البابا فرانسيس الأول يعلن تحرير فلسطين!
03 سبتمبر (أيلول) 2014 21:00 | 0 تعليق

عيسى جابلي*
عيسى جابلي*

خبر مؤكد…

أعلن البابا فرنسيس الأول منذ قليل استقلال فلسطين وإقامة دولة حرة مستقلة على كامل الأراضي الفلسطينية. وقال الحبر الأعظم في تصريح نقلته وكالات الأنباء ووسائل الإعلام، إن الشعب الفلسطيني عانى كثيراً من التهجير والسلب والنهب والتقتيل والذبح والابتزاز من قبل الكيان الصهيوني الغاصب الذي افتك أراضيه قسراً ونهب تاريخه. وأضاف قداسته: "آن الأوان لقول الحقيقة: نعتذر للشعب الفلسطيني الذي عاش معاناة قاسية لم يتعرض لها شعب في التاريخ من عهد نوح عليه السلام، وآن الأوان لكي تذهب الصهيونيّة التي ساندناها ظلماً وبهتاناً إلى البحر، لتذهب إلى الجحيم ولتخرج من الأراضي المحتلة".

هكذا أتخيّل نشرة أخبار موهومة انتظرت أن تأتيني في حلمي فأبت، فأرغمت وجهها في التراب بأن حلمت بها وأنا يقظ في كامل عافيتي ومداركي العقلية. تخيّلتها لما قرأت أن اللاّعب المصري العربي محمد أبو تريكة قد رفض أن يكون شاهد زور على سلام زائف مصنوع من الأكاذيب "المعولمة" ككذبة السلام، فرفض المشاركة في مباراة تجمعه بحذاء صهيوني.

تأتي بادرة البابا التي أرادها من أجل السلام في إطار نشر قيم عدم التمييز الديني والثقافي في زمن تخضع فيه جماعات بأسرها للإبادة والتصفية في أماكن مختلفة من العالم.
وقبله فعلها كثيرون على غرار لاعب التنس التونسي المميز مالك الجزيري الذي رفض مواجهة مضرب صهيوني، وانسحب من ربع نهائي بطولة طشقند للتنس في أكتوبر الماضي، وتحمل أعباء عقوبة صارمة من الاتحاد الدولي للعبة كلفت بلاده الشطب لمدة سنة من كأس دايفس.

الصهيونية تشارك في صناعة السلام أو... الخنزير يرعى الخراف!

تأتي بادرة البابا التي أرادها من أجل السلام في إطار نشر قيم عدم التمييز الديني والثقافي في زمن تخضع فيه جماعات بأسرها للإبادة والتصفية في أماكن مختلفة من العالم، ولكنه مع الأسف يخلط الضحية مع الجلاد كعادة الفاتيكان دائماً إذا تعلق الأمر بالصهيونية الإسرائيلية. فالبابا يعلم جيّداً أن الكيان الصهيوني الغاصب لا يمكن أبداً أن يكون طرفاً في السلام، لأنه آمن بأيديولوجيا الإقصاء وانبنى عليها، فكيف له أن يناقض نفسه، فينظّر لموته وينتفي؟

والبابا شاهدٌ على ما يقوم به الصهاينة من تقتيل وتشريد واغتصاب للأراضي في فلسطين ولكنه، عندما زارها منذ أشهر ترجّل عند حائط الميز العنصري ولامسه دون أن ينبس بكلمة تندد بذلك العمل الإقصائي لسبب واحد هو أن القائم به كيان صهيوني دموي هو الأكثر وحشية على مر التاريخ. بل إنه، في إطار التسوية بين الضحية وجلادها، دعا كلاً من الرئيس الفلسطيني محمود عباس ونظيره الصهيوني إلى الصلاة في الفاتيكان من أجل السلام!

يعلم البابا كل ذلك، ويمارس سياسة سأسميها "سياسة الموالاة بالصمت"، لأنه عندما يسكت عن الحق الظاهر للعيان، فلا يدين ولا يستنكر أسوة بالحكام العرب على الأقل، فإن ذلك في قاموسي الخاص دعم وتأييد ومباركة لما تقوم به اليد الزرقاء الصهيونية في حق الشعب الفلسطيني. فكيف يدعو لاعباً صهيونياً للمشاركة في هذه المباراة الودية، ليمثل "بلاده"؟ فلعل قداسته رأى يوماً خنزيراً يرعى الخراف في البرية، ويقدم لها أطباق الحشائش والأزهار الطرية!!

حاجات في نفس البابا

لا شك في أن البابا فرانسيس الأول قد تساءل عن سبب خروج أبي تريكة، ولا شك في أنه وجد الإجابة بسرعة ولكنه لا يستطيع التصريح بها.
تبدو هذه التظاهرة في العلن دعوة من أجل السلام، ولكنها تخفي في السر حاجات في نفس البابا؛ ذلك أن الكنيسة الكاثوليكية قد اهتزت صورتها واهترأت بسبب الفضائح المتتالية التي أقدم عليها المئات من القساوسة الكاثوليك؛ فقد عزل البابا السابق بينديكت السادس عشر، حسب وثيقة قدمت للأمم المتحدة، 400 قسّ بسبب التحرش الجنسي الثابت بالحجة على أطفال قصّر، وذلك خلال عامي 2011 و2012 فقط! وقبلها وقع الآلاف من الأطفال ضحايا التحرش الجنسي من قبل قساوسة منذ 1960، وهو ما أثر سلباً في صورة الكنيسة وساهم بدرجة حادة في اهتزازها، وتراجع عدد أتباعها بشكل لافت. ولعل دعوة البابا إلى هذه "الاستعراضات" – وغيرها كثير على غرار "مبادرة رياح السلام" من أجل وقف العنف في سوريا، و"يوم الصوم العالمي" وغيرها - تخفي نوايا استرداد المكانة المفقودة وتلميع الصورة والظهور بمظهر الداعي إلى السلام وخادم الإنسانية. ولكن هل يمثل هذا حلا للحيلولة دون ما تمارسه شركات السلاح الدولية ورؤوس الأموال والدول الاستعمارية الجديدة من وحشية وحروب إبادة؟ لماذا لم يدن خليفة بطرس ما قام به الكيان الصهيوني في غزة منذ مدة؟ لماذا لم يحرك ساكناً عندما كانت الطائرات تسوي المباني السكنية للعزل في غزة بالأرض على رؤوس المساكين من الأطفال والنساء والشيوخ؟ حينها اكتفى يوم الأحد 27 يوليو (تموز) الماضي بالقول: " لا للحرب! أفكر قبل كل شيء في الأطفال الذين حرموا من الأمل في حياة تستحق العيش".

كان حينها بارعاً في تسمية الضحايا واحداً واحداً: "الأطفال الموتى... الأطفال المصابون... الأطفال المشوهون... الأطفال اليتامى... الأطفال الذين لم تبق الحرب سوى على ألعابهم... الأطفال الذين لا يمكنهم الابتسام بعد الآن". ذكر الضحية بفصاحة عجيبة، ولكنه سكت عن المجرم سكوت خليفة بطرس والناطق باسم المسيح في الأرض، ما دام يعتبر الكيان الصهيوني صاحب حق، إذ قال في زيارته لبيت لحم، إنه يدعم "حق دولة إسرائيل في الوجود والازدهار في سلام وأمن ضمن حدود دولية معترف بها"، وهو الموقف نفسه الذي تعامل أمريكا الكيان الصهيوني على أساسه، متناسياً أن ذلك الازدهار وذاك السلام وذاك الأمن ظروف لن تتوفر إلاّ على أنهار الدم الفلسطيني وأشلاء الأطفال وبرك دموع الثكالى!

تأكيد إشاعة

لا شك في أن البابا فرانسيس الأول قد تساءل عن سبب خروج أبي تريكة، ولا شك في أنه وجد الإجابة بسرعة ولكنه لا يستطيع التصريح بها، لأنها قدح في حق "الأخ الأكبر في الإيمان" الذي يذبّح الفلسطينيين أمام صمت الفاتيكان الذي يبارك كل خطوة يقوم بها، ومن ذلك إقامة "دولة يهودية" على جثث الأطفال والنساء والعجائز والشيوخ. وإذا أراد البابا مستقبلا أن تتم استعراضاته ومبارياته على أكمل وجه دون انسحابات من أي لاعب، فما عليه إلا أن يختار الاختيار الوحيد الأوحد: أن يصدح بالحق – وتلك من المفروض مهمته بوصفه الناطق باسم "الرب" – فيعلن لوسائل الإعلام أمام الملإ تأكيداً صريحاً لا غبار عليه للإشاعة التي أطلقتُها في بداية هذا المقال!

 

* كاتب وباحث تونسي

التعليقات السابقة

لا يوجد تعليقات سابقة. كن أول من يقوم بالتعليق

أضف تعليقاًً

الاسم
البريد الإلكتروني
* اختياري
عنوان التعليق
التعليق