تعليقاًً
* اختياري




